في أحد مخيمات النزوح جنوب قطاع غزة، كانت رهف حمد (39 عامًا) تمشي خلف نعش ابنها الوحيد. ثمانية عشر عامًا من الأمومة انتهت بضربة واحدة، حين قُتل أحمد في قصف استهدف منزل العائلة في مخيم النصيرات، في الأيام الأخيرة قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر المنصرم. لم تكن تعرف، في تلك اللحظة، أن جسدها يخفي بداية حياة أخرى. بعد أيام، جاء الخبر الطبي باردًا ومفاجئًا: هناك جنين ينمو.

لم تحمل معرفتها بالحمل معنى العزاء، فقد بدا بالنسبة لها كأنّه سؤال ثقيل أُلقي فوق حزن لم يستقر بعد. كيف يمكن لجسد أن يواصل إنتاج الحياة، فيما القلب لم يستوعب بعد فكرة الموت؟ لم يكن الحمل قرارًا ولا اختيارًا، بل واقعًا جديدًا فرض نفسه وسط فوضى الفقد.

في البيت المؤقت الذي لجأت إليه مع بناتها الأربع، بدت رهف وكأنّها تعيش بين زمنين. ذاكرة أحمد تملأ المكان، حضوره الغائب يتسلل في تفاصيل صغيرة لا تختفي، فيما تمضي الحياة داخل جسدها بهدوء ثقيل. لم تكن حركة الجنين مصدر طمأنينة، بل لحظة ارتباك. الخوف لم يكن من الحياة القادمة، بل مما قد يرافقها: من أن يتشكَّل التعلّق، أن يكبر الحب، ثم يُنتزع مرة أخرى، فبعد تجربة الفقد يصبح الخوف الأكبر ليس من الألم ذاته، بل من احتمال أن يُعاد.

في غزة، لا تأخذ هذه الهواجس شكل تساؤلات مجردة، بل تعيش في الجسد نفسه، تظهر مع الإرهاق، وترافق الليالي الطويلة، وتكبر مع الأصوات التي لا تهدأ. في الحرب، لا يأتي الحمل دائمًا بوصفه وعدًا بالحياة؛ أحيانًا يصل متأخرًا، بعد جنازة، أو في فراغ تركه زوج أو طفل لم يعد موجودًا. بالنسبة لنساء فقدن أفرادًا من عائلاتهن، يصبح الحمل تجربة مزدوجة: جسد يستعد للولادة، ونفس ما تزال عالقة في الحداد.

في مكان آخر داخل القطاع، كانت أسماء النعامي (28 عامًا) تعيش تجربة مختلفة في تفاصيلها، متشابهة في جوهرها بعدما فقدَت زوجها في الحرب ثم علمت بحملها. لم يكن هناك وقت للاحتفال، ولا مساحة للفرح، فالجنين الذي ينمو في أحشائها سيولد في عالمٍ بلا أب، وفي واقعٍ يطلب من النساء أن يصبحن كل شيء دفعة واحدة: الأم، والمعيل، والذاكرة.

الحمل في هذه الحالة، لا يُنظَر إليه بوصفه بداية انما مسؤولية ثقيلة تتضخم مع الأسئلة المؤجلة. كيف ستشرح لطفلها غياب الأب؟ كيف ستبني إحساسًا بالأمان في مكانٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار؟ الولادة في هذه الظروف ليست نهاية للحزن، بل بداية مرحلة جديدة من المعاناة، حيث تبدأ الأم حياة جديدة في ظلّ غياب مَن رحل بالفعل، وخوف من أن تفقد مرة أخرى.

الخوف بالنسبة للنعامي، ليس لحظة عابرة بل حالة مستمرة. الخوف من المستقبل، من العجز، ومن أن يتحول الحمل نفسه إلى عبء نفسي لا يمكن الإفصاح عنه علنًا، في مجتمع ينتظر من الأم أن تكون قوية، صامتة، وممتنة لأي حياة جديدة.

أما سمر العبد (35 عامًا)، من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، فتدخل تجربة الحمل وهي محمّلة بتاريخٍ من الخسارات المتراكمة. فقدت طفلين في حرب سابقة، وتعيش حملها الحالي تحت ظلّ سؤال واحد: هل يتكرر الفقد؟ كل حركة في بطنها تُعيدها إلى ذاكرة لم تُغلق وتجعل الفرح احتمالًا محفوفًا بالخطر.

الخوف من التعلّق هو ما يطغى على تجربتها. أن تحب كثيرًا يعني أن تخسر كثيرًا. ومع ذلك، لا تستطيع الانسحاب من التجربة. الجنين، بالنسبة لها، هو محاولة للنجاة، وربما شكل وحيد من أشكال المقاومة الشخصية في مدينة تُقوّض فيها الحرب كل إحساس بالاستمرارية.

