ما يحدث في غزة لم يعد مأساة تُحتمل، ولا كارثة يمكن تفسيرها بلغة "الصمود". هذه الكلمات لم تعد سوى قناع أخلاقي نضعه فوق واقع لم نعد نجرؤ على النظر إليه كما هو.

نحن أمام مشهد أكثر قسوة: مجتمع يُعاد تشكيله على إيقاع التناقض، حتى صار التناقض نفسه هو القاعدة.

حفلات فاخرة تُنفق فيها أموال تكفي لإطعام أحياء كاملة، تُقام بمحاذاة خيام لا يجد أهلها إلا طعام التكايا.

هذا ليس مجرد تفاوت طبقي، بل انفصال أخلاقي كامل: أن ترى الجوع، وتحتفل فوقه.

مطاعم ومولات تُفتتح، وثروات تُبنى بسرعة مريبة، في اقتصادٍ قائم على الندرة.

الجوع هنا لم يعد مأساة فقط، بل صار فرصة.

فرصة للربح، للصعود، لإعادة توزيع المكانة الاجتماعية على أساس القدرة على استثمار الألم.

وفي الخلفية، يستمر كل شيء كأن شيئًا لم يكن: زواج، إنجاب، احتفالات، وكأن الحياة طبيعية.

لكن خلف هذا الإيقاع الظاهري، يتآكل النسيج الاجتماعي: طلاق، عنف أسري، أطفال يدفعون ثمنًا لا يُرى في الصور.

الأكثر فداحة ليس الفقر، بل هذا الانفصام: مساجد مكتظة، ومراكز تحفيظ بالمئات، يقابلها عنف، سرقة، وانتهاكات.

لا علاقة هنا بين التدين والسلوك، لأن التدين نفسه تحوّل إلى طقس منفصل عن الأخلاق.

حتى محاولات الجمال الخجولة، أغنية طفل، لحن عابر، تُحاصَر بخطاب يتهمها بأنها ترف أو خيانة أو سبب في "تأخير النصر". كأن المجتمع لا يكتفي بالقمع الخارجي، بل يعيد إنتاجه داخليًا.

هذا ليس صمودًا. الصمود يفترض وعيًا، تضامنًا، حدًا أدنى من الاتساق الأخلاقي.

ما نراه هو شيء آخر: تكيّف قاسٍ يصل حدّ البلادة، وتفكك يجعل الإنسان قادرًا على العيش داخل التناقض دون أن يهتز. ربما لا يجوز أن نلوم الأفراد، لأن كثيرًا منهم ضحايا. لكن أيضًا، ليس كل شيء يمكن تبريره بالحصار أو الحرب. هناك لحظة يتحول فيها الصمت إلى شراكة، والتكيّف إلى قبول، والقبول إلى نمط حياة.

وغزة، في كثير من تفاصيلها اليوم، تقف على حافة هذه اللحظة. المخيف ليس ما يحدث فقط، بل أن يحدث… ولا يعود يثير الذعر الكافي.