لم تكن الشابة آية معمر (26 عامًا) تتخيل أن تتحول فكرة الزواج من مشروع مؤجل تُنسج تفاصيله على مهل، إلى قرار تحكمه حسابات النجاة اليومية. في غزة التي أعادت الحرب تشكيل أولويات سكانها، لم تعد الأسئلة المخطوبين تدور حول الشقة السكنية والأثاث وحفل الزفاف، بل حول مساعدةٍ تموينية، وجرة غاز يمكن الحصول عليها، وخيمة مستقلة، وفرصة إضافية للوصول إلى المساعدات الغذائية.

داخل واقع النزوح الطويل الذي يعيشه السكان منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، تبدلت معايير كثيرة. فالزواج الذي كان يُبنى على التخطيط والتروي في اختيار شريك الحياة، أصبح في حالات عديدة مرتبطًا بقدرة الأسرة على الصمود وسط الضغوط المعيشية المتفاقمة.

تروي الفتاة وهي تستعيد الظروف التي رافقت قرار زواجها: "لم نعد نتحدث عن شقة أو أثاث أو تفاصيل الزفاف، كان أول سؤال يُطرح علينا هل سجلتم أسماؤكم كعائلة جديدة للحصول على حصة غاز؟ هل سجلتم في وزارة التنمية للحصول على مساعدات تموينية؟ في واقع النزوح، حتى أبسط الأمور مثل جرة غاز أو سلة غذائية أصبحت جزءًا من التفكير اليومي لأي عائلة".

لم يأتِ الزواج وفق الصورة التي كانت تتخيلها معمر قبل النزاع، تم الزفاف بسرعة وبإمكانيات محدودة للغاية. وبينما لم يكن الدافع اقتصاديًا فقط، بقيت ضغوط المعيشة حاضرة في الخلفية طوال الوقت، في ظلّ بحث كل أسرة عن وسيلة لتخفيف أعبائها وسط ظروف تزداد قسوة.

ولا تقتصر هذه التحولات على حالات فردية. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تُعرّف فئة الشباب بين 18 و29 عامًا، وكانت تمثل نحو 21% من سكان قطاع غزة قبل الحرب، ما يعني أن شريحة واسعة من المجتمع وجدت نفسها أمام واقع أعاد تشكيل قرارات مصيرية مرتبطة بالزواج وتكوين الأسر في ظل النزوح وشح الموارد. 

على مسافة غير بعيدة من هذه التجربة، وجد أحمد الأشقر (30 عامًا) نفسه أمام معادلة مشابهة، لكن بشكلٍ أكثر وضوحًا. تجاوز الثلاثين وهو يؤجل الزواج سنوات طويلة بانتظار وظيفة مستقرة وشقة سكنية خاصة، قبل أن تطيح الحرب بكل الحسابات السابقة.

وسط عائلته الممتدة التي تضمّ أكثر من 12 فردًا، باتت الحصة الإغاثية الواحدة تتوزع على عددٍ كبير من الأشخاص، فيما تحولت جرة الغاز إلى مورد نادر يستدعي أشهرًا من الانتظار وسط شحّ حادّ في الكميات الواردة إلى القطاع، واعتماد نظام توزيع إلكتروني يخصص كميات محدودة، لتصبح رسالة موعد التعبئة حدثًا استثنائيًا تتناقله العائلات النازحة كما لو أنه خبر نجاة مؤقت في حياة تحكمها الطوابير والندرة المستمرة.

 يوضح أحمد: "وجدنا أنفسنا نعيش على حصة مساعدات لا تكاد تكفي الأطفال لأيام قليلة". ومع استمرار الضغط المعيشي، بدأت العائلة تبحث عن مخارج عملية تضمن موارد إضافية للبقاء.

أحد هذه المخارج كان استصدار دفتر عائلة جديد، فتزوج أحمد بطريقة بسيطة لم تعهدها الأسرة من قبل، دون مظاهر احتفال أو تجهيزات معتادة. الهدف غير المعلن كان فصل الاسم إداريًا عن الأسرة الكبيرة، بما يتيح التسجيل كعائلة مستقلة والحصول على حصة إغاثية منفصلة.

يقول: "بمجرد حصولي على دفتر العائلة تمكنت من التسجيل كعائلة مستقلة مستحقة لمساعدة منفصلة، وحصلت على موعد أسرع لتعبئة جرة الغاز".

ورغم أن الزواج ارتبط ببداية حياة جديدة، فإن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على المشاعر المرتبطة بهذه الخطوة. يضيف: "أن تتزوج لتصبح رقمًا مستحقًا في كشوفات المساعدات هو شعور قاسٍ ومحبط لأي شاب". 

لكنه يستدرك مؤكدًا على أنّه عندما رأى والديه وإخوته يعانون لتأمين ربطة الخبز أو حطب الطهي، أصبح تقديم موعد الزواج بالنسبة له مسؤولية عائلية تهدف إلى تخفيف العبء وتأمين حصة جديدة تدعم صمود الجميع.

