تُحدق لينا صالح (20 عامًا) في شاشة هاتفها لساعات، تتنقل بين مواقع الجامعات والمنصات التعليمية، تراقب إعلانات المنح الدراسية على أمل أن تعثر على فرصة تحملها إلى مقعد جامعي طال انتظاره. وما إن تجد منحة تناسب طموحها، حتى تصطدم بالشرط ذاته الذي يتكرر في معظمها: الحصول على شهادة "IELTS" التي تثبت إتقان اللغة الإنجليزية، وتُعد بوابة أساسية للقبول في العديد من الجامعات. وبصفتها طالبة تسعى للالتحاق بمرحلة البكالوريوس، حاولت تجاوز هذا الشرط، إلا أن جميع محاولاتها انتهت بالرفض، لتبقى أحلامها معلقة أمام شرط لا تستطيع تحقيقه.
كل ما تفعله صالح الآن، بعد يأسها من الحصول على منحة دراسية، هو تعلم اللغة الإنجليزية والتأهل لتقديم اختبار "الآيلتس" عبر "يوتيوب"؛ نظراً لأن إمكاناتها المالية لا تسمح لها بدفع أقساط مراكز تعلم اللغة في غزة. لكن المعضلة الأساسية تكمن في عدم وجود أي مراكز داخل القطاع تقدم الاختبار.
تقول بأسى: "سألت كثيرًا عن مكان تقديم اختبار الآيلتس في غزة، وقيل لي إنه غير موجود، ويمكن تقديمه عبر الإنترنت. لم أستوعب كيف لا يكون هذا الاختبار متوفرًا، خاصة مع وجود فئة كبيرة من الطلبة الراغبين في أدائه، فاضطررت لدراسة البكالوريوس في غزة، وأحاول تأهيل نفسي للآيلتس بمفردي عبر التطوير الذاتي، لعل وعسى يُفتتح مركز معتمد لتقديمه مستقبلاً".
مسار للمغادرة وعقبة استثنائية
يواجه طلبة قطاع غزة تحديات كبيرة في التقديم للمنح الدراسية، إذ تشترط معظم الجامعات والمؤسسات المانحة اجتياز اختبار "IELTS" (نظام اختبار اللغة الإنجليزية الدولي)، وهو أحد أبرز متطلبات القبول في برامج البكالوريوس والدراسات العليا، إذ يقيس كفاءة المتقدم عبر أربعة أقسام رئيسية: الاستماع، والقراءة، والكتابة، والمحادثة.
وإضافة إلى صعوبة السفر والظروف التي فرضتها الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، يُحرم آلاف الطلبة من استيفاء هذا الشرط، مما يحدّ من فرصهم في المنافسة على المنح واستكمال مسيرتهم الأكاديمية خارج القطاع. وفي حين تجاوز البعض هذا الشرط بالتنسيق مع الجامعات الدولية وحصدوا المنح، يظلّ آخرون عالقين في غزة بانتظار الحلول.
وفي هذه الظروف، لم تعد المنح الدراسية مجرد فرصة أكاديمية لطلبة غزة، بل تحولت بالنسبة لكثيرين إلى أحد المسارات القليلة المتاحة للمغادرة بصورة قانونية؛ فالحصول على قبول جامعي ومنحة ممولة يتيح للطالب استكمال إجراءات السفر والإجلاء، مع تغطية الرسوم الدراسية ونفقات المعيشة. غير أن هذا الطريق تصطدم بوابته بالكثير من العقبات أهمها عقبة إثبات الكفاءة اللغوية عبر الاختبارات المعتمدة.

الناشطة في مجال متابعة المنح الدولية، سجى حمدان، توضح أنه قبل الأحداث كانت القنصلية البريطانية هي الجهة التي تشرف على اختبار "الآيلتس" في غزة؛ حيث كان يُجرى قسم "المحادثة" من الامتحان في مقرها، وباقي الأقسام في قاعة مُستأجرة بفندق "المشتل" شمال غرب مدينة غزة. وتؤكد أن هذا الخيار لم يعد متاحًا منذ بدء النزاع، مما وضع الطلبة في مأزقٍ كبير.
وتضيف حمدان: "قدمت بعض الجامعات في بريطانيا ودول أخرى تسهيلات للطالب الغزي لإدراكها عدم وجود مراكز اختبار بالقطاع؛ فباتت تطلب بدائل مثل اختبار "دولينغو" الذي يُعقَد عبر الإنترنت، أو عقد مقابلة مباشرة عبر "زوم" لتقييم اللغة، أو الاستعاضة عن ذلك لطلبة الدراسات العليا بشهادة تثبت دراسة البكالوريوس باللغة الإنجليزية للإعفاء من الشرط".
