هل جربتم العيش في الذكريات؟ كم هو شعور قاس. يقولون إن الذكريات الجميلة من الناحية السيكولوجية تحسن المزاج، تقلل القلق، وتعزز الطاقة الإيجابية في الأوقات الصعبة. أحاول أن أتحسس مزاجي لكني لا أجيد فعل ذلك.
يتجدد حنين الذكريات كلما حل طقس أو مناسبة، لكن لرمضان ذكريات طويلة ممتدة على مدار سنوات، كانت تشبه بعضها وتشبهنا في آن واحد، بسيطة هادئة على فقرها، وهانئة على الناس رغم قلة ذات اليد، وجميلة على المدينة التي كانت تضج بالفوانيس وإشعال سلك الجلي، ومفرقعات الصغار وضحكاتهم التي كانت تكال لها شتائم كبار السن.
وبمجرد الانتقال من صورة في الذهن إلى أخرى عن رمضان الماضي، أجد نفسي عالقاً في التفاصيل، زحمة الشوارع وأبواق السيارات والإضاءات وأصوات المآذن وتدافع المصلين نحو المساجد وسوق العصر وشراء ما لست في حاجة لشرائه، والبهرجة في العزائم والبذخ في شراء الحلويات والأدوات المنزلية، فكل قطعة أثاث كان يزورها رمضان: طاولات السفرة، وسائد الكنب، معلقات الأبواب، وغيرها الكثير، حتى رمضان كان يزور أرفف المطابخ.
لست أبالغ حين أقول إن المدينة لم تكن تنام شهراً كاملاً، تظل الحيوية قائمة يومياً حتى ساعات السحور. حتى إذا انتهى الشهر تشوهت الساعة البيولوجية واشتكى الناس من أرق النوم.

ذكريات رمضان التي تشبهنا: زحمة وفوانيس وموائد 


ذلك رمضان الذي يشبهنا، مقاهي البحر مفعمة بالحيوية وأغنيات أم كلثوم، أنفاس النرجيلة تتصاعد، والندال بالكاد يستطيعون تلبية احتياجات الزبائن، ومع كل ذلك كان يبدو في حينه رمضان عادياً جداً، أو إن جاز القول فالكثير من الناس كانوا ينظرون إلى الواقع من منطلق قصيدة محمود درويش "لا شيء يعجبني".
تخرج الآن من ضوضاء الذكريات إلى عالم العتمة والمجهول في غزة، لا ضوء، لا مآذن، لا بذخ، لا مطابخ ولا بيت أصلاً، فلم الزينة؟ لا شيء هنا في عالم الخيمة ينتمي إلى الماضي، سوى التشويه الحاصل في شكل الحياة ونمطها واقتصادها الزائف.
ينظر العالم إلينا الآن من نافذة انستغرام، أقل من 5% من الناس يبثون صوراً لسباق محموم نحو افتتاح الكافيات والمطاعم والمولات التجارية، يتعاملون وفق قواعد الإتيكيت بالشوكة والسكين وهم يتناولون الكريب، وكيك البستاشيو، ويشربون الميلك شيك، فيما الغالبية من الناس لا يستطيعون صنع عصير الليمون ولا يعينهم من أمر الترف الانستغرامي شيئاً، ولا يغير في نظرتهم للواقع الذي يغطيه الرماد والبؤس والفقد.

مونة رمضان وطابور المساعدات 


فقط التفكير الآن منحصر في تدبير مونة رمضان، الحصول على المساعدات، وامتلاك الـ"فكة" لشراء الضروريات، أو دفع قيمة الأجرة. عدا عن ذلك قلما تجد من يسأل عن رمضان الماضي وشكل الحاضر، سؤالان عالقان الآن فقط: هل تتجدد الحرب؟ ومتى الإعمار؟
أهرب من ضجيج الأسئلة، أمسك هاتفي استجابة لإشعار الذاكرة الممتلئة، أتفقد ألبوم الصور، أحاول الحذف لكني أفشل، أرى أن كل ما فيها يستحق الاحتفاظ به. اكتشفت لاحقاً أن رأسي الممتليء بالذكريات ليس الهاتف. ذكريات الاجتماعات العائلية ومواعظ أبي وسفرة رمضان الممتدة، وأحاديث الأصدقاء وزيارة الأرحام، والطمأنينة التي كنا نعيشها قبل رمضانين.
ثم أعود أغرق في التساؤل، أين كنا؟ وأين نقف الآن؟ ولماذا سلبونا الحق في الحياة، وقادونا إلى هذا الهلاك؟ أهرب من أسئلة السياسة، إلى التفكير في استثمار رمضان، ووصلت إلى قناعة بضرورة استخدام الدعاء كعمل ثوري ضد كل الفاعلين.