داخل خيمة مصنوعة من النايلون والبلاستيك المقوّى، تحتفظ بالحرارة وتضاعف وطأتها مع ارتفاع درجات الحرارة، يعيش أيمن العمرين (37 عامًا) مع أسرته المكوّنة من خمسة أفراد في ظروف خانقة منذ تضرر منزله خلال الحرب. ومع حلول الصيف، لم تعد مصاريف الأسرة تقتصر على الطعام والاحتياجات الأساسية، بل أصبحت مواجهة الحر نفسه جزءًا من الإنفاق اليومي في ظل ميزانية مثقلة أصلًا.
المياه تُشترى بوتيرة أكبر، واستهلاكها يتضاعف للشرب والاستخدام اليومي، فيما أصبح الثلج جزءًا شبه دائم من الإنفاق اليومي للحفاظ على برودة المياه وبعض الأطعمة سريعة التلف. وحتى الخيمة، التي يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا، تحتاج إلى أغطية إضافية وتعديلات بسيطة للتخفيف من أشعة الشمس والرطوبة.
يقول العمرين، وهو موظف لدى السلطة الفلسطينية يعتمد حاليًا على راتب منقوص وغير منتظم كحال آلاف الموظفين في غزة: "كنا نفكر سابقًا فقط في كيفية توفير الطعام، أما اليوم فأصبحنا نحسب حساب الماء والثلج، وحتى أبسط الوسائل التي تخفف من حدة الحرارة عن الأطفال"، بينما تتحول هذه المصاريف الصغيرة ظاهريًا إلى عبء ثقيل في ظل دخل محدود وأسعار مرتفعة بعد سنوات الحرب التي استنزفت المدخرات ومصادر الرزق.

لم تعد كلفة الصيف في قطاع غزة مرتبطة بالطقس فقط، بل بقدرة الأسر على تحمّل نفقات يومية إضافية فرضتها الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، من المياه والثلج إلى وسائل التبريد وحفظ الطعام، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
في حي الرمال وسط مدينة غزة، يقضي جمعة عزام (55 عامًا) يومه خلف بسطة صغيرة يبيع عليها سلعًا غذائية خفيفة، في محاولة لتأمين دخل يعيل به أسرتين، وسط غياب أي مصدر دخل ثابت. لكن الصيف، بالنسبة له، لا يعني فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل اتساع دائرة المصاريف اليومية أيضًا. فزيادة استهلاك المياه، وشراء الثلج للحفاظ على العصائر والطعام من التلف، والبحث عن وسائل تبريد بدائية، كلها نفقات تثقل ميزانيته اليومية.
يوضح عزام: "أي زيادة بسيطة في أسعار المياه أو الاستهلاك تتحول إلى عبء مالي ثقيل"، في وقت لا يزال فيه الدخل غير منتظم، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية والقدرة على تلبيتها. بالنسبة له أصبح كل يوم صيفي يحمل كلفة إضافية لا يمكن تجنبها.

وفي حي النصر غرب مدينة غزة، تعيش أمال الأسعد (50 عامًا) في شقة سكنية بالطابق الرابع داخل مبنى متضرر جرّاء الحرب. الحرارة المرتفعة لا تزيد فقط من قسوة الحياة داخل المبنى المتصدع، بل تضاعف أيضًا كلفة البقاء فيه. فرفع المياه إلى الطابق العلوي بات يحتاج إلى نحو 150 شيكل أسبوعيًا، في ظلّ أزمة مياه وانقطاع متكرر للكهرباء.
تتحدث الأسعد عن معادلة يومية أكثر تعقيدًا؛ فمواد غذائية تفسد سريعًا بسبب غياب وسائل التبريد بعدما فقدت عائلات كثيرة ثلاجاتها ومراوحها خلال الحرب، وحتى من تمكن من شراء بدائل بسيطة يواجه صعوبة في تشغيلها بسبب التكلفة المرتفعة للكهرباء. وتوضح أن سعر "كيلو الكهرباء" المولّد عبر الاشتراكات أو الطاقة البديلة بات يستنزف جزءًا إضافيًا من الدخل المحدود، ما يجعل تشغيل الثلاجة أو المروحة لساعات أمرًا مكلفًا بالنسبة لكثير من الأسر، خصوصًا خلال فصل الصيف.
وتقول الأسعد: "أصبحنا نضطر إلى تقليل الكميات التي نشتريها من الطعام، ونركز فقط على الأساسيات، لأن كل شيء تقريبًا بات يتطلب مصاريف إضافية في هذا الحر".

هذه الضغوط اليومية تنعكس بوضوح في المؤشرات الاقتصادية. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شهد قطاع غزة خلال عام 2025 ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، إذ سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء زيادات كبيرة، فيما ارتفعت أسعار المياه المعدنية والمحلاة بنحو 87%، بالتزامن مع تزايد الطلب على المياه خلال فصل الصيف.
كما ارتفع مؤشر غلاء المعيشة العام بنسبة 21.93% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر يعكس تآكل القدرة الشرائية للأسر بوتيرة متسارعة بعد عامين من الحرب.
في قراءة لهذه التحولات، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الاقتصاد في غزة دخل مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. معدلات البطالة، التي كانت تقارب 45% قبل الحرب، ارتفعت إلى نحو 80% خلال فترة الحرب، بالتزامن مع تراجع حاد في مستويات الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الأسر على التعامل مع متطلبات الصيف للعام الثالث على التوالي. فاحتياجات كانت تُعدّ بسيطة، مثل شراء المياه أو الثلج أو تشغيل وسائل التبريد، باتت تمثل عبئًا يوميًا على عائلات تعيش تحت وطأة الفقر والحرمان وتآكل القدرة الشرائية.

ويشير أبو قمر إلى أن نحو 95% من العائلات باتت تعتمد على المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات متداولة، وهو ما يعكس هشاشة القدرة الشرائية وعدم قدرة الأسر على مواجهة أي صدمات اقتصادية إضافية، حتى لو كانت مرتبطة باحتياجات موسمية كالمياه والتبريد.
كما يعيش أكثر من 90% من السكان عند مستويات قريبة من خط الفقر أو تحته، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وتضرر القطاع الزراعي، ما قلل من قدرة المزارعين على الإنتاج وزاد الاعتماد على المساعدات بوصفها مصدرًا أساسيًا للبقاء.
في ظلّ هذا الواقع، لم تعد الأسر قادرة على اللجوء إلى الديون كما في السنوات السابقة، بعدما استُنزفت المدخرات ومصادر الدخل إلى حد كبير. ومع تضرر البنية التحتية وارتفاع الإنفاق الأسري اليومي، تبدو قدرة العائلات على امتصاص أي أعباء إضافية شبه معدومة.
هكذا، لم يعد الصيف في غزة فصلًا مناخيًا فحسب، بل اختبارًا يوميًا لقدرة الأسر على الاحتمال، في واقعٍ تآكلت فيه الدخول وتضاعفت فيه كلفة أبسط تفاصيل الحياة بعد عامين من الحرب.