تقف هناء الزبدة (48 عامًا) أمام قدر كبير يغلي باللبن فوق عبوة النار الحديدية في المخزن الصغير الواقع أسفل بيتها في حي الرمال وسط مدينة غزة.
تراقب اللبن بدقة، وتحركه بملعقة خشبية بحركات دائرية بسيطة ورتيبة. وبينما تنهمك في إعداد اللبن والجبن، يهاجمها البعوض الذي لا يكف عن الأزيز ليل نهار في الفضاء الضيق. تضيق أنفاسها؛ إذ لا متسع هنا لهواء بارد يقتحم المكان لتخفيف وطأة الحرارة الشديدة التي يضاعفها العمل المنهك والوقوف المتواصل لساعات طويلة.
وحين تنهي عملها الشاق أمام القدر، تبدأ بتعبئة اللبن والجبن في أوانٍ بلاستيكية بعناية فائقة، قبل أن تنقلها إلى الثلاجة لتبريدها.
تواصل الزبدة العمل أمام سطح رخامي صغير مكتظ بالعبوات البلاستيكية والمنتجات الطازجة. تزن الكميات وتضعها في الأواني بحذر، حيث يُقرأ على الأكياس بوضوح عبارة "الهنا للجبن والألبان".
هذا المشروع لم يكن وليد المصادفة أو نتاج الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، إذ بدأت قصة الزبدة مع مشروعها منذ عام 2021، حين شغفت بعالم الطهي وانخرطت في دورات تدريبية متخصصة، حتى أتقنت صناعة الألبان والأجبان واختارت التخصص فيهما كحرفة للمستقبل.

لم تمضِ الأيام كما تخيلتها السيدة الزبدة، وحدث ما لم تكن تتوقع، وتكمن نقطة الاختلاف في حياتها في التحول الجذري لدورها من صاحبة مشروع منزلي ناجح، إلى المعيلة الوحيدة لستة أسر كاملة تضم بين أفرادها 11 يتيمًا. لم يعد العمل خياراً لتحقيق الذات أو رفاهية اقتصادية، إذ أصبح بعد فقدان السند واستشهاد زوجها وشقيقاتها وأزواجهم، إلى فرض لمنع لإعالة عائلتها الممتدة وسط الانهيار المعيشي والاقتصادي الهائل.
والزبدة واحدة من بين آلاف السيدات المعيلات في قطاع غزة، إذ تشير بيانات صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها نساء في القطاع بنسبة 50% خلال الحرب، لتصل إلى 18% مقارنة بـ12% فقط قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذلك بفعل فقدان المعيلين الذكور، حيث فقدت أكثر من 22,057 امرأة أزواجهن وأصبحن أرامل.
وعلى الرغم من أن نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة تبدو مستقرة ظاهريًا عند 17% (وهي النسبة المتدنية نفسها قبل الحرب)، فإن هذا الاستقرار يخفي خلفه إقصاءً قسريًا واسعًا. إذ بلغت نسبة البطالة بين النساء الناشطات في سوق العمل في غزة 92%، مقارنة بـ81% بين الرجال.

بالعودة إلى ما تصفه الزبدة بـ "الماضي الجميل"، تستذكر المرة الأولى التي صنعت فيها وجبة للبيع، وأخذها زوجها الراحل ليبيعها في محل البقالة الخاص به. تقول وهي تخلع رداء الطبخ: "كانت التجربة الأولى مثالية، تذوق زوجي وأقاربنا اللبن والجبن وذهلوا من لذة المذاق. شجعني ذلك على بدء رحلة مشروع كانت هانئة وهادئة وناجحة، حتى اندلعت الحرب، لأسير في نفق مظلم فقدت إثره مشروعي بالكامل، وبقيت لستة أشهر كاملة بلا عمل".

بعد ذلك التوقف الطويل، وخسارتها لكافة معدات العمل وشح المكونات الأساسية في الأسواق، استجمعت الزبدة قواها لتبدأ من جديد. وفرت الأساسيات بشق الأنفس، وصارت تصنع وتبيع بما هو متاح بين يديها، حتى اشتد القصف الإسرائيلي مجدداً بجوار منزلها في حي الرمال.
تضيف وهي تتذوق ملح اللبن التي أعدتها لتوها: "كان أكثر ما يعيقني في بداية عودتي للعمل هو انقطاع المواد الخام وأبرزها الحليب، فضلاً عن الانقطاع الكامل للكهرباء. حتى الألواح الشمسية التي كنت أعتمد عليها لتشغيل الثلاجة قُصفت مرتين. فقدت مكان العمل تمامًا، وها أنا أعود مجدداً؛ لكنني عدت مرغمة وسط بحر من الحزن والمسؤولية".
خلال المجاعة القاسية التي عصفت بشمال قطاع غزة إبان الحرب الإسرائيلية، وتحديدًا في عام 2024، تكيفت الزبدة مع انعدام الموارد وركزت على صناعة "الجبنة الكريمي" فقط نظرًا لإمكانية توفير مكوناتها الشحيحة. ورغم أن الإقبال والبيع كان كبيرًا جدًا بسبب حاجة الناس للغذاء، إلا أن سعر الكيلو الواحد تجاوز حاجز 100 شيكل نتيجة للارتفاع الجنوني وشح المواد الخام في القطاع المحاصر.

