يمسك المزارع أبو رأفت حمدونة بإصيص صغير، بقايا محاولة زراعة لم يُكتب لها الاكتمال، موضوعًا إلى جوار خيمة نزوحه في خانيونس جنوبي قطاع غزة. بذور بندورة وفلفل نبتت على عجل، كما لو أنها تستعجل الحياة، قبل أن تذبل أوراقها مع أول موجة صقيع هذا الشتاء. لم يكن البرد وحده سبب موتها؛ فالماء المالح الذي اضطر لريّها به، في ظلّ غياب أي مصدر بديل، كان كافيًا ليجهز عليها.
قبل الحرب، كان حمدونة يملك 14 دونمًا زراعيًا في بيت لاهيا شمالي القطاع. أما اليوم، لم يتبقَّ منها شيء، فيما يُعد القطاع الزراعي في قطاع غزة محطمًا تقريبًا، إذ أظهرت بيانات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن أكثر من 95–98.5٪ من الأراضي الزراعية في غزة إما تضررت أو لم تعد متاحة للزراعة، مما ترك فقط نحو 1.5–4.6٪ فقط من الأراضي صالحة أو قابلة للزراعة في عام 2025.
أما حمدونة فمنذ نزوحه، يحاول الزراعة "على استحياء"، كما يقول، ووسط دمار الأراضي وتعطل شبكات الري والتربة المستنزفة تصطدم كل محاولة بعائق جديد: ملوحة المياه، أو تربة منهكة تتسرّب إليها مياه الصرف الصحي، أو طقس لم يعد يحتمل أي هامش ضعف.
يشرح حمدونة: "مع الأجواء الباردة تتلف الأوراق العريضة للنباتات، ويتشكل فوقها "الحويل"، وهي طبقة قشرية تظهر شتاءً. هذا كان معروفًا قبل الحرب، لكننا كمزارعين كنا نملك الدفيئات ونحاول السيطرة على تلف محاصيل مثل البطاطا والملفوف".
حاليًا، لم تعد تلك الدفيئات موجودة، ولا الوقود متوفر، ولا الكهرباء قادرة على تشغيل أبسط وسائل الحماية، في ظل أزمة طاقة متواصلة وقيود على الوقود تساهم في تعطيل تشغيل الدفيئات وأنظمة التدفئة.
في قطاع غزة اليوم، لا يُقاس تأثير انخفاض درجات الحرارة بميزان المناخ وحده، بل بميزان الحرب وما خلّفته من فراغ كامل في أدوات التكيّف. فعندما يؤدي الصقيع إلى تمزق خلايا محاصيل حساسة مثل البطاطا والملفوف والبندورة، يصبح الضرر مضاعفًا في بيئة زراعية فقدت قدرتها على التعافي. هنا، تتحول موجات البرد من ظاهرة موسمية معتادة إلى تهديد وجودي للمحصول، ولمن يعتمد عليه في الغذاء والبقاء.
غياب الدفيئات، وشح الوقود والكهرباء، وملوحة المياه، وتدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية جعل أكثر من 80٪ من البنية التحتية الزراعية في القطاع في حالة تعطل، بما فيها الآبار والخدمات الأساسية اللازمة للري، مما يجعل النبات مكشوفًا بالكامل أمام البرد. في هذا الواقع، لا يذبل النبات بسبب الصقيع فقط، بل يموت لأنه بلا حماية، في زمن لم يعد يتيح للمزارع أدوات المواجهة ولا حتى فرصة التجربة.
تتقاطع قصة أبو رأفت مع تجربة أم محمد صالح، التي كانت قبل الحرب من عشّاق الزراعة المنزلية في مخيم جباليا شمالي القطاع. زرعت فوق سطح منزلها أنواعًا مختلفة من المزروعات، وحرصت على اتباع الإرشادات الزراعية، وكانت تغطي نباتاتها بالبلاستيك عند اشتداد البرد.