وبعد البحث والاطلاع على موقع المجلس الثقافي البريطاني، إثر تعذر الوصول إلى قسم العلاقات العامة للحصول على إفادة بشأن الخطط المستقبلية المتعلقة بامتحان "IELTS" لطلبة غزة، لوحظ الإعلان التالي: "نود إعلامكم بأن اختبار IELTS Online من المجلس الثقافي البريطاني متاح الآن في الأراضي الفلسطينية في غزة، ويمكنكم حجز موعد للاختبار. يجب على المتقدمين توفر اتصال إنترنت مستقر، وجهاز حاسوب يستوفي المواصفات الفنية، ومكان خاص، وأن يكون العمر 18 عامًا فما فوق مع امتلاك جواز سفر دولي صالح".
تجارب بين الحصار والبدائل
تسعى إيمان أبو زايد (22 عامًا)، وهي كاتبة صحافية باللغة الإنجليزية، إلى تطوير مستواها اللغوي للتقدم إلى وظائف في المنظمات الدولية والمنح الدراسية، لكن إتمام متطلبات اختبار "الآيلتس" تقف عائقًا أمامها.
تقول: "في بداية الحرب كان التسجيل للاختبار متاحاً، لكن تكلفته التي بلغت نحو 400 دولار كانت مرتفعة جداً بالنسبة لي. كما أن الاختبار الإلكتروني ليس حلاً مناسباً لطلبة غزة بسبب ضعف الإنترنت، فالاختبار الوجاهي أكثر ملاءمة لأنه يضمن الأداء في ظروف مستقرة. أخضع الآن لدراسة مستويات باللغة الإنجليزية لتطوير نفسي بانتظار حل المشكلة". وتلفت إلى أنّ الإقبال على تعلم الإنجليزية ازداد بين شباب غزة في محاولة للخروج، لكن غياب الاختبار الوجاهي يبقى العقبة الأكبر.

من جانبه، يقول كرم الرضيع (27 عامًا)، وهو معيد السابق في قسم هندسة الحاسوب بالجامعة الإسلامية وباحث حاليًا في مرحلة الدكتوراه في جامعة مانشستر البريطانية، إنّه مَرَّ بسلسلة من التعقيدات قبل مغادرته غزة في سبتمبر 2025.
يضيف: "لا تعترف الجامعات البريطانية الكبرى بالوثائق الجامعية التي تفيد بالدراسة باللغة الإنجليزية أو باختبار "دولينغو"، وتطلب "آيلتس" أو "توفل" حصرًا مع بعض البدائل".
ويروي لحظات قاسية من تقديمه لامتحان اللغة وهو محاصر في شمال قطاع غزة: "بعد نقاشات، تعاونت معي جامعة مانشستر وأعطتني اختبارات متعددة. لم يكن هناك إنترنت جيد في شمال القطاع، فخاطرت وربطت الشريحة الإلكترونية على سطح المنزل، وجلست للتقديم وسط هالة من التوتر العالي في ظلّ المخاطرة الأمنية لتمركز قوات الاحتلال قبالتي".
ويتابع: "قدمت أول اختبار وهو (VEPT) وكان المطلوب درجة B2+، ونجحت فيه وفي الاختبارات اللاحقة، فأبلغوني بتحويل القبول المشروط إلى قبول غير مشروط".
في المقابل، يشير الرضيع إلى عدم تعاون جامعات أخرى مثل "شيفيلد" و"سانت أندروز" وإصرارها على "الآيلتس". يردف: "لكنني لاحظت مؤخرًا أثناء مساعدتي لبعض الطلبة أن بعض الجامعات، وخاصة الأسكتلندية، تتساهل إذا تجاوز معدل الطالب 85% مع وجود وثيقة دراسة بالإنجليزية، بينما تتطلب إنجلترا إلحاحًا أكبر لقبول الاختبارات الإلكترونية".

حلول فردية واستثناءات
أما أماني أحمد (28 عامًا)، فكانت اللغة الإنجليزية عائقًا أمام حصولها على القبول غير المشروط في جامعة "جولدسميث" بلندن، بسبب انتهاء صلاحية نتيجة اختبار "الآيلتس" التي بحوزتها.
تنظر إلى رسالة قبولها، وتقول: "حُلّت المشكلة بإجراء مقابلة مع قسم اللغات في الجامعة لتقييم مستواي وتجاوزتها. خلال تلك الفترة لم يكن لدي إنترنت في مكان سكنى، فكنت أقطع مسافات طويلة باستمرار للوصول للشبكة، وكانت الرسائل تتضمن إعطائي بدائل لعدم وجود مراكز بالقطاع".
