تمسك سلوى عودة هاتفها، وتفتح تطبيق المحفظة الإلكترونية مرة تلو الأخرى، تراقب رصيدها وتبحث عن إشعار يخبرها بأن راتبها قد أودع أخيرًا. لا تعرف إن كان عليها أن تنتظر ساعات أخرى، أم يومًا آخر، أم ربما عدة أيام قبل أن يصل راتبها إلى حسابها، وبينما تحدق في شاشة الهاتف، تبدأ حساباتها اليومية من جديد: ماذا ستدفع؟ وما الذي يمكن تأجيله؟ وكم ستستطيع أن تقتطع من راتبها لتغطية احتياجات عائلتها الأساسية؟
تعمل عودة سكرتيرة في إحدى رياض الأطفال بأجر لا يتجاوز 700 شيكل، أي نحو 228 دولارًا (سعر الصرف)، أي ما يعادل 37% فقط من الحد الأدنى للأجور البالغ 1,880 شيكلًا. تحاول أن تتدبر احتياجاتها بالكاد، فقد كانت تعيش في مدرسة للإيواء في المحافظة الوسطى، ثم انتقلت للعيش مع زوجة أخيها الأرملة في منزل أقارب لهم مدمر بشكل جزئي في شمال غزة، لتكون أقرب إلى الروضة التي تعمل بها.
تقول: "كنت أعمل قبل الحرب براتب 400 شيكل، ولم يكن يسد احتياجاتي أبدًا، واليوم أنا أعمل بمبلغ أعلى كنت أتمناه سابقًا وأطالب به، لكنه بالكاد يغطي مصاريفي، عدا عن أنني أمشي يوميًا لعدم وجود سيارات في المكان الذي أسكن به بمسافة نصف ساعة، وأركب بـ10 شواكل يومي للعمل، أي نحو 300 شيكل تذهب للمواصلات، فما الذي سيتبقى؟".
وبحسب ما ذكرته عن كلفة تنقلها، يذهب أكثر من 40% من أجرها إلى المواصلات قبل أن تشتري شيئًا لأسرتها، وبذلك لا يتبقى لها سوى نحو 400 شيكل، أي أقل من ربع الحد الأدنى للأجور.
وبسؤالها عن مدى معرفتها بالحد الأدنى للأجور، تتنهد وتجيب: "أعلم أن قيمته 1880 شيكل لكن هذا المبلغ حلم بالنسبة لي، يا ليت يوجد التزام به من قبل الحرب واليوم من قبل رياض الأطفال على العكس أكثر أجور متدنية هي أجورنا نحن العاملين في هذا القطاع".
في قطاع غزة، يعيش المواطن في ظل انهيار اقتصادي ألقى بظلاله على مختلف مناحي الحياة، ودفع كثيرين إلى القبول بأعمال بأجور متدنية جدًا مقارنة بتكاليف المعيشة الحالية. وتبرز في هذا الواقع الحاجة إلى تطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 1,880 شيكلًا شهريًا، الذي ظل حبرًا على ورق حتى قبل الحرب؛ إذ تُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للربع الأول من العام 2023 أن نحو 88% من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص في غزة كانوا يتقاضون أقل منه، بمتوسط أجر شهري بلغ 722 شيكلًا.
وكان أصحاب المؤسسات يبررون ذلك بالحصار وضعف الإنتاج وتراجع القدرة الاقتصادية. أما اليوم فتزداد الحاجة إلى مراعاة أوضاع العاملين وتفعيل الحد الأدنى للأجور، مع أن المبلغ نفسه لم يعد كافيًا لتغطية الاحتياجات الشهرية الأساسية في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وتكاليف المعيشة.
أجور متدنية
ولا يختلف المشهد عند سراج طافش، إذ يتكئ على فراشه في المطعم الذي يعمل فيه، بعد يوم عمل متواصل امتد لنحو 10 ساعات، مقابل أجر يومي لا يتجاوز 50 شيكلًا، أي نحو 1,200 شيكل شهريًا بحسب ما قال، وإذا ألمت به وعكة صحية أو طرأ أي ظرف منعه من العمل خسر أجر ذلك اليوم، مع العلم أن لديه إجازات غير مدفوعة خلال الشهر، وبذلك يقل أجره بنحو 36% عن الحد الأدنى الشهري.
يدرس طافش تخصص هندسة الحاسوب وهو في عامه الأخير، ويعيش وحده في مدينة غزة بينما تقيم عائلته في خيمة بمواصي خانيونس جنوب القطاع. ويعجز اليوم عن دفع رسومه الجامعية التي تتراكم عليه حتى نهاية العام، فراتبه بالكاد يكفي لسد طعامه واحتياجاته، ويسهم أيضًا في إعالة عائلته بإرسال المال لها ليعينها على الحياة.
