في الخامسة والنصف صباحًا، قبل أن تشرق الشمس على خيام النزوح الممتدة في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، تخرج يد أيسر مشتهي من فتحة الخيمة، لا  تتحسس البرودة ولا نسيم البحر الذي كان يعرفه سكان بيت لاهيا شمال القطاع، وهو واحد من أبنائها. ولكن يده تبحث عن قطعة كرتون يابسة، أو غصن شجر مكسور ظل طريقه إلى الخيمة، أو أي شيء آخر قابل للاحتراق.

جمع الرجل البالغ 48 عامًا، ما تيسّر حول الخيمة من أوراق وأكياس نايلون، بينما كان يحمل في يده اليمنى علبة صفيح ثقبها بالمسامير من الجوانب وثبتها على الأرض الطينية، ثم جلب كيسًا بلاستيكيًا يحوي قليلاً من مسحوق البن. زوجته تنتظره أمام ركوة ألمنيوم تآكل لونها من الدخان، وتحمل حافة مقبضها آثار الحرق.

ينظر إلى زوجته ويبتسم ابتسامة تكتم غيظه وهو يقول: "سقى الله أيام الركوة النحاسية وفناجين الخزف"، يقصد تلك التي كانت تتوهج على موقد المطبخ المجاور لطاولة السفرة، التي كانت تحمل صينية مزخرفة تتراص الفناجين في حوضها، داخل بيته الذي أحالته الحرب إلى كومة ركام، فيما تحولت بيت لاهيا من بلدة زراعية إلى حقول دمار على مد البصر.

“في بيتنا في بيت لاهيا، كانت رائحة الهيل تسبق القهوة إلى الغرفة"، يقول مشتهي وهو يضغط على علبة الصفيح بقدمه لتثبيتها على الأرض الرملية. "الآن، الرائحة الأولى هي دخان الكرتون المحروق. ثم يأتي الهيل، إن وجد.”

يشعل النار. يتصاعد الدخان الأسود في الهواء البارد، يختلط ببخار البحر المالح، ويلفح وجهه. ينتظر حتى يخبو اللهب قليلاً، ثم يضع الإبريق فوق الجمرات. ينتظر. يصبّ القهوة في كؤوس بلاستيكية اشتراها من بسطة على الطريق. الكؤوس مغسولة ومعاد استخدامها مراراً.

“اختلط طعم الهيل برائحة الحطب”، يقول وهو يمدّ الكأس لزوجته. “لكننا نصرّ على صنعها. لأننا إن تخلينا عن هذا، نشعر أننا تخلينا عن أنفسنا”.

طقس إعداد فنجان القهوة، الذي يُنظر إليه على أنه طقس يومي لطيف في حياة الناس العادية، وقد تحدث عنه الشاعر محمود درويش في قصيدته: “القهوة لا تُشرب على عجل، القهوةُ أخت الوقت تُحْتَسى على مهل، القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات”، صار طقسًا من الماضي بالنسبة لسكان غزة الذين ينظرون إلى إعداد القهوة على أنه عمل ينطوي على مشقة وتكلفة في آن واحد.

ومع كل الأبعاد النفسية والاقتصادية لإعداد القهوة، فإن السكان متمسكون بعادة شربها. بل إن سلوك الاستهلاك في الفترة التي تزامنت مع المجاعة، استمر رغم أن كيلو البن الواحد قد تضاعف سعره بشكل أعجز الكثير من الناس عن اقتناءه. لكنهم لم يتوقفوا عن صناعة بدائل بخلط المسحوق بنوى التمر وغيرها من الأفكار التي تنامت في ذروة الجوع.

وارتفع سعر كيلوغرام القهوة المطحونة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، من نحو 42 شيكلًا قبل الحرب إلى قرابة 360 شيكلًا في عام 2025، أي أكثر من ثمانية أضعاف مستواه السابق. وتشير نشرة الجهاز الصادرة في يناير 2026 إلى أن بيانات قطاع غزة جُمعت عبر اتصال هاتفي مباشر بباحثين ميدانيين في القطاع.

ولم تكن الأسعار مستقرة خلال أحداث العنف الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، إذ شهد السوق تقلبات حادة، فيما تراجعت القدرة الشرائية للأسر مع فقدان مصادر الدخل وارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية. وسجّلت نشرة الجهاز عن شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025 انخفاضًا في أسعار القهوة بين السلع التي تراجعت بعد إعلان وقف إطلاق النار.

وبذلك، لم يعد توفر القهوة في بعض البسطات أو الأكشاك يعني أن شراءها في متناول الجميع، فتحولت لدى بعض الأسر من عادة يومية إلى سلعة تُشترى بكميات صغيرة، وتخضع للمفاضلة مع الغذاء والاحتياجات الأكثر إلحاحًا.

وقبل الحرب، كان قطاع غزة يستهلك نحو 6 إلى 7 أطنان من القهوة يوميًا، أي ما يتراوح بين 2,200 و2,550 طن سنويًا تقريبًا، وفق بيانات وزارة الاقتصاد الوطني. أما خلال الحرب، فلا تتوافر بيانات رسمية حديثة تقيس حجم الاستهلاك اليومي، ما يجعل شهادات الناس مؤشرًا على جانب من التغير الذي طرأ على هذه العادة.

