تتمعن وسام الشعافي (21 عامًا) في دبلتها اللامعة بين أصابعها، تُقلبِها بهدوء، وتستذكر كيف ظفرت بها بعد أشهر من الصبر. فبعد عام ونصف من الخطوبة، لم يستطع خطيبها توفير مهر كامل بقيمة 2000 دينار أردني، لتستغني وسام عن شراء الذهب الذي طالما حلمت به، وتقبل بالزواج بدبلة فقط بلغت قيمتها 1500 شيكل (نحو 500 دولار)، لتكون شاهدًا على رحلة طويلة من المعاناة.

تقول وهي تنظر إلى صور قطع ذهبية احتفظت بها في هاتفها أملًا في شرائها: "خسر خطيبي عمله، وبات يمارس أعمالاً متفرقة لنوفر مبلغًا بسيطًا يواجه الغلاء الحالي. لم يستطع توفير المهر ولا شراء قطعة ذهبية واحدة مع الدبلة، فأعطاني 3000 شيكل اشتريت بها ملابس عبر موقع "شي إن" لرخص أثمانها وشحنتها إلى غزة، وها نحن نعيش الآن في غرفة داخل منزل نزحت إليه عائلته".

لم يعد الذهب جزءًا أساسيًا من تجهيزات الزواج في غزة كما كان قبل الحرب، حين كانت العروس تخصص أكثر من نصف مهرها لشراء عدة قطع. واليوم، ومع تجاوز سعر غرام الذهب حاجز 100 دينار أردني، بات اقتناؤه حلمًا بعيد المنال، رغم تسجيل المحاكم الشرعية في قطاع غزة 57,251 حالة زواج بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و31 مايو/أيار 2026، وفق المجلس الأعلى للقضاء الشرعي؛ وهو ما يعني أن ارتفاع الأسعار طال عشرات آلاف العرسان الجدد، ودفع كثيرين إلى الاكتفاء بدبلة بسيطة أو تأجيل شراء الشبكة وادخار الأموال أملًا في انخفاض الأسعار مستقبلًا.

أزمة أسعار وضغوط متزايدة

على نحوٍ مشابه، اضطر الشاب وليد ذياب (32 عامًا) إلى استدانة ثمن دبلة خطيبته من عمته؛ نظرًا لسوء وضعه المالي بعدما دفع كل ما يملكه لتوفير المهر البالغ 2500 دينار أردني، والذي اتفق على أن تكون الشبكة خارج نطاق حسابه.

يقول ذياب متذمرًا من تحولات الأسواق: "هذا الارتفاع جنوني؛ فالمبلغ الذي كنا نشتري به شبكة جيدة قبل الحرب بوزن مقبول (نحو 1000 شيكل)، بالكاد يشتري غرامين اليوم. هذا الواقع وضعنا كشباب في أزمة حقيقية بين توفير المهر والشبكة في ظلّ ارتفاع أسعار الذهب ودخلنا المحدود".

تشاركه خطيبته حنين الرأي قائلة: "اشترينا دبلة بقيمة 800 شيكل، وكنت أتمنى أن يكون الذهب أرخص؛ إذ بلغ سعر الغرام 90 دينارًا. كنت أسأل عن أسعار القطع لعلي أقتطع جزءًا من المهر لأشتري سوارًا، لكن الأسعار كانت خيالية، فقررت ادخار جزء من المهر حتى تنخفض الأسعار وأشتري قطعة واحدة تفرحني إلى جانب دبلتي".

أما هيا حجازي (28 عامًا)، فكانت أفضل حظًا؛ إذ اشترى لها خطيبها دبلة ومحبسًا بقيمة 2500 شيكل بعد أربعة أشهر من الخطبة، فيما أهداها شقيقها خاتمًا خفيفًا لا يتجاوز وزنه غرامين لإسعادها؛ لمعرفته شغفها بالذهب إذ اضطرت لبيع القطع التي كانت تملكها سابقًا خلال الحرب لدفع تكاليف النزوح.

توضح هيا: "دفع خطيبي مهرًا بقيمة 3000 دينار أردني، فقررت اقتطاع نصفه لادخاره أملاً في شراء الذهب لاحقًا، فيما خصصتُ الباقي للملابس والمستلزمات، وأتمنى ألا أضطر لصرف المبلغ المدخر على النزوح أو الطعام أو أي ظرف طارئ".

