تستعد إيمان أبو حسنين (40 عامًا)، وهي أم لطفلين، لاستقبال عام دراسي جديد بطريقة مختلفة عن الأعوام التي سبقت الحرب. فبدلًا من أن تنشغل بشراء الحقائب والدفاتر والأقلام، بالكاد تحاول هذه المرة تأمين احتياجات أساسية أخرى لأطفالها، مثل الملابس والأحذية والرسوم الدراسية، بما يتيح لهم مواصلة التعلم.

يوسف، البالغ من العمر 11 عامًا، يفترض أن يلتحق بالصف الخامس الأساسي، فيما تدرس شقيقته سلمى، البالغة 8 أعوام، في الصف الثالث الأساسي. ويحاول الطفلان الالتحاق بنقطة تعليمية مؤقتة داخل مخيم النزوح في دير البلح جنوب قطاع غزة، حيث يتلقيان التعليم في خيمة لساعتين أو ثلاث يوميًا، في ظل الاكتظاظ ونقص المقاعد.

وتقول والدتهما إيمان إن فكرة تجهيز طفلين للمدرسة أصبحت عبئًا يفوق قدرة أسرتها المالية، إذ قد تصل تكلفة تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات إلى نحو 350–400 شيكل، تشمل الحقائب والدفاتر والأقلام والأحذية. وتعتمد الأسرة بصورة أساسية على المساعدات الغذائية غير المنتظمة، إلى جانب العمل المتقطع للأب متى توفرت له فرصة للعمل.

تردف: "في السابق، كانت العودة إلى المدرسة تعني بالنسبة لي فرحة واستعدادًا وشراء دفاتر جديدة برائحة الورق، أما اليوم، فأشعر بالعجز والقهر، لأنني لا أستطيع حتى تأمين قلم ودفتر نظيف يكتب فيه أطفالي من دون أن يشعروا بالخجل أمام زملائهم".

ولا تتوقف الصعوبات عند المستلزمات المدرسية؛ فالأسرة تقيم في خيمة قماشية تفتقر إلى الكهرباء والمساحة الهادئة اللازمة للدراسة، ولا توجد فيها طاولة أو كراسٍ. لذلك، يكتب الطفلان وهما متكئان على فرشة إسفنجية على الأرض وفي النهار، ترتفع الحرارة داخل الخيمة إلى الحد الذي لا يُطاق، بينما لا تتوفر ليلًا إضاءة مناسبة للمذاكرة سوى ضوء كشاف الهاتف المحمول، الذي ينفد شحنه سريعًا.

وتوضح أن أولويات الأسرة أصبحت تفرض عليها اختيارات قاسية، فتأتي احتياجات الطعام ومياه الشرب والعلاج قبل مستلزمات التعليم. وتضيف: "أحيانًا أجد نفسي مضطرة إلى الاختيار بين شراء علبة أقلام ودفاتر لأطفالي، وبين توفير المياه أو احتياجات أساسية أخرى للأسرة".

لا يواجه يوسف وسلمى وحدهما صعوبة العودة إلى التعليم؛ فهما جزء من نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة بقطاع غزة حُرموا من التعليم الحضوري النظامي لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية. ومع تضرر نحو 98% من مباني المدارس، وحاجة أكثر من 93% منها إلى ترميم رئيسي أو إعادة بناء كامل، لم تعد العودة إلى المدرسة مرتبطة بتوفير الدفاتر والأقلام فقط، بل بإتاحة مساحات تعليمية آمنة ومهيأة للتعلم، في وقت تواجه فيه الأسر أعباء اقتصادية متزايدة تحد من قدرتها على تأمين احتياجات أطفالها التعليمية.

أما ريان حسونة (10 أعوام)، فيحاول متابعة دروسه داخل خيمة تعليمية في مخيم نزوح غرب مدينة دير البلح. ويفترض أن يكون في الصف الخامس الأساسي، لكنه يتلقى الآن ساعتين من التعليم ثلاثة أيام في الأسبوع ضمن نقطة تعليمية أقامها متطوعون داخل خيمة مجاورة لمركز الإيواء.

تتسع الخيمة لنحو 20 طفلًا، لكن أكثر من 45 طفلًا يتناوبون على حضور الدروس فيها، ولا تفصلها جدران عن محيطها، فتتداخل أصوات مولدات الكهرباء وباعة المياه وطوابير المساعدات مع أصوات المعلمين والطلاب.

لم يعد لريان مقعد خاص أو طاولة يضع عليها كراسته، فيسند الدفتر إلى ركبتيه ويكتب وهو جالس على الأرض، فيما يجد صعوبة في التركيز خلال الأيام الحارة بسبب الغبار وغياب التهوية.

ولا يقتصر النقص على المكان. فعندما لا يجد قلمًا، يستعير واحدًا من زميله، ويكتب في دفتره بأصغر خط ممكن ليستفيد من كل مساحة بيضاء متبقية، ليقول: “أشتاق إلى الجلوس على مقعد مثل السابق، وأتمنى ألا يتطاير الغبار فوق دفتري وأنا أكتب”.

كلفة التعليم

أما نادية مطر (37 عامًا)، التي تعمل في مؤسسة أهلية محلية وتتقاضى راتبًا شهريًا متذبذبًا يبلغ في المتوسط نحو 2,400 شيكل، فوجدت مع بداية العام الدراسي نفسها أمام كلفة لم تكن ضمن حسابات الأسرة قبل الحرب؛ ألف شيكل شهريًا لتأمين التعليم لاثنين من أطفالها.