هذه القصص الفردية لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع في قطاع غزة. فالحمل بعد الصدمة ليس مجرد تجربة نفسية، بل حالة طبيّة معقدة تتفاقم في ظلّ انهيار المنظومة الصحية. الأطباء في غزة يلاحظون علاقة مباشرة بين الضغط النفسي الحادّ والصدمات المستمرة، وبين ارتفاع مخاطر الإجهاض والولادة المبكرة. فالجسد في نهاية المطاف، لا يفصل نفسه عن الذاكرة.

طبيب النساء والتوليد فهمي شراب، يؤكد أنّ الضغط النفسي الحادّ والصدمات التي تعيشها هؤلاء الأمهات تترك أثرًا "عضويًا" ملموسًا، فالضغط المزمن يرفع مستويات هرمونات التوتر؛ ما يؤثر على استقرار الحمل، خاصة في أشهره الأولى. 

في بيئة تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمكملات الغذائية والفحوصات الدورية، تصبح مخاطر الحمل بعد الصدمة مضاعفة، خصوصًا مع انعدام نحو 70% من الأدوية الأساسية في المرافق الصحية. وفي ظلّ هذا الواقع، يشير الطبيب شراب إلى أنّ كثير من الحالات تصلّ إلى المستشفيات في مراحل متأخرة، حين تكون خيارات التدخل محدودة والنتائج غير مضمونة. 

وتُظهر الأرقام حجم الانهيار: ففي النصف الأول من عام 2025 سُجلت أكثر من 2,600 حالة إجهاض، و220 حالة وفاة مرتبطة بالحمل قبل الولادة، فيما احتاج آلاف الأطفال إلى رعاية مركزة. كما تضاعفت نسبة المواليد منخفضي الوزن من الولادات خلال نفس الفترة مقارنة بما قبل الحرب، وسط سوء تغذية واسع ونقص الخدمات الصحية.

كما شهدت معدلات الولادة في قطاع غزة انخفاضًا حادًا يقارب 41% خلال ثلاث سنوات فقط، وهو ما يعكس أثر الحرب المستمر على الصحة الإنجابية، فيما يولد نحو ثلث المواليد بوزن منخفض أو قبل أوانهم. آلاف الأطفال يحتاجون إلى رعاية مركزة لا تتوفر دائمًا، في ظلّ سوء تغذية واسع الانتشار، وانقطاع مستمر في الخدمات الأساسية.

لكنّ الأثر الأعمق يبقى نفسيًا. ترى الأخصائية أنوار أبو زايدة أنّ الحمل بعد الفقد يضع النساء في حالة انقسام داخلي دائم، فمن جهة حزن لم يُستكمل، ومن جهة أخرى مسؤولية حماية حياة جديدة. هذا التوتر قد يؤثر على العلاقة العاطفية مع الجنين، حيث يتحول القلق إلى آلية دفاع غير واعية، تهدف إلى تقليل الألم في حال تكرار الخسارة.

وتقول أبو زايدة إنّ بعض النساء يشعرن بالذنب لأنّ الحمل جاء قبل أن يُمنحن الوقت الكافي للحزن، فيما تشعر أخريات بالذنب لأنهن لا يستطعن الفرح كما يُفترض. في كلتا الحالتين، يُنظر إلى مشاعرهن بوصفها تناقضًا يصعب التعبير عنه علنًا في مجتمع يقدّس الأمومة؛ لكنه نادرًا ما يعترف بتعقيداتها.

وفي ظلّ غياب منظومة دعم نفسي واجتماعي متكاملة، تعتمد كثير من النساء على التكيف الفردي: الصمت، أو الانشغال بالرعاية اليومية، أو التمسك بفكرة أن الجنين فرصة جديدة للحياة. الدعم، حين يوجد، يكون هشًا وغير كافٍ، وغالبًا ما يأتي متأخرًا.

بعد عامين من حرب أعادت تشكيل الحياة في غزة، لم تعد الأمومة تجربة فطرية بسيطة، بل مسارًا محفوفًا بالاختبارات اليومية. الحمل، في هذه السياقات، لا يعني فقط نمو جنين، بل محاولة امرأة للبقاء واقفة في عالم فقد توازنه.

قصص كثير من النساء الحوامل في قطاع غزة خلال العامين الماضيين لا تتعلق فقط بأجساد تحمل الحياة، بل بنساء يحملن الذاكرة أيضًا. في هذه البقعة، تولد بعض الأجنة في قلب بوتقة من الحزن، وتكبر فكرة الأمومة في مساحة ضيقة بين الخوف والأمل، حيث يصبح الاستمرار، بحد ذاته، فعلًا شجاعًا.