كيف تغيرت أنماط الشراء؟

أظهرت نتائج استبيان أجرته "آخر قصة" شارك فيه 670 مصوتًا من العرسان الجدد في قطاع غزة حول أثر ارتفاع أسعار الذهب على قرار شراء دبلة الزواج، عن تغييرات جذرية في السلوك الاستهلاكي للعرسان.

وتبين أنّ 31% استغنوا تمامًا عن دبلة الذهب (208 مصوتين) بسبب غلاء الأسعار. فيما اشترى 29% منهم دبلة الذهب كما خططوا لها سابقًا. في المقابل اتجه 17% لشراء دبلة بوزن أو عيار أقل. كما اضطر 16% لتأجيل شراء الدبلة لحين تحسن الظروف. وأخيرًا اختار 7% دبلة من معدن بديل غير الذهب.

وتشير هذه النتائج إلى أنّ غلاء الذهب أعاد تشكيل أنماط الشراء، مُجبرًا غالبية المقبلين على الزواج على الاستغناء أو التأجيل أو البحث عن أوزان وأبدال أقل كلفة.

من جانبه، يوضح صاحب محلات "سعدي للذهب والمجوهرات" أن معظم العرسان باتوا يكتفون بدبلة لا تتجاوز قيمتها 1000 شيكل، بينما يشتري عدد قليل دبلة ومحبسًا بقيمة لا تتعدى 2000 شيكل، بعدما كانت العروس تخصص في السابق نحو 500 دينار لشراء طقم ذهبي متكامل وبأوزان جيدة.

ويضيف الصائغ: "كنا نقدم دبلة العريس كهدية وكان ثمنها 30 شيكلاً، أما اليوم فقد ارتفع ثمنها إلى 200 شيكل؛ مما دفع الشباب للعزوف عن شراء دبل لأنفسهم. نشتغل حاليًا بنصف طاقتنا تقريبًا، والمعروض لا يتجاوز 40% بسبب منع دخول الذهب لغزة، ونعتمد على إعادة تصنيع الذهب المستعمل الذي نشتريها من المواطنين لسد النقص".

ورجح سعدي استمرار ارتفاع الأسعار محليًا بمعدل دينار أردني أسبوعيًا للغرام في حال استمرار إغلاق المعابر، متوقعاً أن يصل سعر شراء الغرام إلى 120 ديناراً وسعر بيعه إلى 130 ديناراً إذا استمر الوضع الحاضر.

ضربة مزدوجة

من زاوية اقتصادية، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن المقبلين على الزواج في غزة يواجهون "ضربة مزدوجة"؛ فمن جهة ارتفعت أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية، ومن جهة أخرى انهارت الدخول وارتفعت معدلات البطالة، مما جعل توفير المهر بحد ذاته تحدياً شاقاً.

ويوضح أبو قمر أن الأموال تفقد قيمتها بمرور الوقت بسبب التضخم، مما دفع العائلات لتوجيه الأولويات نحو تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية على حساب مستلزمات الزواج، مشيراً إلى أن قيمة المهور المحددة انخفضت مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب رغم الارتفاع الكلي في تكاليف المعيشة.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن أزمة الذهب في غزة تتجاوز البعد العالمي لتتركز في خصوصية السوق المحتجز؛ إذ بات القطاع منذ السابع من أكتوبر سوقًا مغلقة تفتقر للاستيراد والتصدير، مما أدى لقلة المعروض وارتفاع سعر الغرام محلياً بما يزيد على 20 ديناراً أردنياً عن السعر العالمي.

وعن الحركة الدارجة لشراء الذهب من بعض الفئات، يبين أبو قمر أن بعض أصحاب الأموال فقدوا الثقة في القطاع المصرفي خوفاً من تجميد الحسابات، فأتوا إلى الذهب كملاذ آمن للادخار، مؤكداً أن ذلك لا يعبر عن الواقع العام لأهالي غزة الذين باتت دبلة الزواج لديهم تعد من الرفاهيات.

تحولت دبلة الزواج في غزة من رمز للفرح البسيط إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل العرسان. وبينما تبدلت تقاليد الزواج التي طالما تباهت فيها العروس بارتداء الذهب، أضحى اقتناء قطعة ذهبية واحدة مجرد ترف يُحسب حسابه بدقة بين التأجيل والاستغناء.