منذ ما يقارب ثلاثة أعوام على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يعد كثير من النازحين في قطاع غزة يقارنون بين منزل وآخر، بل بين خيمة قماشية تتمزق مع الرياح والأمطار، وأخرى من الفيبر جلاس توفر جدرانًا أكثر صلابة وبابًا يمكن إغلاقه. ففي واقعٍ دُمّرت فيه مئات آلاف المساكن، وتعثر فيه الإعمار، تراجعت سقوف الأمنيات من انتظار منزل إلى انتظار مأوى مؤقت أكثر قدرة على الاحتمال.
ورغم أن وحدات الفيبر جلاس توفر حماية أفضل مقارنة بالخيام القماشية، فإنها لا تزال تفتقر في كثير من الحالات إلى الخدمات الأساسية، مثل المياه الجارية والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، ولا تمثل بديلًا عن المنزل أو السكن اللائق الذي تكفله المواثيق الدولية. لكنها بالنسبة لكثير من الأسر النازحة، أصبحت خيارًا أقل قسوة وسط واقع لا يترك لهم سوى المفاضلة بين مستويات مختلفة من المعاناة.

منذ نزوحها الأول قبل نحو عامين، لم تعرف أسمهان الوادية (40 عامًا) صباحًا يشبه ما اعتادت عليه في منزلها. كانت تستيقظ داخل خيمة قماشية لا تصمد كثيرًا أمام تقلبات الطقس، فتبدأ يومها بتفقد الأغطية والأمتعة، والبحث عن مكان جاف يحمي أطفالها الأربعة من مياه الأمطار، أو عن زاوية أقل حرارة في أيام الصيف.
تقول: "أصعب ما في الخيمة القماشية أنك لا تشعر بأنها تحميك. في الشتاء كنا نستيقظ على البرد والمياه، وفي الصيف تتحول إلى مكان لا يُحتمل من شدة الحرارة."
وتضيف أن أكثر ما كان يرهقها هو الشعور الدائم بعدم الاستقرار، إذ كانت تخشى مع كل منخفض جوي أن تتضرر الخيمة أو تتطاير، في وقت لا تملك فيه مكانًا آخر تلجأ إليه مع أطفالها.
قبل الحرب، كانت الوادية تعيش في منزل يوفر لها ولأسرتها خصوصيتهم وحياتهم اليومية المعتادة. أما اليوم، فقد أصبحت تفاصيل كانت تبدو بديهية، كوجود باب يُغلق أو جدار يحجب الرؤية، أمنيات يصعب تحقيقها.
بعد انتقالها إلى إحدى وحدات الفيبر جلاس، لا تقول إن حياتها عادت إلى طبيعتها، لكنها ترى أن جزءًا من أعباء النزوح اليومية أصبح أقل قسوة.
توضح: “لا أعتبرها بيتًا، لكنها تحمينا أكثر من الخيمة القماشية. أصبحت الرياح أقل تأثيرًا، ولم أعد أخشى كل ليلة أن تتطاير الخيمة فوق رؤوسنا”.
وتضيف: “وجود باب وجدران أكثر ثباتًا منحني شيئًا من الخصوصية، خاصة مع وجود بناتي، لكننا ما زلنا نعيش في خيمة، ولسنا في منزل”.

ولا تعكس تجربة أسمهان حالة فردية. فبعد سنوات من النزاع، ما تزال أعداد كبيرة من العائلات الفلسطينية تعيش في خيام ومراكز إيواء بعد تدمير أو تضرر منازلها، في ظل تعثر إعادة الإعمار واستمرار أزمة السكن. وبالنسبة لهذه الأسر، أصبح الانتقال من خيمة قماشية إلى وحدة أكثر صلابة تحسنًا في ظروف الإيواء، دون أن يغيّر حقيقة أن الأزمة الأساسية ما تزال قائمة.
تشير تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي حتى منتصف 2026 إلى أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تسببت في تدمير أو تضرر أكثر من 370 ألف وحدة سكنية، مع نزوح نحو 1.9 مليون شخص، يعيش جزء كبير منهم في خيام ومراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.
وبعد تدمير هذا الحجم من المساكن وتعثر إعادة الإعمار واستمرار القيود على دخول مواد البناء، لم تعد أزمة النزوح حالة مؤقتة، بل واقعًا ممتدًا لسنوات، ما جعل أكثر من مليون شخص يعيشون في الخيام ومراكز الإيواء لفترات طويلة، رغم أنها لا توفر الحد الأدنى من مقومات السكن اللائق.
بالنسبة لكثير من العائلات، لم تعد الخيمة مجرد مكان للنوم، بل أصبحت منزلًا مؤقتًا يجمع تحت سقفه كل شيء. ففي مساحة محدودة، تنام الأسرة وتطهو الطعام وتخزن مقتنياتها القليلة، بينما تتآكل الخيام القماشية بفعل الشمس والرياح، وتتسرب إليها مياه الأمطار في الشتاء، وسط نقص المياه والكهرباء والصرف الصحي وغياب الخصوصية.