أما اليوم، وقد تغيّر كل شيء، تقول: "أزرع في الأرض التي استأجرتها لإقامة خيمتي عليها في الزوايدة وسط القطاع، لكن التربة لا تساعدني، والرياح تقتلع النباتات من جانب الخيمة، والماء مالح. تموت نباتاتي بسبب البرد، حتى قبل أن تكبر".
لا يقتصر أثر انخفاض درجات الحرارة على النبات وحده، بل يمتد إلى التربة نفسها. إذ تتراجع خصوبتها، وينخفض نشاط الكائنات الحية الدقيقة فيها، ما يقلل قدرتها على دعم النمو. يوضح المهندس الزراعي أشرف أبو دقة أن الانخفاض المعتاد في درجات الحرارة قد يترافق أحيانًا مع ما يُعرف بـ "الصقيع الإشعاعي الساكن"، والذي يحدث عادة بعد المنخفضات الجوية، حين تكون الرياح ساكنة، ويمتد من ساعات الفجر حتى الصباح.
ورغم أن الصقيع يُعدّ ظاهرة نادرة نسبيًا في قطاع غزة، إلا أن أثره اليوم بات أشدّ، لا بسبب زيادة حدّته المناخية، بل نتيجة انهيار القدرة على التكيّف معه، ما يجعل حتى موجات البرد المحدودة كافية لإلحاق خسائر واسعة بالمحاصيل.
وتحدث هذه الظاهرة بفعل تفاعل معقّد بين انخفاض درجات الحرارة الدنيا ونقطة الندى والرطوبة النسبية وسرعة الرياح وصافي الإشعاع الشمسي. وفي بيئة زراعية منهكة كغزة، يؤدي هذا التفاعل إلى تجمد الماء داخل الخلايا النباتية، مسببًا تمزق جدرانها وظهور بقع بنية وسوداء على الأوراق والثمار، وغالبًا ما ينتهي بفقدان المحصول بالكامل.
بحسب أبو دقة، تُعد الخضروات مثل البطاطس والكوسا والخيار والمحاصيل الورقية الأكثر تضررًا، إضافة إلى بعض الأشجار المثمرة كالمانجو والحمضيات. ورغم وجود إجراءات وقائية، مثل حماية النباتات من التيارات الهوائية المباشرة، وتنظيم الري، واستخدام الأسمدة، بات معظم هذه الحلول نظرية في واقع يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الإمكانيات.
في السياق الأوسع، يذكّر المختص البيئي نزار الوحيدي بأن البيئة نظام متكامل، تتشابك فيه علاقة الإنسان بالنبات والمناخ والتربة. وأي خلل في أحد عناصره، سواء بانخفاض درجات الحرارة أو بانهيار منظومة الزراعة، ينعكس مباشرة على بقية المكونات. ويشرح أن الصقيع غالبًا ما يحدث في الليالي التي تلي أيامًا مشمسة، حين تهبط الكتل الهوائية الباردة إلى المناطق المنخفضة، فتتشكّل طبقة "الحويل" على سطح النباتات والتربة.
وتُعد النباتات ذات الأوراق العريضة الأكثر عرضة لما يُعرف بـ "حرق الصقيع"، وفقًا للوحيدي، حيث يؤدي تجمد السائل الخلوي داخل الخلايا إلى زيادة حجمه وتمزق الجدران، فتظهر أعراض التلف بوضوح. كما تختلف شدة الضرر باختلاف نوع التربة، إذ تتأثر الترب الرملية بشكل أكبر لسرعة فقدانها للحرارة، ما يجعل الخسارة شبه مؤكدة عند تشكل الجليد.
في قطاع غزة، حيث أدت الحرب إلى انهيار الزراعة بشكل شبه كامل، لا يأتي الطقس البارد كعامل طارئ، بل كحلقة إضافية في سلسلة الانكسار. هنا، لا تموت المزروعات بسبب البرد وحده، بل تموت كما الإنسان تمامًا: نتيجة تراكب القسوة الطبيعية مع واقع لم يعد يترك مجالًا للحياة.