يقول بعد تنهيدة: "الأجر الذي أتقاضاه بالكاد يكفيني طعام وشراب ومواصلات، ودورات تعليمية في مجالي، حتى رسوم الجامعة لا أستطيع دفعها، وستظل شهادتي معلقة لديهم حتى أسددها، لكن في ظل الواقع الحالي صعب جدًا أن أفعل ذلك".
ويشير إلى أنّ أجره دون الحد الأدنى القانوني، لكنه يراه ثمنًا لفرصة نادرة. يتابع: "راتبي لا يصل للحد الأدنى للأجور وإن سألتني لماذا قبلت ببساطة سأجيب لأنه لا فرص عمل في غزة، من يدخل عليه دخل ولو متدني فهو محظوظ سيسد ولو 1% من احتياجاته من ماله".
وتتشابه قصة إسلام محمود مع سابقيها، إذ لم تتلقَّ الحد الأدنى للأجور في المدرسة الخاصة التي عملت بها معلمة، فقد اتفقت مع الإدارة شفهيًا على قيمة مالية شهرية لا تتجاوز 1000 شيكل، أي ما يزيد قليلًا على نصف الحد الأدنى، لكن إدارة المدرسة كانت ترسل المتفق عليه بشكل متقطع وعلى دفعات خلال الشهر، ما أثار استياءها.
قدمت استقالتها لأن الراتب لم يكن مجزيًا، توضح: "كنت أذهب سيرًا على الأقدام حتى لا أخصص ميزانية خاصة للمواصلات، ثم فضلت العمل في الدروس الخصوصي، فالحياة صارت مكلفة وأنا أسهم مع عائلتي في مصروفات البيت، اليوم في غزة صار كل فرد يعمل في البيت هو معيل لأسرته".
تكمل: "في تلك المدرسة التي لا تلتزم بالحد الأدنى للأجور شأنها شأن كل المؤسسات والقطاعات العاملة في غزة، تبقى لدي مستحقات قرابة 1000 شيكل إثر عدم الانتظام في دفع الراتب الشهري، وأنا أنتظر منذ أشهر أن يرسلونها إذ تلقيت وعود أن ترسل بنظام الدفعات". وتنبه إلى أن المبلغ تراكم من رواتب أُرسلت ناقصة على مدى عدة أشهر.

بلغة الأرقام، أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في بيان بمناسبة يوم العمال في نيسان 2026 أن معدل البطالة في قطاع غزة بلغ حوالي 68% خلال الربع الرابع من العام 2024، مقابل نحو 45% في الربع الثالث من العام 2023، فيما انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25% مقارنة بنحو 40% قبل الحرب.
كما بينت نتائج المسح الميداني للقوى العاملة في غزة أن حوالي 74% ممن كانوا يعملون أصبحوا عاطلين عن العمل أو خارج القوى العاملة، وكان الجهاز قد أشار في بيانه بمناسبة يوم العمال في أيار 2025 إلى شلل شبه كامل أصاب الحياة الاقتصادية بفعل الحرب. وبذلك يتنافس الباحثون عن عمل على فرص محدودة جدًا، وهو ما يمنح أصحاب العمل اليد الطولى في تحديد الأجور.
من ناحية اقتصادية، يقول المختص الاقتصادي عمر صلوحة إن الحد الأدنى للأجور من أهم الأدوات الاقتصادية والاجتماعية لحماية العاملين من الاستغلال وضمان أجر جيد لهم، لكن ثمة فجوة في غزة من قبل الحرب إذ لا يُطبَّق فيها الحد الأدنى الذي أقرته الحكومة الفلسطينية في رام الله. فقد أقرت الحكومة الحد الأدنى عند 1,450 شيكلًا بقرار مجلس الوزراء رقم (11) لسنة 2012، وبدأ سريانه مطلع العام 2013، ثم رفعته إلى 1,880 شيكلًا مطلع العام 2022.
ويفيد أنه عند تحليل واقع الأجور في قطاع غزة لا يمكن النظر إلى الحد الأدنى للأجور بمعزل عن مؤشر البطالة، إذ دفع ارتفاعها الباحثين عن عمل إلى القبول بأجر أقل من الحد القانوني، وفي مقابل ذلك يستند أصحاب المؤسسات والمنشآت إلى عدم قدرتهم على دفع الحد الأدنى للأجور مع تراجع القدرة الإنتاجية والقيود على الأنشطة الاقتصادية والحصار.
