"أنا أيضًا أخافُ مثل سنووايت، لكن أخبريني يا ماما ماذا فعلَت حين خافَت؟"، بهذا السؤال قاطعت الصغيرة ريتا (5 سنوات) والدتها، بينما كانت تروي لها حكايةً قبل النوم. تفاجأت الأمّ من السؤال، الذي دفعها للتفكير فيما تُعايشه طفلتها، وما تُفكّر به ولا تقوله، وما تختبره من مخاوف، خاصةً بعد ما مرّوا به من أيام عصيبة وقاسية خلال الحرب.

تُخبرنا والدة الطفلة، من شمال قطاع غزة، أنّهم نزحوا أكثر من 6 مرّات، وفي كلّ مرةٍ كانوا يخرجون قسرًا تحت القصف والرّصاص. وخلال الحرب فقدوا عددًا كبيرًا من أفراد العائلة، منهم الجدّة والخال وعائلته وأطفاله الصغار، كما فقدوا منزلهم وكل ممتلكاتهم. والآن لا تستطيع ريتا النوم إلّا في حضن أمّها، بعد قراءة ثلاث أو أربع قصص حتى تُغمض عينيها، ورغم مرور 3 سنوات على بداية الأحداث، لم تعتد صوت الغارات بل وتُصاب بنوبة ذعر عندما تسمع أصواتًا عالية فجأة.

ريتا الصغيرة واحدة من مليون طفل في قطاع غزة (وهو العدد الإجمالي لأطفال غزة)، تقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إنّهم جميعًا بحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، إذ يشعر 96% منهم بأنّ الموت وشيك، وهو ما يعكس عمق الخوف والصدمة التي يعيشونها يوميًا.

حرب أخرى داخل عقول الأطفال

وفي دراسة أجرتها المنظمة، بين ديسمبر 2025 ويناير 2026، لرصد مؤشرات الصحة النفسية لأطفال غزة، قالت إنّ القدرات التأقلمية للأطفال تشهد انهيارًا تامًا تحت وطأة الأزمات المتراكمة، وتظهر على نسبة كبيرة منهم أعراض ضائقة نفسية حادّة، أبرزها اضطرابات النوم (40%) والتبول اللاإرادي (32%) والسلوك العدواني (19%) والانعزال (15%)، ما ينذر بأضرار نفسية طويلة الأمد إن لم يتم تداركها.

كما يُشير تقييم مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، بحسب تقرير نشره المكتب في 13 نوفمبر 2025، إلى تآكل إحساس الأطفال بالاستقرار والأمن مع انهيار الخدمات اليومية الأساسية، فأظهر 93% من الأطفال سلوكًا عدوانيًا، وأظهر 86% منهم الحزن والانعزال، إلى جانب اضطرابات النوم التي أظهرها 79% من الأطفال.

ومن التقارير والأرقام، إلى الواقع المُعاش، تُوضّح لنا المختصة النفسية، سجود المدهون، أنّ الأطفال الذين يتعرّضون للصدمات، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات وحروب، تتشكّل لديهم حواجز داخلية عديدة، منها مراكمة مشاعر الخوف والقلق، والغضب والتوتر، تنعكس في اضطرابات سلوكية، منها: العزلة الاجتماعية، السلوك العدواني، صعوبات التعلّم.

هذه الاضطرابات، كما تقول المدهون، بحاجة إلى مُتخصص للتعامل معها، وفي الوضع الطبيعي يُفترض أن يتوجّه الأهل بطفلهم إلى مركز مؤهل لتقديم التدخّلات المناسبة وفقًا لحالته ونوع ومستوى الاضطراب، لكن في غزة وبسبب الحرب، باتت هذه المراكز شحيحة، والمساحات الآمنة محدودة ولا توجد في كل المناطق، لذا من المهم أن يتعلّم الأهل كيفية التعامل مع مخاوف أطفالهم، وأن يمتلكوا بعض الأساليب العلاجية، في حال تعذّر وصولهم إلى شخص أو جهة متخصصة.

وترى الأخصائية أن أمام هذا الواقع النفسي القاسي الذي يعيشه الأطفال تغدو الحكايات والقصص أكثر من وسيلة ترفيه، لتُشكّل مساحةً آمنة تُتيح للأطفال تطبيع مشاعرهم، بمعنى فهمها والتعامل معها على أنها شيء طبيعي؛ فعندما يرى الطفل بطلًا (خاصة لو كان شخصيّته المفضلة) يشعر مثله تمامًا، بالخوف أو الحزن، أو يبكي، ويغضب مثله، أو يمرّ بصعوباتٍ ما، يُدرك حينها أنّ ما يختبره ليس ضعفًا، ولا خطأ منه، بل هي ردود فعل بشرية طبيعية، لأسبابٍ خارجة عن إرادته، وواقعٍ أكبر من طفولته.

من هنا تبرُز أهمية تحويل الحكاية إلى أداة علاجية بين يدَيْ الأهل، وهو ما أكّدته المدهون؛ فبدلًا من تقديم الإرشادات المباشرة التي قد تزيد توتر الطفل، وأحيانًا تُصاغ بأسلوب خاطئ تُشعره بالذنب (كأن تقول الأم لطفلها: لا يجب أن نخاف، الضعيف فقط هو من يخاف، أو كما يُقال للأولاد الصغار: لماذا تبكي، الرجال لا يبكون)، تأتي القصة وتلعب دور الوسيط الحاني، المقبول والمرغوب، الذي يوصل الفكرة والمعلومة للطفل بسلاسة.

