بحلول صباح الغد، 12 أبريل 2026، ستستأنف منظمة الصحة العالمية دعمها لعمليات الإخلاء الطبي من قطاع غزة عبر معبر رفح إلى مصر. لكن مع عودة هذه القوافل، يعود أيضاً جدل قديم يتعلق بكيفية اختيار من يُسمح له بالمغادرة، في ظل نظام تقول المنظمة إنها لا تملك فيه أي سلطة على تحديد الأولويات.
الاستئناف، الذي يأتي بعد تعليق مؤقت إثر مقتل شخص متعاقد مع المنظمة في غزة، صاحبه بيان نادر من المنظمة تلقت "آخر قصة" نسخة عن، اعترفت فيه بوجود "مخاوف" أثارتها منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي حول نزاهة عمليات الإخلاء. وأكدت المنظمة أنها "تأخذ جميع هذه المخاوف على محمل الجد، وهي تبحث في الأمر".
بالتوازي تروي عائلات فلسطينية من غزة، تفاصيل أكثر إيلاماً حول ظروف المرضى الصحية، مشيرين إلى وجود واسطة ومحسوبية في ملف التحويلات العلاجية.
طفلة حُذف اسمها في اليوم التالي
"طفلتي مصابة في الرأس منذ عام ونصف، وهي بحاجة ماسة إلى تحويلة للعلاج خارج القطاع"، هكذا قالت أم يوسف أحمد، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها الكاملة حفاظاً على سلامة عائلتها.
وفقاً لروايتها، جرى قبول نقل حالة ابنتها إلى أيرلندا في يوليو/تموز 2025. تلقت العائلة اتصالاً يطلب منها تجهيز الطفلة للسفر. لكن في اليوم التالي، أُلغيت الموافقة. وبعد فترة، كما تقول أم يوسف، تبين أن اسم ابنتها قد حُذف من القائمة ليحل محله اسم طفل آخر. "لم تكن طفلتي مرفوضة طبياً، كما قيل لنا. تم استبدالها. وهي لا تزال بحاجة ماسة للعلاج في الخارج لأن الخدمات الطبية في غزة غير موجودة بعد الحرب."
تحويلة ألغاها الطبيب رغم استمرار المرض
أما شيماء الخياط، فتروي قصة شقيقتها التي تعاني من مرض تكسر الصفائح الدموية. تقول الخياط إن شقيقتها حصلت على تحويلة علاجية في يونيو/حزيران 2024، لكن الطبيب المعالج ألغاها بدعوى أن العلاج بات متوفراً داخل غزة. لكن الحالة، كما تصفها الخياط، لم تتحسن. "مستوى الصفائح الدموية لديها وصل إلى 18، وهي مهددة بالإصابة باللوكيميا في أي لحظة إذا جرى تجاهلها."
وتضيف: "التحويلة كانت معتمدة فعلاً، لكننا كنا ننتظر قبول الدولة المستقبلة. ثم جاء الإلغاء من الداخل."
طفل "العظم الزجاجي" رُفض مرتين
في حالة ثالثة، يقول خضر محسن، وهو مصاب يتلقى علاجاً في مصر منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إن ابنه "كاظم" يحتاج إلى تدخل عاجل بسبب مرض نادر هو "العظم الزجاجي". كان الطفل يتابع علاجه قبل الحرب في مستشفى المقاصد بالقدس، لكن الظروف حالت دون ذلك.
يتحدث محسن ووجه يتجهم حزنًا: "تم رفض تحويلته مرتين متتاليتين خلال عام كامل. عملياته الجراحية معقدة وخطيرة، وهو بحاجة للسفر فوراً. نرجو فقط تسهيل الإجراءات."

هذه القصص وغيرها لعشرات الحالات، تحولت إلى مادة لنقاش ساخن في الفضاء الرقمي، وصل إلى حد التراشق العلني بين الناشط حمزة المصري ومدير معبر رفح إياد نصر. وق دعا المصري عبر فيسبوك المرضى وذويهم، وخصوصاً من ألغيت تحويلاتهم، إلى الإفصاح عن فترات انتظارهم. استجاب أكثر من 300 شخص. ويتهم المصري وجود "واسطة ومحسوبية" في الملف، وهو ما ينفيه الطرف الآخر، في انتظار أي تحقيق رسمي.
ما تقوله منظمة الصحة العالمية (بدقة)
في بيانها الصادر اليوم 11 أبريل 2026، رسمت المنظمة خطاً فاصلاً واضحاً بين ما تفعله وما لا تفعله، حيث قالت نصاً إن دورها "داعم بحت، ويقتصر على التنسيق والدعم اللوجستي، ولا تشارك، ولا موظفوها، في تحديد أولويات المرضى. وآلية الإحالة تبدأ من الطبيب المعالج، ثم لجنة إحالة مؤلفة من مسؤولين صحيين محليين في غزة، المنظمة ليست عضواً فيها".
وأضافت "بعد ذلك، تتولى السلطة الفلسطينية مشاركة القوائم مع إسرائيل ومصر للحصول على التصريح الأمني.. فقط بعد الحصول على التصريح، تصل القائمة إلى المنظمة، لتبدأ مهامها المحدودة: الاتصال بالمرضى، تجهيز مرافق المغادرة، تنسيق النقل بالسيارات والحافلات إلى المعبر، حيث تستلم السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي المرضى".
خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى 17 سبتمبر 2025، أظهرت بيانات المنظمة أن مصر استقبلت 3995 مريضاً، تليها الإمارات (1499)، ثم قطر (970). وأكبر خمس فئات طبية تم إجلاؤها منذ 7 مايو 2024 كانت: الإصابات الرضحية (773)، الأورام (713)، أمراض العيون (258)، التشوهات الخلقية (241)، والأمراض القلبية الوعائية (230).
لكن هذه الأرقام لا تعكس عدد من رُفضوا، أو من حُذفت أسماؤهم، أو من ماتوا وهم ينتظرون دوراً ربما لم يأتِ أبداً.
في الساعات المقبلة، ستبدأ الحافلات وسيارات الإسعاف بالتحرك من نقاط التجمع في غزة باتجاه رفح. سيكون هناك مرضى على متنها. لكن خارج هذه القوافل، ستبقى أسئلة عالقة: من يقرر حقاً؟ وماذا ستفعل منظمة الصحة العالمية بـ"تحقيقها" في اتهامات المحسوبية؟ وماذا عن طفلة استُبدل اسمها، وأخرى صفائحها الدموية تتراجع، وطفل عظامه زجاجية؟
توصي المنظمة، كما فعلت في سبتمبر 2025، بوقف إطلاق النار، وزيادة ممرات الإخلاء عبر مصر والأردن، واستعادة الممر الطبي إلى الضفة الغربية. لكن في غزة، حيث تغيب الخدمة الطبية، فإن التوصيات لا تنقذ حياة اليوم.
(يتبع)