تساءل كثيرون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، كيف سيقضى أهل غزة رمضان هذا العام وللمرة الثالثة منذ بداية المقتلة ودون أن يتغير أي شيء في واقعهم، وإن تغير شيء فهو للأسوأ وليس للأفضل، فبوصلة الإصلاح أو الإعمار أو حتى الوصول إلى حل سياسي فعلي على الأرض بعيداً عن الغرف المغلقة التي تخرج منها تصريحات، وبعيداً عن الإعلام الذي يتلقف أخباراً لا تعدو كونها مسكنات لجرح عميق نازف، لا يوجد على الأرض وفعلياً أي أفق أو حتى مساحة من أمل بأن يحدث شيء من أجل نحو مليونَي مواطن هم ضحايا الحرب الطاحنة التي دارت على مدار عامين، ولم تتوقف فعليا إلا في تصور من يريدون النوم بأمان عن واقع غزة المرير، وكأن النوم وتنويم الضمير قد جعلاهم يصدقون كذبة انتهاء الحرب والدم لا يزال يراق كل يوم، والضحايا يتساقطون إن لم يكن بالقصف المتقطع والمتفرق زمنياً ومكانياً، فهم يسقطون جراء تداعيات الحرب وتوقف الحياة الإنسانية فعلياً بكل نواحيها في القطاع المنكوب.


للمرة الثالثة يقضي الناس رمضانهم في الخيام، وأذكر قبل خروجي من رفح ثم إلى مصر، وحيث استقر بي رحال النزوح والترحال، أننا على وقوع سقوط الأمطار على شاطئ البحر وحيث لذنا بمنطقة تعرف بمواصي رفح، أذكر أننا قد صرخنا جميعاً: "يا رب نقضي رمضان في غزة" ولم يتبق وقتها على حلول رمضان الأول سوى نحو أسبوعين، وقد خرج شاب من خيمته وصرخ تحت المطر حتى أصبح معطفه برميلاً متنقلاً للماء: "يا رب نرجع على غزة"، وبكى وهو يجثو على قدميه، وبكينا من الخيام ومن شرفات بعض البيوت القليلة في تلك المنطقة، لكننا لم نعد إلى بيوتنا في غزة، وطالت الحرب ونزحنا أكثر ودمرت رفح بكاملها، وأصبح أهل غزة فعلياً وفي غالبيتهم من سكان الخيام.


تساءل أحد المحللين السياسيين في مقال قصير، عبر "فيسبوك"، إذا كنا النموذج الثاني لخيام سورية، وحيث مر نحو خمسة عشر عاماً على حياتهم في الخيام، وكل سنة يسمعون الوعود والأماني بأن هذه السنة ستكون الأخيرة، ولكن للأسف لم يتغير حالهم، وظلوا هكذا تحت قيظ الحر صيفاً وتحت سطوة الرياح والمطر الذي يجري تحت أقدامهم شتاءً. باختصار الخيام ليست مكاناً للعيش الآدمي مهما حاول البعض تجميلها أو إطلاق الشعارات الخيالية عن الصمود؛ لأن الإنسان عبارة عن طاقة وقد ذكر الله في كتابه العزيز آية مختصرة بقوله: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها". فلا يمكنك أن تطلب من أي إنسان أن يحتمل ويصبر وقد كان يعيش عيشة أفضل من ذلك بمراحل، ولا يمكنك أن تقنع إنساناً بأنه ما دام يأكل ويشرب فهو لا يزال حياً؛ لأن الكرامة تعني أن تعيش في بيتك بعيداً عن التلصص والخطر، وباختصار أن تشعر بالأمان ولا أمان في الخيام.


إن الحديث عن إعمار غزة، أو حتى إدخال منازل مؤقتة كمرحلة أولى، لا يمكن أن يصبح واقعاً دون قرار سياسي على الأرض، وغير ذلك يبقى ما يتم تداوله للاستهلاك الإعلامي وملء الصفحات الورقية والمواقع الإلكترونية، لأن إعادة إعمار غزة لا تحتاج إلى دخول الأسمنت والحديد ومواد البناء، فهو بحاجة إلى استقرار أمني بالدرجة الأولى وهذا غير متوفر حالياً وعلى الإطلاق في غزة؛ لأن ما يحدث واقعياً هو تحول البشر إلى أداة ضغط أحياناً، وإلى سلعة أحياناً أخرى حتى يصبح الخوف الأكبر أن يعمل الزمن ضد الناس وليس من أجلهم، فالسكوت والمماطلة والإغاثة الجزئية التي تشمل إدخال شاحنات غذائية أو منعها، أو إدخال أغطية حيناً ومنعها حيناً آخر، كل ذلك يجعل الأمر يبدو حرب مماطلة تتم فيها المتاجرة بحاجة الناس والتلويح بها كورقة تفاوض، ما يجعل هذا الحال يطول دون أن يخرج وبمعجزة أفق سياسي حقيقي يكسر القاعدة السائدة التي تسيء لحال الناس وتدفعهم كل رمضان إلى الوراء، وتحوّل كل أيامهم إلى انتظار للموت وليس أملاً في الحياة.

 

ملاحظة/ هذا المقال يُعبر عن رأي صاحبه وليس بالضرورة أن يعبر عن رأي آخر قصة.