ويظهر أثر الأزمة في سوق القهوة، بحسب محمد عثمان، صاحب محل تجاري ومطحنة بن، الذي يقول إن حجم المبيعات انخفض بنحو 70 إلى 80% منذ بداية الحرب، رغم استمرار تردد الزبائن على المحل.

يقول عثمان: "اختفت تقريبًا فكرة شراء كيلو أو نصف كيلو من البن. من كان يشتري كيلو أسبوعيًا، أصبح يطلب 50 أو 100 غرام، أو يأتي بخمسة أو عشرة شواكل ويطلب قهوة بما يتناسب مع المبلغ المتاح لديه".

وامتد التغير من الكمية إلى النوعية؛ فبعدما كان الزبائن يختارون خلطاتهم ويطلبون الهيل، أصبح التركيز اليوم على الأنواع الأقل كلفة، بحسب عثمان، الذي يربط ذلك بانهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار البن.

ويضيف أن الكيلو الذي كان يُباع بنحو 40 إلى 42 شيكلًا قبل الحرب، قفز في بعض الفترات إلى ما بين 300 و360 شيكلًا، قبل أن يتراجع لاحقًا. وبلغ متوسط سعره حاليًا 100 إلى 130 شيكلًا للكيلوغرام بحسب النوع.

وعلى هامش يوم القهوة مطلع أكتوبر الحالي، غاص الباحث إياد الدريملي، وهو كاتب أيضاً من غزة، في عمق الأرقام، إذ كتب: إن كانت غزة تستهلك قبل الحرب نحو 6–7 أطنان من القهوة يومياً، أي ما يقارب 42–49 طناً أسبوعياً ونحو 2,500 طن سنوياً، فهذا يعادل نحو 357 مليون فنجان سنوياً، أو قرابة مليون فنجان يومياً.

يصطدم الدريملي، شأنه شأن غيره من الباحثين، بعدم وجود إحصاءات رسمية عن حجم الاستهلاك اليومي للقهوة في ظل الحرب وما رافقها من عمليات هندسة السكان والتلاعب في مزاجه العام، مشيراً إلى غياب المؤشرات التي تعكس زيادة أو نقصان الكميات المستخدمة في تناول القهوة، على الرغم من أن الإقبال عليها لا يزال ملحوظاً رغم مستويات الفقر (93%) والبطالة (85%) التي يعاني منها السكان.

لكن الكاتب ينبه إلى أنه، بحسب الإحصاءات القديمة، كانت غزة تحتسي القهوة بمعدل مرتفع يدلل على أن القهوة كانت جزءاً من طقوس النسيج الاجتماعي، حيث تجمع العائلة، ومفتاحاً للأحاديث، وصحبة اللقاءات في الأفراح والأتراح، وتمنح الناس مساحة يومية للجلوس والتواصل.

يستطرد في منشوره على فيسبوك: "القهوة مؤشر اجتماعي غير مباشر يؤثر في شكل الحياة العامة؛ فحين تتراجع القدرة على الاجتماع والضيافة والجلوس مع الآخرين، لا يتغير الاستهلاك فحسب، بل تتأثر معه واحدة من أدوات قياس درجات التواصل الاجتماعي اليومية والتعرف على المزاج العام".

ولأن الأمر ينطوي على أبعاد سيكولوجية، فإن المختصة النفسية والاجتماعية هديل ياغي تصف تمسّك الغزيين بطقوسهم اليومية، ومنها إعداد القهوة والجلوس مع الآخرين، بأنه محاولة نفسية للحفاظ على الإحساس بالاستقرار وسط واقع مضطرب. وتوضح أن هذه الطقوس تمنح الفرد شعورًا بأنه ما زال قادرًا على التحكم في تفاصيل بسيطة من حياته، حتى في ظل ظروف خارجة عن سيطرته.

وترى ياغي أن تغيّر مكان القهوة وطريقة احتسائها يعكس أيضًا التحولات التي أصابت العلاقات الاجتماعية خلال النزاع. توضح: "بعدما كانت الجلسات تتم في البيوت والمقاهي، أصبحت اليوم تجري في الخيام أو على الأرصفة، لكنها احتفظت بوظيفتها في جمع الناس وتبادل الأخبار والهموم".

بيد أنه وعلى الناصية الشرقية لشارع الجلاء وسط مدينة غزة، هناك قول آخر جاء على لسان رجل يقيم بسطة تعلوها لافتة “مشروبات ساخنة”، أثناء جلوسه على ركن إسمنتي: "عندما يجتمع الزبائن لطلب القهوة، فهم يجتمعون على نقاش همومهم، لا للتلذذ بمذاق البن".

ومن وجهة نظر البائع، ويدعى محمد عبد الواحد، وهو في السابعة والعشرين من عمره، فإن القهوة "ضرورية لشيء واحد: تبقينا متيقظين لحدوث أي طارئ"، في إشارة إلى تسارع وتيرة الأحداث الأمنية بين حين وآخر، دون وجود أفق للاستقرار وإعادة الإعمار.

وهذا يعني أنه في واقع تغيّرت فيه ملامح الصباحات وأماكن اللقاء، تبدو قيمة فنجان القهوة في اللحظة التي يصنعها حوله؛ لحظة تقول: إن الحياة تستحق فنجان قهوة يُحتسى على مهل، لكن الحرب تصر على أن يكون على عجل.