يقول الكاتب الفلسطيني جميل السلحوت  في كتابه (ثقافة الهبل وتقديس الجهل) لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليعرف أن المرأة نصف المجتمع، وأن لها حقوقاً أعطاها الله إياها حسب الديانات السماوية، لكن المجتمعات الذكورية، ومنها المجتمعات العربية، تنكر عليها هذه الحقوق، وتضطهدها وتحرمها إنسانيتها وحتى حقها في الحياة، ويشارك في ذلك متدينون مسلمون يعظون الناس بإعطاء المرأة حقوقها، ورغم النصوص الدينية الداعية إلى إعطاء المرأة حقوقها، وحتى يومنا هذا فإن الغالبية العظمى لا يريدون إنجاب البنات، ويقول تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ». وقد تتعرض الزوجة التي تنجب الإناث إلى الاضطهاد والأذى من قبل زوجها ومن أقاربه أيضاً، وقد تتعرض للطلاق أو الزواج عليها بسبب ذلك، علماً أن العلم أثبت أن الرجل هو المسؤول بيولوجياً عن إنجاب الإنثى (مثل ما تزرع تحصد).

وثقافة الهبل الاجتماعي حسب العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية تتعامل مع المرأة وكأنها إنسان لا يستحق الحياة، وأنها سبب الشرور والمصائب، ويظهر ذلك جلياً في المأثور الشعبي من حكايات وأمثال شعبية مثل: «إللي بتموت وليته من حُسن نيته»، «دلّل ابنك بغنيك، ودلّل بنتك بتخزيك»، «ابنك لك وبنتك لغيرك»، «هم البنات للممات»، «ولد أهبل ولا بنت عاقلة»، «الولد وين ما راح لا تخاف عليه، والبنت دير بالك منها حتى وهي في البيت»، «الولد وين ما رميته بظل رجل، والبنت دايماً عورة»، «شاوروهن وخالفوا شورهن»... إلخ. في حين غالبية الحكايات الشعبية تركز على المرأة كسبب لكل الشرور والمصائب.

ومن التناقضات غير العجيبة في ثقافتنا هي احترام الأم، والحث على برها وعدم عقوقها، علماً أن النساء جميعهن أمهات أو مشروع أمهات، فواحد منا يجبّ ويحترم ويبرّ ويخدم ويرعى والدته، ويرى فيها «ست الحبايب» و«ست الدنيا» وهذا أمر جيد، يقول تعالى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

وبهذا فإن الإحسان إلى الأم فرض ديني، وتقره الأعراف والعادات، لكن هذه الأم لا تلقى الإحسان والمعروف من زوجها، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله»، والأهل هنا هم الزوجة والعيال، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من كان له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين» يعني السبابة والوسطى.

ولا تلقى الاحترام من مجتمعها أيضاً، وكأن كل واحد من مجتمعنا يعيش هو ووالدته في عالم خاص، ولا يحترم أمهات الآخرين مثلما يحترم أمه، أو لا ينظر لأمهات الآخرين كنساء. دراءا للرذيلة، وكأن الشهوة موجودة في الأطفال الإناث، وهناك من يفتي بزواج المؤانسة، والمتعة والمسيار وجهاد المناكحة ..إلخ. وهناك من ينسب الغواية والضلالة للأنثى دون الذكر، وإمعانا في اضطهاد الأنثى فإن التمييز يلاحقها في كل شيء، وفي الوقت الذي شاركت فيه بعض النساء غير المسلمات في غزو الفضاء الخارجي، وساهمن في الاكتشافات العلمية، إلا أن هناك من يحرّم على المرأة قيادة السيارة حتى لو كانت ذاهبة للصلاة في المسجد، أو لاصطحاب طفلها المريض إلى الطبيب، لكن لا ضير من أن يقود سيارتها أجنبي وهي بصحبته! ويلاحظ أن الأتراك قد تخلّوا عن عصر «الحريم» لكن العرب تلقّفوه منهم وتمسكوا به.

والأنكى أن هناك من يعتبر المرأة ضعيفة لا تقوى عقلياً على عمل شيء، وهؤلاء طبعاً يعتمدون على الفوارق العضلية بين الذكر والأذى، وينسون أن هناك نساء قدن أُمماً وشعوباً بقدرة واقتدار، ومنهن نساء عربيات مثل بلقيس ملكة سبأ، وزنوبيا ملكة تدمر، ومسلمات كشجرة الدر في مصر، وبنازير بوتو في باكستان الحديثة، وغير مسلمات وغير عربيات مثل: مارغريت ثاتشر، وأنديرا غاندي، وغولدا مائير، وأنجيلا ماركل وغيرهن.

ومن ثقافة الهبل والاستهلاك في تحميل المسؤولية وما يتبعها من عقاب للمرأة وحدها، فأي تصرف خاطئ يرتكبه الرجل والمرأة معاً، هو مسؤولية المرأة.