أما أماني ياسين (35 عامًا)، فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فهي تعيش مع طفليها وحدها في حي الزيتون بمدينة غزة، بينما يقبع زوجها في الأسر، الأمر الذي جعل مسؤولية حمايتهما تقع على عاتقها وحدها.
تقول: "في الخيمة القماشية كنت أخاف كثيرًا، خاصة خلال الليل. أي صوت أو حركة كان يدفعني للتفكير كيف سأحمي أطفالي إذا حدث شيء."
وتضيف أن انتقالها إلى وحدة من الفيبر جلاس خفف جزءًا من هذا القلق، لأن الجدران أكثر ثباتًا والباب يمكن إغلاقه، "لكن ذلك لا يعني أن ظروف الحياة أصبحت طبيعية. فما زلنا نفتقد كثيرًا من مقومات العيش الأساسية، ونعيش في مكان مؤقت لا يوفر كل ما تحتاجه الأسرة."
وبينما تتحدث أماني عن شعورها النسبي بالأمان، تؤكد أن أكثر ما تتمناه ليس خيمة أفضل، وإنما منزل تستطيع أن تبدأ فيه حياة مستقرة مع طفليها، بعيدًا عن حياة النزوح التي طالت أكثر مما توقعت.
تجربة أحمد كشكو (55 عامًا) تختلف عن غيرها. فالرجل لم يفقد منزلًا واحدًا خلال الأحداث، بل ثلاثة منازل تعاقبت سنوات عمره على بنائها، ليجد نفسه في النهاية يعيش داخل خيمة، شأنه شأن مئات آلاف النازحين.
يقول: "عندما يفقد الإنسان بيته، فهو لا يخسر جدرانًا وسقفًا فقط، بل يخسر المكان الذي عاش فيه تفاصيل حياته وذكرياته."
وبعد رحلة طويلة من التنقل بين أماكن النزوح، انتقل كشكو إلى وحدة من الفيبر جلاس. ويحرص منذ البداية على التمييز بين تحسين ظروف الإيواء واستعادة البيت.
يوضح: "هي أفضل من الخيمة القماشية لأنها أكثر ثباتًا وتحمي من المطر والرياح بشكل أفضل، لكن لا يمكن أن أسميها بيتًا. البيت شيء آخر تمامًا."
ويضيف: "ما نحتاجه ليس خيامًا أفضل، وإنما أن نعود إلى بيوتنا أو نتمكن من إعادة بنائها."
وتعكس شهادته واقعًا يعيشه كثير من النازحين؛ فكل تحسن في ظروف الإيواء يظل محدودًا أمام فقدان المنزل بكل ما يمثله من استقرار وخصوصية وذكريات.

وفي الجانب الرسمي، يقول وزير الأشغال العامة والإسكان، المهندس عاهد بسيسو، إن الوزارة بدأت استبدال عدد من الخيام المتضررة بوحدات إيواء من الفيبر جلاس المقوى (RHU)، نظرًا لقدرتها الأكبر على مقاومة الظروف الجوية مقارنة بالخيام التقليدية.
ويضيف أن الوزارة أنشأت حتى الآن نحو 15 مركزًا تضم قرابة 1700 عائلة نازحة، فيما يجري اختيار المستفيدين وفق معايير تستهدف الأسر الأكثر احتياجًا، وفي مقدمتها العائلات التي تعيلها نساء، والأسر التي دمرت منازلها بالكامل.
لكن هذه الأرقام تكشف جانبًا آخر من الأزمة. ففي مقابل آلاف الأسر التي حصلت على هذه الوحدات، ما تزال أعداد كبيرة من النازحين تقيم في خيام قماشية، أو تنتظر دورها للحصول على مأوى أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات الطقس.
ومن بين هؤلاء سفيان حبوش (60 عامًا)، الذي دُمّر منزله بالكامل في حي تل الهوى غرب مدينة غزة، وما يزال ينتظر اتصالًا قد يمنحه فرصة الانتقال إلى وحدة من الفيبر جلاس.
يقول: "منذ أن فقدنا منزلنا ونحن نسمع عن هذه الوحدات، وننتظر أن يصلنا الدور."
لكنه يستدرك سريعًا: "حتى لو حصلنا عليها، فهي ليست بيتًا. لكنها قد توفر علينا معاناة المطر والرياح، وهذا أصبح مهمًا جدًا بعدما طالت سنوات النزوح."
ويضيف: “عندما يفقد الإنسان منزله، تتغير نظرته للأشياء. أحيانًا يصبح أكبر ما يتمناه مكان يحمي أطفاله حتى لو كان خيمة”.

