في مركز التأهيل الطبي الوحيد في مدينة غزة للأطراف الصناعية، قابلنا أم محمد (34 عاماً)، وهي تجلس على حافة سرير طبي، تعض على شفتها لامتصاص ألم البتر الذي أصاب ساقها قبل أكثر من عام. أم محمد، بدأت قصتها في نوفمبر 2024 بقصف جوي أصاب منزلاً كانت قد نزحت إليه. وحين استيقظت في المستشفى وجدت نفسها بساق واحدة، بعدما بُترت اليسرى من فوق الركبة، ويدها اليمنى في جبيرة مؤقتة بانتظار التعافي.
تلك حالة واحدة في سجل طويل يضم نحو خمسة آلاف شخص، قدّرت منظمة الصحة العالمية أنهم تعرضوا لبتر أحد أطرافهم منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023.
أم محمد وهي والدة أربعة أطفال، تواجه الآن تحدياً بعد عدم توفر طرف صناعي يناسب حالتها، ولا مركز علاج طبيعي يناسب إقامتها في خيمة ببلدة الزوايدة وسط قطاع غزة. قالت بنبرة حادة: "أطفالي بحاجة ماسة لأن أساندهم، لكني للأسف في ظل هذه الظروف لا أستطيع حتى أن أساند نفسي".

هذه القصة ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي وثّقناها ميدانياً خلال أسبوعين من البحث الميداني المكثف، وهي كانت محركاً أساسياً وراء هذه القصة المدفوعة بالبيانات.
قمنا بزيارة مركزين للأطراف الاصطناعية، وعيادة واحدة لإعادة التأهيل في دير البلح، تحدثنا مع أسر، ومع مختصين، ومع مرضى ما زالت جروحهم مفتوحة.
خلال عملية البحث، طالعنا العشرات من التقارير الطبية، وحصلنا على وثائق من منظمة الصحة العالمية – مكتب الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالإضافة إلى بيانات فرق الطوارئ الطبية (EMT) وسجلات الأمم المتحدة للشحنات (UN2720).
كشفت المعطيات أن الأشخاص الذين يعانون من إصابات قد تغير مجرى الحياة، يشكلون شريحة سكانية كبيرة تصل إلى 43,011 شخصاً، وهو ما يعادل 2% من إجمالي سكان غزة قبل الحرب.

هذه الفئة، التي تضم مبتوري الأطراف ومصابي الحبل الشوكي والرضوح الدماغية (تلف يلحق بالدماغ نتيجة قوة خارجية)، تواجه تحديات متعددة الأوجه، من أبرزها، انهيار نظام إعادة التأهيل، حيث لا يوجد حالياً أي مركز إعادة تأهيل يعمل بكامل طاقته، فضلاً عن أن جميع المرافق تعاني نقصاً حاداً في الكوادر والمعدات.
إلى جانب اتباع الاحتلال الإسرائيلي سياسة البوابات المغلقة، حيث تشير التقديرات الميدانية، أنه بين مايو 2024 وأبريل 2026، لم تدخل أي معدات لإعادة التأهيل إلى غزة، فيما أن الشحنات التي تحتوي على كراسي متحركة تخضع للانتظار على المعابر بمعدل أربعة أشهر.
وبحسب إفادات وثقتها منظمات أممية، فإنه تم قتل 50 من أخصائي إعادة التأهيل منذ أكتوبر 2023، مما خلق فجوة لا يمكن سدها بسهولة في الخبرات في قطاع غزة.

ولأن من يسمع عن الأزمة ليس كمن يراها بعينه، فإن المعاينة الميدانية داخل مركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة، تعكس حجم الاحتياج الماس للأطراف الصناعية في ظل ضخامة أعداد مبتوري الأطراف.
كان الطفل ركان السايس، يخوض رحلة تحدي مع تركيب طرف صناعي، يستمع بإنصات إلى تعليمات الموجهة. يسير ببطء شديد عبر ممر خشبي مثبت على طرفيه مقابض حديدية ليستند عليها.
ركان (14 عاماً) فقد جزءاً من قدمه على أثر غارة استهدفت منزل عائلته خلال الحرب، وقد تغيرت حياته فجأة وأصيب بالإحباط. يخوض الطفل رحلة التعافي منذ أشهر داخل المركز بمساعدة فريق طبي محدود الإمكانات.