تدرس أماني الآن ماجستير حقوق الإنسان والثقافة والعدالة الاجتماعية وستنهي دراستها خلال شهر، علمًا أنها حصدت قبولات في ثلاث منح بالمملكة المتحدة وأخرى بمعهد الدوحة للدراسات العليا.
وفي تجربة أخرى، توضح دانا حمدان (21 عامًا)، طالبة البكالوريوس في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة "كينجز كولج لندن"، أن الجامعة كانت تشترط الحصول حصرًا على "الآيلتس" أو "التوفل"، وهو ما كان شبه مستحيل.
تقول دانا: "يتطلب الآيلتس إنترنت عالياً ومستمراً لمدة 3 ساعات دون انقطاع وهدوءًا تامًا، وهي شروط مفقودة. بعد محاولات إقناع طويلة، قبلت الجامعة باختبار (Oxford ELLT) الذي يتطلب إنترنت أقل سرعة ويمنح مهلة 5 دقائق للعودة في حال الانقطاع. اضطررت لإعادته أكثر من مرة بسبب الضوضاء، ونجحت في النهاية".
بدوره، واجه محمد حمد (33 عامًا)، وهو مدرس لغة إنجليزية سابق في مدارس وكالة غوث اللاجئين "الأونروا"، عقبة من نوع آخر رغم تخصصه. يقول: "قدمت لعدد من الجامعات وجميعها طلبت إثبات اللغة. حاولت التقدم للاختبار عبر الإنترنت، لكن كان يُشترط وجود جواز السفر الأصلي، بينما كان جوازي في مصر ولم أستطع استعادته بسبب ظروف النزاع. تواصلت مع الجامعات والمجلس الثقافي البريطاني دون جدوى، حتى تجاوبت معي جامعة "غلاسكو" واقترحت اختبار (Oxford ELLT)".
خضع حمد لتدريب استمر شهرًا قبل أداء الاختبار، وحصل على درجة تعادل 7 من 9 في "الآيلتس"؛ مما أهله للقبول غير المشروط.
رؤية أكاديمية وموقف حقوقي
يرى الناشط في مجال المنح الطلابية، محمد مهدي أن الحصول على امتحان "الآيلتس" يُمثل عقبة كبرى لطلبة البكالوريوس مقارنة بطلبة الدراسات العليا، مشيراً إلى أن المنح تشترط وجوده لتقييم الملف، ويسقط الطلب تلقائيًا إذا لم يُرفق.
ويوضح أن طلبة البكالوريوس يدخلون دوامة المراكز غير المعتمدة بحجة إعدادهم للاختبار غير المتاح وجاهيًا، لافتًا إلى أن عدد المتقدمين لكل منحة ينحصر بين 3000 و9000 طالب.

كما حاولت مراسلة آخر قصة التواصل مع وزارة التربية والتعليم العالي للتعرف على خططها للتشبيك مع المجلس البريطاني لعودة اختبار الآيلتس بشكل وجاهي والحصول على أعداد للحاصلين على شهادته خلال الأعوام الماضية، لكن لم تتلقَ أي ردّ.
من الناحية الحقوقية، يوضح المحامي حماد ضهير أن المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تؤكدان أن التعليم حق أساسي، وأن التعليم العالي يجب أن يتوفر للجميع على أساس الكفاءة. كما تلتزم الجهات المعنية بموجب اتفاقية "اليونسكو" لمناهضة التمييز في التعليم بضمان عدم فرض شروط تؤدي لاستبعاد الطلاب بسبب ظروف قهرية.
ودعا ضهير الجامعات والمؤسسات المانحة إلى اتخاذ تدابير استثنائية، كقبول البدائل، أو تنظيم اختبارات إلكترونية ومراكز خاصة، أو منح إعفاءات مؤقتة؛ كي لا يتحول هذا الشرط إلى عقوبة جماعية تحرم الطلاب من حقهم الأكاديمي.
في ظل غياب مراكز معتمدة لإجراء اختبار "الآيلتس" داخل قطاع غزة، يتحول أحد متطلبات القبول الجامعي الاعتيادية إلى عائق استثنائي أمام آلاف الطلبة الساعين إلى المنح والدراسة خارج القطاع. وبين جامعات تقبل بدائل مرنة وأخرى تتمسك بالاختبار، تتفاوت فرص الطلبة تبعًا لسياسات المؤسسات التعليمية أكثر من تفاوتها في كفاءتهم، فيما يبقى الوصول إلى فرصة متكافئة لإثبات إتقان اللغة تحديًا لم تُوجد له حتى الآن معالجة مؤسسية شاملة.