ولا تتوقف هذه الحسابات عند الشباب المقبلين على الزواج. ففي كثير من العائلات بات الآباء أنفسهم يعيدون النظر في مستقبل أبنائهم تحت ضغط النزوح والحرب.

الحاج أحمد عجور (55 عامًا) دفع باتجاه تزويج ابنه وابنته خلال الفترة نفسها. قرار لم يكن منفصلًا عن شعور متزايد بأن الزمن يمضي بينما تتآكل سنوات الشباب داخل الخيام عامًا تلو عام.

يقول الرجل الذي يتابع أبناءه وهم يحاولون بناء بدايات جديدة وسط واقع شديد الهشاشة. "العمر يمضي، والحرب سرقت من أولادنا أجمل سنين عمرهم"، لم أستطع أن أبقى متفرجًا وهم يكبرون في الخيام دون أي استقرار، في ظل ظروف صعبة وغير واضحة".

لكن البعد العاطفي لم يكن وحده حاضرًا في القرار، فالحسابات المعيشية فرضت نفسها على المشهد أيضًا. لأنّ وجود وحدات أسرية مستقلة حتى وإن كان داخل خيام متجاورة، خفف من الضغط على الأسرة الكبيرة. وكل دفتر عائلة جديد أصبح يفتح بابًا مختلفًا للوصول إلى المساعدات الإنسانية.

يتقاطع حديث عجور مع ما أشار إليه سابقيه ويقول: "اليوم كل وحدة أسرية جديدة تعني فرصة مختلفة للاستفادة من المساعدات مثل الغاز والمساعدات التموينية وغيرها، وهذا يساعدهم ويخفف عنا".

قبل ذلك كانت أسرته تنتظر طويلًا لتعبئة جرة غاز واحدة سعة 8 كيلو فلا تكفي سوى أيام قليلة. أما بعد حصول الأبناء على أوضاع أسرية مستقلة، فقد أصبح توزيع الاحتياجات أكثر مرونة، رغم استمرار الأزمة المعيشية.

في نظر عجور، غيّرت الحرب مفاهيم أساسية كانت تحكم حياة العائلات الفلسطينية، يوضح: "كنا نفكر بالاستقرار والبيت والعمل. اليوم نفكر كيف نؤمن أبسط مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب ومأوى لأولادنا، ونحاول حمايتهم من قسوة الواقع قدر الإمكان".

ما تكشفه هذه الشهادات يتشابك مع ما توثقه تقارير حقوقية وإنسانية صدرت خلال الفترة الأخيرة. فجرة الغاز أو بطاقة الإغاثة لم تعودا تفاصيل هامشية في الحياة اليومية، وإنما أصبحتا جزءًا من استراتيجيات البقاء التي تتبعها الأسر لمواجهة الفقر والنزوح.

وفي هذا السياق، أشار تقرير للأمم المتحدة نقلًا عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن الضغوط الاقتصادية الحادة واتساع دائرة النزوح دفعت العديد من العائلات في غزة إلى اللجوء إلى تزويج الأبناء باعتباره "استراتيجية بقاء"، في محاولة للتعامل مع العوز المادي الحاد والبحث عن أي وسيلة تضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وتقرأ المختصة أنوار أبو زايدة هذه التحولات باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لحالة الاضطرار التي فرضتها الحرب المستمرة على قطاع غزة وما رافقها من نزوح وشح حاد في الموارد.

من وجهة نظرها، تُتخذ قرارات زواج كثيرة تحت ضغط الحاجة والخوف من المستقبل أكثر مما تُبنى على الاستقرار والتوافق. "الزواج في مثل هذه الظروف يتحول من اختيار واعٍ إلى وسيلة للتكيف مع واقع قاسٍ، وهذا يخلق أعباء نفسية مبكرة على الأزواج الجدد".

وتلفت إلى أن العائلات تحاول حماية أبنائها والتكيف مع الظروف بكل الوسائل المتاحة، وهو سلوك مفهوم في سياق الحروب والأزمات الممتدة، غير أن الأثمان النفسية والاجتماعية التي يدفعها الشباب قد تستمر لفترات طويلة بعد انتهاء الأزمة نفسها.

في غزة اليوم لم يعد قرار الزواج دائمًا نتيجة توفر الاستقرار الاقتصادي أو اكتمال الاستعدادات. في بعض الحالات، أصبح دفتر العائلة بوابة إلى جرة غاز إضافية، أو بطاقة إغاثة جديدة، أو حصة غذائية مستقلة.

وتحت ظلال الخيام وطوابير الانتظار، تتشكّل أسر جديدة على إيقاع الضرورة. أسر وُلدت في لحظة سَعَت فيها العائلات إلى توسيع فرص البقاء أكثر من سعيها إلى الاحتفال بالبدايات. وفي واقعٍ أعادت الحرب فيه تشكيل أولويات الناس وعلاقاتهم وقراراتهم المصيرية، أصبح الزواج لدى بعض الأسر جزءًا من استراتيجيات التكيّف مع الفقر والنزوح وشحّ الموارد، فيما تتوارى الأحلام المؤجلة خلف متطلبات النجاة اليومية.