في نقطة طبية متواضعة في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث تمتد الخيام إلى ما لا نهاية، كانت المهندسة آيات السقا تجلس خلف مكتب بسيط، تنهي تقارير إدارية وتدوّن ملاحظات في دفتر صغير حول كيفية توسيع نطاق العمل. يوم عادي آخر، مثقل بقصص الألم التي يحملها المرضى والنازحون إلى المكان. ثم وصل الإشعار:

"فوز الفلسطينية آيات السقا بجائزةPenta Brighter Future Award (BFA) :"

توقفت للحظة، أعادت قراءة السطر، ليس لتتأكد من اسمها، بل لتتأمل الكلمات التي سبقته: فلسطين – غزة. في تلك اللحظة، بدا لها أن صوت غزة، المحاصرة والمنهكة، قد وجد طريقه إلى العالم. من قلب الانهيار الصحي، حيث يُصنع شيء من لا شيء، كانت قد بنَت مع فريقها نقطة طبية متكاملة تقدم الرعاية الصحية للنساء والأطفال، كنموذج صغير للقوة في واحد من أكثر الأماكن هشاشة على وجه الأرض.

قبل ثمانية أعوام، بدأت حكاية السقا، الحاصلة على بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة فلسطين، في مجال العمل الإداري. منذ ذلك الحين تعمل منسقة مشاريع في جمعية الثقافة والفكر الحر. لكن مع اندلاع الحرب، قررت أن تكون أقرب إلى تلبية احتياجات الناس، فاتفقت مع فريقها على إنشاء نقطة طبية تخدم النازحين في مواصي خانيونس، حيث الحاجة تفوق كل وصف.

على مدى عامين من العمل الدؤوب خلال الحرب، أدارت السقا النقطة الطبّية التي لم تقتصر خدماتها على الرّعاية الصحية الأولية، بل امتدت إلى الدعم النفسي للنساء والأطفال والفتيان والرجال، والعمل مع كبار السن وذوي الإعاقة، مع مراعاة النوع الاجتماعي. في البداية، لم تكن الخدمات شاملة، لكن تزايد أعداد النازحين وانهيار المنظومة الصحية – مع تحول المستشفيات إلى استقبال الجرحى فقط ونقص الأدوية – فرض توسيع العمل.

تقول السقا: "بدأنا بعيادة النساء، ثم الخدمات التمريضية، وبعدها أضفنا عيادة الطب العام وتنظيم الأسرة والصيدلية. لاحقًا أدركنا الحاجة المُلحة لوجود مختبر طبي، خاصّة مع انتشار فيروسات جديدة وضرورة إجراء الفحوصات فأقمناه".

خلال أول وقف لإطلاق النار، عادت السقا وفريقها إلى مقر المركز الصحي الذي كانوا يعملون فيه في البريج وسط القطاع. وجدوه مدمّرًا. تصف تلك اللحظة بأنها الأصعب، لكن لم يكن هناك وقت للانهيار. استخرجوا الأجهزة والمعدات الطبية من مختبر المركز، وأعادوا تأهيلها لاحقًا لافتتاح مختبر يخدم المرضى في النقطة الطبية الجديدة. 

تقول وهي تقف داخل المختبر: "استغرق تجهيز المختبر ستة أشهر كاملة في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وجود المختبر شكّل إضافة نوعية كبيرة، خاصة أن التحاليل في المختبرات الخاصة المتبقية في غزة كانت مكلفة جدًا، وكثير من المرضى كانوا يعجزون عن دفع تكاليفها".

لم تكن السقا ضمن الطاقم الطبي المسؤول مباشرة عن استقبال الحالات، لكنها كانت حاضرة دائمًا. تساعد، تنظم، وتواسي. من بين المواقف التي لا تفارق ذاكرتها قصة طفل في الثامنة من عمره مصاب بمتلازمة داون، اعتادت رؤيته مع والده. في إحدى المرات، طلب الطبيب تحاليل خارجية، فرد الأب: "ليس بمقدرتي أن أدفع تكاليفها".

ترسم ابتسامة خفيفة وهي تروي: "كنا وقتها في المراحل الأخيرة من تجهيز المختبر. قلت سيكون أول شخص نجري له التحاليل فيه. وفعلاً حصل ذلك. شُخّصت حالته وتحسنت. بعد شهر جاء الطفل إلى النقطة الطبية وصار يعانق العاملين واحدًا تلو الآخر. كلما تذكرت الموقف يزول تعبي في سبيل ابتسامة من مريض".

في خضم العمل، كانت السقا نفسها نازحة قسرًا عن بيتها. تنقلت بين رفح وخانيونس جنوبي القطاع، لا تنقل عائلتها فحسب، بل تنقل معها النقطة الطبية كلما صدر قرار نزوح جديد. "في كل مرة كنا نؤسس نقطة طبية ونعيد بناء الخدمات، كان يأتي قرار نزوح جديد، فنعود لنبدأ من الصفر. البداية من تحت الصفر هي الأصعب، خاصة عندما تكون الإمكانيات محدودة جدًا".

عملت تحت ذروة القصف، وكانت أكثر اللحظات توترًا حين يقترب الخطر من أماكن وجود عائلتها. "أنا واحدة من الناس نازحة مثلهم، لدي مهام أسرية، لكن واجبي المهني كان أقوى. كنت أفكر كيف أساعد الناس وأحافظ على كرامتهم وإحساسهم بالأمان. كنت أشعر أنني أعمل عملًا إنسانيًا في ظروف غير إنسانية، لكن رسالتي كانت أن أحافظ على كرامة الناس".

بعد عامين من هذا العمل، قررت التقدم لجائزة دولية تُمنح للشخصيات المؤثرة التي تسهم في بناء مستقبل صحي للنساء والأطفال وتعزيز العدالة الصحية. لم تكن تتوقع الفوز، خصوصًا أنها كانت المرشحة الوحيدة من الشرق الأوسط. أُعلن فوزها في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية.

تستعيد تلك اللحظة قائلة: "أخبرني زميلي عن الجائزة التي تُمنح كل عامين لسبعة مؤثرين على مستوى العالم يعملون في المجال الصحي. قلت له: هل سيتركون العالم وينظرون لشخص موجود في غزة؟ فرد عليّ: نحن نفعل ما لا يفعله العالم. تقدمت وأنا لا أتوقع الفوز، لكني فزت، ومنذ وقتها آمنت أن المستحيل ممكن".

بدعم المقربين وزملاء العمل، تواصل السقا مسيرتها. تؤكد أن جمعية الثقافة والفكر الحر وفرت لها الإمكانات للبدء وترك بصمة إنسانية في المجال الصحي، كما أن عائلتها ساندتها منذ طفولتها لتحقيق أحلامها.

من الهندسة المعمارية ورسم المخططات السكنية، إلى إدارة المشاريع وهندسة الأمل وسط الركام، وجدت آيات السقا نفسها تصوغ مساحة للضوء في واقع مثقل بالحرب. تحاول أن تقرّب العدالة الصحية من المهمشين والمنهكين، وأن توفر ما يمكن توفيره في مكان يفتقر إلى كل شيء.

تختم حديثها: "أحب دائمًا أن يكون لي أثر في مجتمعي. رسالتي إنسانية. ورغم أن الواقع كان أقسى من أحلامنا، إلا أننا ما زلنا هنا من أجل الناس. أنا ممتنة لكل تجربة صنعتني".