ويرى مهندس المأوى أحمد منصور أن وحدات الفيبر جلاس تمثل تطويرًا واضحًا مقارنة بالخيام القماشية من الناحية الهندسية، إذ تتمتع بهيكل أكثر صلابة، وقدرة أكبر على مقاومة الرياح والأمطار، وتوفر للعائلات قدرًا أعلى من الخصوصية.
لكنه يؤكد أن هذا التحسن لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حلًا لأزمة السكن.
ويقول: "هذه الوحدات صُممت باعتبارها حلولًا انتقالية في حالات الطوارئ، وليست مساكن دائمة. صحيح أنها تخفف جزءًا من معاناة النازحين، لكنها لا تحقق متطلبات السكن اللائق."
ويضيف أن معظم هذه الوحدات لا ترتبط ببنية تحتية متكاملة، إذ تفتقر في كثير من المواقع إلى خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء، كما أن مساحتها المحدودة تجعلها غير مناسبة للإقامة الطويلة، خاصة للعائلات الكبيرة.
ويشدد على أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بنوع الخيمة، وإنما باستمرار اضطرار مئات آلاف الفلسطينيين للعيش في حلول إيواء مؤقتة، في ظل غياب أفق واضح لإعادة إعمار المساكن المدمرة.

ومن منظور حقوقي، لا يُقاس الحق في السكن بوجود سقف يأوي الإنسان فحسب، بل بمجموعة من المعايير التي تضمن له حياة آمنة وكريمة. وتشمل هذه المعايير الحماية من الظروف الجوية، وتوافر المساحة الكافية، وإمكانية الوصول إلى المياه المأمونة، والصرف الصحي، والكهرباء، فضلًا عن الأمان والاستقرار في الإقامة.
ويقول المحامي بلال البكري إن الحق في السكن الملائم حق أصيل كفلته المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما نصت المادة (23) من القانون الأساسي الفلسطيني على أن "المسكن الملائم حق لكل مواطن".
ويضيف أن توفير مأوى مؤقت للأسر النازحة يُعد استجابة إنسانية ضرورية في ظروف النزاع، لكنه لا يُسقط الالتزام القانوني بضمان حقهم في السكن الملائم، باعتباره حقًا لا يقتصر على وجود مكان للإقامة، بل يشمل توافر المقومات الأساسية التي تكفل للإنسان العيش بكرامة وأمان.
ويوضح أن استمرار بقاء الأسر لسنوات في خيام أو وحدات إيواء مؤقتة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، يعكس حجم الفجوة بين واقع النزوح والمعايير التي أقرتها المواثيق الدولية، مؤكدًا ضرورة تكاتف الجهود لإعادة تمكين الفلسطينيين في قطاع غزة من التمتع بحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها السكن والتعليم والصحة.
وفي غزة، لم يتغير شكل المأوى فقط، بل تغيرت أيضًا نظرة الناس إلى معنى البيت. فبعد أن كان المنزل يعني مساحة للحياة والاستقرار والخصوصية، أصبح كثير من النازحين يقيسون الفارق بين خيمة قماشية تتسرب إليها الأمطار، وأخرى أكثر صلابة تصمد أمام الرياح.
لكن هذا التحول لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأساسية؛ فخيمة الفيبر جلاس، مهما كانت أكثر متانة من الخيمة التقليدية، تبقى وحدة إيواء مؤقتة. فهي لا تعيد منزلًا هُدم، ولا تعوض سنوات من الاستقرار فُقدت، ولا توفر في الغالب الخدمات الأساسية التي تجعل السكن صالحًا للحياة، مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي.
إبان الحرب، خفضت الكثير من العائلات سقف أمنياتها؛ فمن انتظار إعادة بناء منازلها، إلى انتظار خيمة توفر حماية أكبر من المطر والحر والرياح. وبينما تخفف وحدات الفيبر جلاس جانبًا من قسوة النزوح، فإنها لا تنهي أزمة السكن، ولا تحقق الحق في السكن اللائق الذي تكفله القوانين والمواثيق الدولية.
ويبقى السؤال الذي يفرضه واقع النزوح الممتد: إلى متى سيظل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية يُقاس بنوع الخيمة، بدلًا من أن يُقاس بحق الإنسان في العودة إلى منزل آمن يليق بحياته؟