قبل أيام قليلة من السابع من أكتوبر 2023، كانت أمل سمير (اسم مستعار)، البالغة اليوم 32 عامًا، تسعى إلى إجراء صورة ألتراساوند للثدي. كانت معاناتها مع المرض قد بدأت للتو. ثم اندلعت الحرب. «بدأت الحرب وتوقف كل شيء على إثرها، ومع عمليات النزوح التي عشتها لم أتمكن من متابعة الفحوصات أو استكمال رحلة التشخيص.»
مرّت الأشهر وهي تنزح من مكان إلى آخر. في الأول من مارس 2025 لم تجد إبر الخزعة في المستشفيات الحكومية في دير البلح، فأجرت الخزعة وتحليلها لدى القطاع الخاص. وفي نهاية الشهر نفسه جاءها التشخيص: سرطان ثدي من الدرجة الثانية، انتقل إلى الغدد اللمفاوية، وتجاوز حجم الورم ثلاث سنتيمترات.
بين محاولتها الأولى للفحص ولحظة التشخيص مرّ نحو 18 شهرًا. يقول الدكتور محمد أبو ندى، مدير مركز غزة للأورام، إن تأخر التشخيص والعلاج قد يسمح للمرض بالانتشار إلى الغدد اللمفاوية ثم إلى أعضاء أخرى، وهو ما يصعّب العلاج ويقلل فرص الشفاء. وهذا تحديدًا ما وجده الأطباء عندها.

بدأت أولى جرعات العلاج الكيميائي في 12 أبريل 2025، بهدف تقليص الورم تمهيدًا للجراحة. لكن العلاج توقف بعد خروج المستشفى الأوروبي عن الخدمة. تقول إنها دخلت بعدها في انتظار لا تعرف نهايته، وهي تواجه آثار العلاج الجسدية إلى جانب الجوع والنزوح ونقص المياه، وتتنقل بوسائل بدائية.
كانت تحتاج إلى علاج إشعاعي حتى تتمكن من إجراء جراحة تحفظ الثدي، لكن العلاج الإشعاعي غير متوفر في غزة، في مخالفة لما يكفله قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم (20) لسنة 2004، الذي ينص في المادة (60) على حق كل مريض في الرعاية الفورية بالحالات الطارئة وفي شرح واضح للعلاج المقترح. في ديسمبر 2025 خضعت لجراحة استمرت نحو ثلاث ساعات، استُؤصل فيها الثدي الأيسر بالكامل والغدد اللمفاوية، إضافة إلى كتلة حميدة من الثدي الأيمن. "رغم كل ما مررت به، فإن رحلتي مع المرض لم تنتهِ بعد"، تقول أمل.
عرضت قصة أمل سمير في تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مع بداية أكتوبر الوردي. وتظهر أرقام التقرير أن تجربتها جزء من نمط أوسع. فبحسب بيانات وزارة الصحة، يشكّل سرطان الثدي نحو 33% من حالات السرطان بين النساء في غزة، ونحو 18% من إجمالي حالات السرطان المسجلة. وتنتهي نحو 13% من حالات الإصابة به بالوفاة.
ويقول الدكتور أبو ندى إن نحو 200 حالة سرطان تُسجَّل شهريًا في القطاع، وإن الإصابة بسرطان الثدي تظهر بشكل ملحوظ لدى النساء بين 25 و50 عامًا. إذا طبّقنا نسبة الـ18% على هذا الرقم، فهذا يعني نحو 36 حالة سرطان ثدي جديدة كل شهر، وهو تقدير من آخر قصة.

في أكتوبر من كل عام تتكرر رسالة واحدة: الكشف المبكر ينقذ الحياة. في غزة، تصطدم هذه الرسالة بنقص الأجهزة، إذ يقول ياسر اليعقوبي، رئيس قسم تجهيزات وحدة التصوير الطبي في وزارة الصحة، إن نحو 78% من أجهزة الأشعة والتصوير الطبي خرجت عن الخدمة منذ أكتوبر 2023. ولم يبقَ سوى خمسة أجهزة ماموغرام من أصل 14 جهازًا كانت تعمل قبل الحرب، مع نقص حاد في أجهزة الموجات فوق الصوتية.