"سرد القصص" كعلاج نفسي

يُعد "العلاج بالقصص" (Bibliotherapy)، من أبرز الأساليب النفسية للتعامل مع صدمات الطفولة، ويلعب دورًا مهمًا في تطبيع المشاعر وتبسيطها؛ فمن خلال تماهي الطفل مع بطل القصة يختبر مخاوف ومشاعر مشابهة، ويفهمها بطريقة سليمة، وبحسب مراجعة علمية منهجية نُشرت عام 2025 وحلّلت 33 دراسة حول العلاج بالحكايات، فإن سرد القصص مهم لدعم النمو الشامل للطفل.

ويُصبح هذا أكثر أهمية، إذا أدركنا أنّ الصِّغار لا يمتلكون استراتيجيات تكيف دبلوماسية، كالتي يتعامل بها الكبار مع المشاعر المؤلمة، وهو ما تطرّقت إليه المُعالِجة النفسية المتخصصة في الصحة النفسية للأطفال، مارجوت ساندرلاند، في كتابها "علاج الأطفال بالقصّة"، وذلك لأنهم يفتقدون المصادر الداخلية التي تُعينهم على التفكير في تلك المشاعر وفهمها، أو التحكّم بها، ويترك هذا نتائج مؤلمة عليهم، منها التغيّرات النفسية والسلوكية آنفة الذكر.

أمّا ما يُميّز هذا الأسلوب، بحسب ساندرلاند، فهو كونه طريقة جيّدة للتواصل مع الطفل، و"تذكرة دخول إلى عالمه"، فضلًا عن منح الطفل الأمل دومًا في أن "يخرج البطل من الأزمة"، وهذا يعكس تفاعل الأطفال الطبيعي مع القصص، فهُم يفكرون بالصور والسيناريوهات والشخصيات قبل أن يستوعبوا التفكير المجرّد.

ويوفر سرد القصص طريقة غير مهدِّدة لاستكشاف المشاعر، مما يقلل الخوف والمقاومة. فبدلًا من طرح أسئلة مباشرة على الطفل حول معاناته، يمكنه الاستماع إلى قصة تواجه فيها الشخصيات مواقف مشابهة، فيشعر بعدها بالراحة إزاء مخاوفه الخاصة، ويُعبر عنها، ويتعلّم كيف يواجهها.

في الوقت نفسه، تُتيح القصص للأطفال إسقاط مشاعرهم على الشخصيات الرمزية، مما يُجنّبهم مواجهة مخاوفهم وصدماتهم مباشرة. وتخلق هذه الطريقة مساحة آمنة تمنحهم فرصة للتأقلم وتجاوز الذكريات المؤلمة.

وهُنا، يمكن للأم أو الأب استخدام شخصيات رمزية أو حيوانات تمرّ بمواقف مشابهة وتتعامل مع خوفها؛ فلا يُلقّن الطفل العبرة بقسوة، بل تُمرَر إلى عقله وقلبه بهدوء من خلال الحكاية، ليشعر أنه طفل طبيعي، لا ضعيف ولا مُذنب. كأن نقصّ عليه كيف يخاف "باتمان" حين يجلس لوحده، وماذا يفعل ليتغلّب على خوفه.

كما يُستثمَر العلاج بسرد القصص في خلق بيئة آمنة عاطفيًا يشعر فيها الطفل بأنّه ليس وحده، بحسب مقالة نشرها مركز "إثراء الحياة" الأمريكي (Life Enrichment Counseling & Therapy Center) المتخصص في الإرشاد والصحة النفسية، بعنوان "How Therapists Use Storytelling to Help Children Heal"، يُوضّح فيها أن الخيال في القصص يُتيح للطفل الاعتراف بمشاعره الصعبة بأمان، كاستخدام قصة طائر يتعلم الطيران لمناقشة الشجاعة والفشل والمثابرة. وقصص أخرى تُوجّه الطفل لكيفية التعامل مع المخاوف والمشاعر الصعبة.

وفي السياق، تُوفّر الحكايات للطفل مجالًا للتعبير عن ذاته وأفكاره، كابتكار طفل مرّ بفقدانٍ ما لقصةٍ عن بطلٍ يبحث عن شيء ثمين. وتتجاوز القصص حدود التعبير لتصبح أدوات لتعلّم مهارات التأقلم، من خلال الصعوبات والحلول التي تعيشها الشخصيات، مثل قصة الدب الذي يتعلّم كيف يهدأ من نوبة الغضب، بأخذ أنفاسٍ عميقة.

ومع كلّ ما يعيشه ويختبره أطفال غزة، وسائر الأطفال في مناطق النزاعات، تبقى الحكايات بصيص أملٍ قد يمنحهم مساحة آمنة تشرح لهم مشاعرهم الصعبة، ويُعبّرون فيها عن مخاوفهم، وخطوة أولى على طريق التعافي النفسي، واستعادة حقّهم في الطفولة الآمنة الهادئة.