تكلفة السلة الغذائية والمعيشية الأساسية قد تصل اليوم، بحسب تقدير صلوحة الشخصي، إلى نحو 5,000–7,000 شيكل شهريًا، بحسب توفر السلع وتقلبات الأسعار والمعابر. وبحساب هذا التقدير لا يغطي الحد الأدنى البالغ 1,880 شيكلًا سوى 27% إلى 38% من هذه السلة.
ويشرح صلوحة أن الحد الأدنى القانوني البالغ 1,880 شيكلًا تعرض لتآكل كبير في قيمته الحقيقية مقارنة بتكلفة المعيشة الحالية، وأن الفجوة بين الأجر الفعلي والأجر القانوني كبيرة في بعض الحالات.
كما أن أجر ساعة العمل، الذي حدده القرار بـ10.5 شيكل لعمال المياومة غير المنتظمين والعمال الموسميين، قد ينخفض فعليًا في بعض الأعمال إلى 2–3 شواكل للساعة، أي انخفاض يتراوح تقريبًا بين 71 و81%.
ويؤكد أن المسألة تتجاوز إلزام المؤسسات بدفع رقم محدد إلى وجود منظومة اقتصادية كاملة قادرة على إنتاج هذا الأجر وتحمل تكلفته، وبالتالي يجب أن تكون إعادة تفعيل الحد الأدنى للأجور جزءًا من سياسة اقتصادية متكاملة تشمل دعم المنشآت، وتحفيز الطلب، وإعادة تشغيل الاقتصاد، وتوفير آليات رقابة وحماية للعامل، كي لا يتحول الحد الأدنى للأجور إلى رقم قانوني منفصل عن الواقع الاقتصادي. لكن السؤال الأهم: كيف يمكن لقانون أن يحمي عاملًا في اقتصاد لا يوفر له فرصة عمل من الأساس؟
إنفاذ غائب
أما من الناحية القانونية، فيؤكد المحامي حماد ضهير أن القول بعدم وجود حد أدنى للأجور في غزة غير دقيق قانونيًا، فالحق مقرر تشريعيًا، لكن الإشكالية الأساسية تتمثل في مدى تطبيقه وإنفاذه فعليًا في قطاع غزة ليصبح ساريًا.
ويشدد على أن الحق في أجر عادل من الحقوق الأساسية التي كفلها قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000، والذي يسري على العمال وأصحاب العمل في فلسطين.
وبموجب المادة (6) من القانون، تمثل أحكامه الحد الأدنى لحقوق العمال التي لا يجوز التنازل عنها، بينما تنص المادة (89) صراحة على عدم جواز أن يقل أجر العامل عن الحد الأدنى المقرر قانونًا.
كما تنظم المواد (86–88) لجنة الأجور وآلية تحديد الحد الأدنى للأجر بقرار من مجلس الوزراء، بما يربطه بمستوى المعيشة والسياسات العامة للأجور، وبموجب قرار مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 2021، أصبح الحد الأدنى للأجور 1,880 شيكلاً شهريًا، و85 شيكلاً يوميًا لعمال المياومة غير المنتظمين والعمال الموسميين، و10.5 شيكل لساعة عمل هذه الفئة، ويسري القرار اعتباراً من بداية العام 2022.
وتنص المادة (82) من القانون نفسه على ألا يتأخر دفع أجر العامل أكثر من خمسة أيام من تاريخ استحقاقه، وهو معيار يُقاس عليه ما روته إسلام محمود عن تأخر راتبها.
ويوضح ضهير أن الحد الأدنى غير مطبق حاليًا، وأن الحاجة إليه تزداد في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الاستثنائية في غزة بسبب الحرب الراهنة وتضرر البيئة القضائية، مؤكدًا أن ما يجري من تجاوزات في ما يتعلق بالحد الأدنى للأجور لا يؤدي قانونًا لإسقاط الحد الأدنى المقرر أو التنازل عن الحقوق الأساسية للعامل.
وما بين الواقع المعيشي، والحد الأدنى للأجور غير المطبق في غزة، وارتفاع تكاليف الحياة، وغياب أجر قادر على تغطية هذه الاحتياجات، يبقى المواطن عالقًا بين نارين، يعيش يومًا بيوم، ويكافح لتأمين طعامه وشرابه واحتياجاته الأساسية، وبذلك تتحول بقية متطلبات الحياة إلى رفاهيات مؤجلة، لا يملك الغالبية القدرة على تحمل تكلفتها.