ولا يقتصر أثر هذا النقص على الكشف المبكر. فالتصوير ضروري أيضًا لتأكيد التشخيص وتحديد مرحلة المرض ومتابعة استجابة المريضة للعلاج. ويضاف إلى ذلك نقص في المختصين بتحليل عينات الأنسجة، فيما يستغرق التشخيص اليوم نحو أربعة إلى خمسة أسابيع للحصول على العينة النسيجية وتحليلها، بحسب أبو ندى. ويذكر التقرير أنه أُجري نحو 400 فحص بالموجات فوق الصوتية في مجمع الشفاء الطبي، ونحو 1,800 فحص ماموغرام في مجمع ناصر الطبي.
قبل الحرب كانت خدمات علاج الأورام متوفرة في عدة مرافق، منها مجمع ناصر الطبي ومجمع الشفاء الطبي والمستشفى الأوروبي ومستشفى الصداقة التركي. اليوم، وبحسب المركز، لا يعمل سوى 33 مستشفى ومستشفى ميدانيًا من أصل 55، و129 مرفق رعاية أولية من أصل 229. ويشير التقرير إلى أن كثيرًا من المرافق المصنفة عاملة يقدّم جزءًا محدودًا من خدماته، أو يعمل لساعات متقطعة، أو يعتمد على حلول طارئة.

قد تصل المريضة إلى المستشفى فلا تجد الفحص أو الدواء. في 7 مايو 2026 أعلنت وزارة الصحة نفاد مخزون نحو 47% من قائمة الأدوية الأساسية، و59% من المستهلكات الطبية، و87% من مواد الفحص المخبري. وفي النصف الأول من العام لم تُجرِ مختبرات الوزارة سوى ما يعادل 38% من الفحوص التي كانت تجريها قبل الحرب.
أما مرضى السرطان تحديدًا، فيواجه نحو 11 ألف مريض منهم واقعًا بلا علاج إشعاعي، فيما بلغت نسبة العجز في أدوية الأورام 61%. ويعني ذلك، بحسب التقرير، تعطيل بعض البروتوكولات العلاجية أو استبدالها بخيارات أقل ملاءمة. ونقص الأدوية الداعمة ومضادات العدوى يرفع خطر المضاعفات لدى من أضعف العلاج الكيميائي مناعتهم.

هنا تحديدًا تتقاطع قصة أمل سمير مع الأرقام الصادرة عن المؤسسة الرسمية، حيث تظهر أن غياب العلاج الإشعاعي هو ما جعل استئصال الثدي كاملًا خيارها الوحيد. وحين يغيب العلاج في الداخل، يصبح الخروج من غزة هو طريق الخلاص الحتمي، لكنه غير متاح نسبياً.
تنشر منظمة الصحة العالمية بيانات دورية عن الإجلاء الطبي من غزة. وتظهر نشرتها الصادرة في 30 سبتمبر 2026 أن الأورام هي ثاني أكبر سبب لإجلاء المرضى بعد الإصابات. فمنذ 7 مايو 2024 أُجلي 1,529 مريض أورام للعلاج في الخارج.

لكن هذه البيانات لا تفصّل المرضى حسب الجنس أو نوع السرطان. لذلك لا نعرف كم امرأة مصابة بسرطان الثدي بين هؤلاء. وهذا الغياب بحد ذاته فجوة في المعلومات، في شهر يُفترض أن تكون فيه النساء المصابات في مركز الاهتمام.
ما يمكن قوله إن الإجلاء يتم بوتيرة أبطأ بكثير من وتيرة ظهور المرض. فـ1,529 مريضًا خلال نحو 29 شهرًا تعني قرابة 53 مريض أورام يُجلَون شهريًا، مقابل نحو 200 حالة سرطان جديدة تُسجَّل كل شهر. ليست كل حالة جديدة بحاجة إلى إجلاء، لكن المقارنة تعطي فكرة عن حجم الضغط.

ويقدّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن نحو 4,000 مريض سرطان ما زالوا ممنوعين من السفر للعلاج خارج القطاع. ويضيف أن نظام التصاريح العلاجية معطّل منذ أكتوبر 2023، ما يحرم المرضى من مستشفيات الضفة الغربية والقدس، التي كانت تستقبل سنويًا ما بين 10,000 و14,000 مريض من غزة. والرقمان، رقم المنتظرين ورقم من خرجوا، صادران عن جهتين مختلفتين وبمنهجين مختلفين، لكنهما يرسمان معًا صورة لطابور أطول بكثير من الباب.

لماذا يخرج المرضى ببطء؟ تجيب بيانات منظمة الصحة العالمية عن جزء من السؤال. فمنذ أكتوبر 2023 خرج من غزة 13,768 مريضًا للعلاج، نحو نصفهم أطفال. قبل الحرب كان يخرج يوميًا ما بين 50 و100 مريض. خلال الحرب حتى أكتوبر 2025 انخفض المعدل إلى 14.1 مريضًا يوميًا، ومنذ وقف إطلاق النار في 13 أكتوبر 2025 انخفض أكثر إلى 9.6 مرضى يوميًا.

ويرتبط هذا الإيقاع بمعبر رفح البري، الذي كان يشكل رئة غزة والوحيدة، وقد خرج منه 86% من المرضى خلال الأشهر الأولى من الحرب، لكنه أُغلق في 7 مايو 2024، ولم يبدأ الإجلاء عبر كرم أبو سالم إلا بعد 84 يومًا. ومنذ ذلك الحين لم يُفتح رفح إلا لفترات قصيرة. حتى بعد وقف إطلاق النار، بقي مغلقًا 112 يومًا قبل أن يُعاد فتحه في 2 فبراير 2026.

ولا تنتهي رحلة المريضة عند صدور التحويل. تشرح منظمة الصحة العالمية أن الطبيب في غزة يصدر نموذج التحويل، ثم تحدد لجنة التحويل التابعة لوزارة الصحة الأولوية. وتؤكد المنظمة أنها لا تختار المرضى ولا ترتب أولوياتهم، وأن دورها لوجستي.
عبر كرم أبو سالم، الدولة المضيفة هي من تختار المرضى من القائمة، ثم تمر الأسماء على السلطات الإسرائيلية للموافقة الأمنية. وعبر رفح، تمر القائمة على مصر وإسرائيل مرتين، ويتحدد عدد من يخرجون أيضًا بعدد سيارات الإسعاف والحافلات المتاحة في القافلة.

يرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن حرمان مريضات سرطان الثدي من العلاج وعرقلة وصولهن إليه خارج القطاع يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويستند في ذلك إلى المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإلى المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقتين بإمداد السكان بالأدوية والحفاظ على الخدمات الطبية.
وتتقاطع مطالب المركز ومنظمة الصحة العالمية في عدة نقاط، أبرزها إدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، ولا سيما ما يخص تشخيص سرطان الثدي وعلاجه، إلى جانب ضمان استمرارية العلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحي والمتابعة الطبية.
كما طالبت الجهتان بضرورة تسهيل الإجلاء الطبي وتسريعه للمرضى الذين يتعذر علاجهم داخل القطاع، وزيادة عدد الدول التي تستقبلهم، إلى جانب ضرورة إعادة فتح تحويل المرضى إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز المتخصصة والأقسام التشخيصية، وتسهيل دخول الفرق الطبية، عدا عن تركيزهما الشديد على ضمان وصول النساء إلى خدمات الكشف المبكر والتشخيص، وضمان عودة المرضى إلى غزة بعد إكمال العلاج.
بالعودة إلى قصة أمل، فهي أنهت الجراحة، لكنها لم تنهِ رحلتها، إذ ما زالت تحتاج إلى متابعة طبية وعلاج، كما تقول إنها تعيش قلقًا دائمًا بشأن قدرتها على الحصول على الرعاية.
في شهر تُضاء فيه المباني حول العالم باللون الوردي تذكيرًا بأهمية الكشف المبكر، تبقى المسافة بين النصيحة والقدرة على تطبيقها في غزة هي القصة الأهم.