وتضيف بتنهيدة طويلة يملؤها الأسى: "أذكر حينما اشتد القصف في النزوح الأخير، وبقينا نحن في منازلنا بحي الرمال. وصلتني طلبات كثيرة لتصنيع الجبن والألبان، لكن حالتي النفسية السيئة وخوفي الشديد من حصار الآليات العسكرية لنا منعني من النهوض لصنع أي شيء. لاحقًا، صرت أصنع اللبن فقط كونه أسهل من الجبن ولا يحتاج إلى تركيز ذهني كبير".
ومرة وثانية وثالثة، مسحت الزبدة عن قلبها ألم الفقد المتوالي وواصلت العمل. لم يكن الانهيار خيارًا مطروحًا لديها، حتى وهي فاقدة للابن والزوج والشقيقات. وفي المرة الثانية لعودتها إلى أروقة التصنيع الغذائي بمقومات شحيحة وغير كاملة، تلقت صدمة أخرى ببتر ساق زوج ابنتها الذي كان يعاونها في المشروع. توقف العمل مؤقتاً، لكنهم سرعان ما عادوا لاحقاً وهو أسير الكرسي المتحرك.
تردف وهي تستذكر كيف كان زوج ابنتها عمودًا متينًا للمشروع برفقة ابنها فؤاد، ومحمد المتخصص في توصيل الطلبات، وابنتها نور: "نقف في المطبخ كلنا معاً ولا نزال حتى اليوم، كل منا له مهمة محددة. فقدت المعدات ثم صرت أجلب أقل القليل لتدبير أمورنا، حتى تقدمت بطلب للغرفة التجارية لدعم مشروعي، وبالفعل نجحت في الحصول عليه".

بعد النجاح في الحصول على هذا التمويل لمواصلة مشروع "الهنا للجبن والألبان"، خصصت الزبدة مكانًا جديدًا بعيدًا عن مطبخ البيت لتوسيع العمل وبلوغ وتيرة إنجاز أعلى. كان الحاصل الصغير أسفل بيتها هو الخيار المتاح؛ ورغم ضيقه وجدرانه التي تضغط على أنفاسها، إلا أن الراحة بعيدة المنال في مهنة كهذه. تنزل إليه وقت العمل فقط، وعند الانتهاء تصعد لبيتها سريعاً لتنفض عنها غبار الاختناق وضيق المكان.
وتشير وهي تضع قطع الجبن في الأكياس: "حصلت على دعم من الغرفة التجارية بغزة بأدوات ومعدات جديدة، ومواد خام، ولذلك وسعت مشروعي أكثر. كنت بحاجة ماسة لهذا الدعم خصوصاً بعد خساراتي المادية الفادحة خلال الحرب".
وتعدد الزبدة ما تحتاجه لمواصلة العمل مستقبلاً: "أوانٍ كبيرة، صوانٍ، مصافٍ، أكياس، علب، ميزان حرارة، وميزان الوزن، ومواد خام". ثم تصمت وتتنهد: "وراحة بال، ومكان لا تغمره الحرارة الشديدة ولا الحشرات".
تكمل وهي تنهي تعقيم الحاصل: "بسبب الحشرات والبعوض والذباب الكثيف، أحرص على نظافة المكان أكثر؛ أعقم كل شيء باستمرار. يرهقني هذا وخوفي من أن تطال الحشرات ما أصنع، لكنني أبذل جهداً مضاعفاً للحفاظ على البيئة معقمة".
وبينما تنهي حديثها، تخرج الأكياس الممتلئة بالجبنة وعبوات اللبن لإرسالها في طلبية عاجلة برفقة ابنها محمد، وتقول وعيناها تشعان بالإصرار: "أطمح أن يكبر مشروعي أكثر وأن أوسع المكان ليكون أكثر راحة لي وأجلب معدات أكبر، ويصبح لدي أكبر مصنع لصناعة الجبن والألبان في غزة".