نادية أم لثلاثة أطفال، ولم تتمكن من تسجيل أبنائها في نقطة تعليمية مجانية قريبة، فلجأت إلى مركز تعليمي مجتمعي أسسه معلمون وتربويون داخل شقة سكنية في وسط قطاع غزة، مقابل 500 شيكل شهريًا لكل طفل. وتشمل الرسوم الحصص التعليمية والمقاعد والطاولات، إلى جانب ساعتين إضافيتين من التعليم يوميًا مقارنة بالنقاط التعليمية المجانية، فيما لا تشمل القرطاسية أو المواصلات.

تروي: "حاولت تسجيل طفليّ في نقطة تعليمية مجانية، لكنني لم أتمكن من الحصول على مقعدين بسبب محدودية الاستيعاب وقوائم الانتظار. ومع استمرار الفاقد التعليمي لأكثر من عامين، لم أجد أمامي خيارًا سوى البحث عن بديل مدفوع، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بدخلي".

وتدفع مطر ما يعادل نحو 42% من دخلها الشهري مقابل تعليم طفلين فقط، فيما تتقاسم الأسرة ما تبقى من الدخل لتأمين الطعام ومياه الشرب وغاز الطهي والاحتياجات اليومية.

وتضيف: “أدفع جزءًا كبيرًا من راتبي، وأنا أعلم أن التعليم حق يجب أن يكون متاحًا للجميع، لكن البديل بالنسبة إليّ هو أن يضيع مستقبل أطفالي. نحن ندفع حتى نمنحهم فرصة للاستمرار في التعليم”.

لا تتعلق المسألة بقدرتها على شراء الكتب والدفاتر فحسب، بل بالاختيار بين بديلين: انتظار مكان في نقطة تعليمية مجانية محدودة الاستيعاب، أو اقتطاع جزء كبير من دخل الأسرة لضمان استمرار طفليها في التعلم.

بيئة مؤقتة

ولا يرى المختص التربوي يوسف التري أن ما يجري في غزة يمكن وصفه ببداية عام دراسي بالمعنى المعتاد، بل يعتبره محاولة إنعاش اضطرارية لعملية تعليمية تضررت بنيتها الأساسية.

ويقول التري إن نقاط التعليم المؤقتة وخيام التعلم لا يمكن أن تحل محل المدرسة، وإنما تمثل مساحات طوارئ للحفاظ على صلة الأطفال بالتعلم ومنع انقطاعهم الكامل عنه، مضيفًا: «نحن لا نتحدث عن بداية عام دراسي بالمعنى التربوي المتعارف عليه، بل عن محاولة إنعاش اضطرارية لعملية تعليمية مدمرة».

كما يرى أن نقص المستلزمات والبيئة غير الملائمة يزيدان صعوبة التعلم، موضحًا أن الدفتر والقلم ليسا مجرد أدوات مادية، بل جزء من عملية التعلم نفسها، وأن اضطرار الطفل إلى إعادة استخدام الصفحات أو الكتابة في مساحات ضيقة يشتت انتباهه عن المحتوى الذي يتعلمه.

ولا يقتصر القلق، بحسب التري، على جودة التعليم، بل يمتد إلى مبدأ تكافؤ الفرص. فمع محدودية استيعاب نقاط التعليم المجانية، بدأت بعض الأسر القادرة ماليًا باللجوء إلى مراكز تعليمية مدفوعة توفر ساعات أطول وبيئة أكثر ملاءمة.

ومن الناحية النفسية، ترى المختصة هديل ياغي أن العودة إلى التعليم في بيئة مؤقتة لا تعيد للطفل بالضرورة الإحساس الذي كانت تمنحه المدرسة سابقًا، موضحة أن المدرسة بالنسبة إلى الطفل تمثل مساحة للأمان والروتين والاستقرار.

وتقول إن انتقاله إلى خيمة تفتقر إلى الجدران والمقاعد، وسط ضوضاء المخيم وظروف النزوح، قد يعزز مشاعر القلق والتشتت ويصعّب عليه التأقلم.

يمتد أثر الأزمة، بحسب ياغي، من البيئة التعليمية، إلى ما يحمله الطفل معه إلى مكان التعلم. فنقص الحقيبة والدفاتر والأقلام، ومقارنة الطفل نفسه بزملائه، قد يولدان شعورًا بالعجز أو الإحراج، وقد يدفعان بعض الأطفال إلى الانزواء أو حتى تجنب الذهاب إلى نقطة التعليم.

ورغم ذلك، تؤكد ياغي أن العودة إلى التعلم تظل عامل حماية نفسيًا مهمًا؛ لأنها تعيد للطفل جزءًا من الروتين اليومي، وتمنحه مساحة للتفاعل والانشغال بما يتجاوز ظروف النزوح.

وبينما تحاول إيمان إعادة استخدام دفاتر أطفالها وتأمين أبسط مستلزمات التعلم، يجلس ريان على الأرض متمنيًا مقعدًا وبيئة تشبه مدرسته القديمة، فيما تدفع نادية جزءًا كبيرًا من دخلها لتمنح طفليها ساعات إضافية من التعليم.

تختلف ظروف الأسر، لكن محاولاتها تلتقي عند هدف واحد: ألا يتحول ما فقده أطفال غزة خلال سنوات الحرب إلى فجوة يصعب تعويضها. فعودة التعليم لا تعني عودةً إلى المدرسة بقدر ما تعني محاولةً للحفاظ على حق الأطفال في التعلم واستعادة شيء من روتينهم وطفولتهم.