يقول : "مررت بتجربة طويلة، بدأت من جلسات العلاج الطبيعي الأولى، إلى محاولة استعادة التوازن، وصولاً إلى تركيب طرف صناعي يساعده على مواصلة حياته".
في المقابل، تقول أخصائية العلاج الطبيعي العاملة في المركز، إنهم يواجهون تحدياً كبيراً في ظل الأعداد الضخمة لمبتوري الأطراف، موضحةً أن الكثير من الحالات لا تتوافق مع الأطراف ولا تناسبها، وبالتالي تصاب بخيبة أمل وإحباط شديدين.
أما عن ذلك، تشير الأخصائية -رفضت ذكر اسمها- إلى أن هناك نقصاً في الإمكانات، مما يحول دون توفير الأطراف في وقت واحد لجميع الحالات، إلى جانب أن الضغط الهائل على المركز يطيل أمد الحصول على الرعاية اللازمة، حيث أن المريض الذي فقد طرفه، وبحاجة إلى طرف اصطناعي، يخضع إلى العلاج الطبيعي أولاً لتهيئة الجسم، ثم يبدأ رحلة تجهيز وتصنيع الطرف، ثم التعديلات والصيانة، ومن ثم البدء في عملية التدرب على استخدامه.

ركان السايس هو طفل واحد من عشرات الأطفال الذين يخضعون حالياً لجلسات علاج طبيعي في انتظار الحصول على طرف صناعي. وللوقوف على حجم الأعداد النهائية للأطفال مبتوري الأطراف، أجرينا جرداً حسابياً شاملاً من خلال اللجوء إلى قاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية، للتسجيل بأثر رجعي للإصابات الرئيسية.
بعد تحليل البيانات، اتضح أن الأطفال يشكلون نسبة لا تقل عن 18% من إجمالي مبتوري الأطراف الذين تم تقييمهم سريرياً، أي ما يعادل حوالي 900 طفل حتى الآن. وهذه النسبة تعادل ضعف النسبة الطبيعية في حروب المدن، مما يشير إلى استهداف غير مسبوق للمدنيين الصغار.
وما يزيد الطين بلة، أن 76% من عمليات البتر التي تم تقييمها كانت في الأطراف السفلية (الساقين والقدمين)، و32% منها كانت بتراً "فوق الركبة"، وهو النوع الأصعب في التأهيل والأكثر احتياجاً للأطراف المتطورة.
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية – مكتب الأرض الفلسطينية المحتلة- وتحديداً التقرير الفني الصادر في مايو الحالي، فإن هناك فجوة هائلة بين التسجيل والعلاج، حيث تم تسجيل 13,645 مريضاً بحاجة لإعادة بناء عظام وأطراف بين يوليو 2025 ومايو 2026. لكن تم تقييم 2,117 فقط منهم سريرياً، أي أن حوالي 11,500 مريض لا يعرفون حتى نوع الجراحة التي يحتاجونها.
وبالاستناد إلى وثائق (UN2720)، يتبين أن هناك 18 شحنة أدوات مساعدة (كراسي متحركة وأطراف) معلقة حتى منتصف أبريل 2026، أقصى مدة انتظار سُجلت كانت 526 يوماً، أي أن بعض الكراسي المتحركة تنتظر منذ بداية الحرب.

ومن جملة ما خلصنا إليه عبر تحليل البيانات، رصدنا وجود نقص حاد في الأسرّة المتخصصة، لاسيما أن المرضى الذين هم بحاجة إلى إعادة تأهيل داخلي، لا يجدون أسرّة ، إذ لا يتوفر سوى 160 سريراً فقط في جميع أنحاء القطاع. فيما هناك أكثر من 400 مريض على قائمة الانتظار لحجز هذه الأسرّة، وهذا يعني أن المريض الذي يحتاج إلى 3 أشهر من التأهيل بعد البتر، قد لا يجد سريراً أبداً.
على ضوء ذلك، قدمنا مجموعة من الأسئلة إلى وزارة الصحة الفلسطينية من أجل الحصول على إجابات مقنعة لفهم كيفية تجاوز التحديات القائمة أمام مبتوري الأطراف، وما هي الخطط التي تعمل عليها الوزارة بالتوازي مع الهيئات الرسمية والأهلية الأخرى؟، غير أن المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته، قال إن التحديات القائمة تفوق قدرة الوزارة على معالجتها.
وقال المسؤول في الوزارة، إن التعقيدات التي تفرضها سلطات الاحتلال على المعابر تحول دون إدخال المعدات الضرورية اللازمة لإعادة التأهيل، فضلاً عن منع إدخال الأدوات المساعدة التي تشكل طوق نجاة للكثير من الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات غيرت مجرى حياتهم.
وأضاف: "المسألة تتطلب ضغطاً دولياً على الاحتلال، لأجل إدخال كافة المعدات والأدوات اللازمة للتأهيل، وتمكين مفاصل العمل الصحي من تقديم الخدمات اللازمة على أكمل وجه للأشخاص المصابين".
أمام هذا الواقع، يتكرر سؤال: إلى متى سيبقى نظام إعادة التأهيل في غزة رهينة الحرب والحصار، بينما يدفع الأطفال وكبار السن الثمن بأجسادهم؟