قضم الطفل لؤي سكر (4 أعوام ونصف) شريحة كبيرة من البطيخ بقشرها. ظل يمضغها بانزعاج قبل أن تلاحظ والدته القشر ظاهرًا في فمه، فسارعت إلى دفعه لبصق ما أكله. لم يتعرف الطفل إلى البطيخ من قبل؛ فقد كان يبلغ عام ونصف العام عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، ومنذ ذلك الوقت اختفت الفواكه والخضروات وكثير من الأطعمة من حياته حتى غدت مجهولة بالنسبة إليه.

تكررت المشاهد نفسها مع أطعمة أخرى. أمسك لؤي موزة وقضمها بقشرها قبل أن ينتزعها شقيقه ويقشرها له. كانت تلك أول مرة يتذوق فيها الموز؛ إذ عاش سنواته الأولى بعيدًا عن الفواكه، لذلك صار يتفحص كل ثمرة تقع بين يديه، يتأمل شكلها ويحاول اكتشاف طعمها.

تستعيد والدته سماح تلك اللحظات بابتسامة، وتقول: "اشتريت الفاكهة لأول مرة وصرت أشرح له أسماءها، فلم يكن يعرفها. ونظرًا لأننا نشتريها على فترات متباعدة بسبب ارتفاع أسعارها، كان ينسى أسماءها وطعمها. في أول مرة مع الموز أكله بقشره، وكذلك فعل مع البطيخ. هو أصلًا لا يطلب الفاكهة لأنه لم يعتد عليها".

وتضيف وهي تراقب لؤي يقضم تفاحة: "طفلي لا يميز بين الخوخ والتفاح. في مرة أكل الخوخ وأخبرني أنه تفاح، وبعدها اشتريت التفاح بدلًا من الخوخ لأن ثمنه أقل. أما الخيار والبندورة فيفرح كثيرًا عندما يراهما في البيت ويعتبرهما شيئًا ثمينًا".

لم تسلب المجاعة في غزة الطعام من موائد الأطفال فحسب، وإنما انتزعت أيضًا جزءًا من ذاكرتهم الغذائية. الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب، أو كانوا رضعًا عند اندلاعها، نشأوا في بيئة غابت عنها الخضروات والفواكه وأصناف الغذاء الأساسية. وعندما بدأت بعض هذه الأصناف تعود إلى الأسواق، وقف كثير منهم أمامها بدهشة. بعضهم أكل الفاكهة بقشرها لأنه لا يعرف طريقة تناولها، وآخرون ترددوا في لمسها أو خافوا من شكلها.

ولم يكن هذا التحول وليد غياب الفواكه والخضروات وحده، بل نتيجة أشهر طويلة اعتمدت خلالها آلاف العائلات على وجبات التكايا والمساعدات الغذائية بوصفها المصدر شبه الوحيد للطعام. وغالبًا ما اقتصرت تلك الوجبات على أصناف محدودة تركز على سد الجوع أكثر من توفير غذاء متوازن، في ظل ندرة البروتينات الطازجة والخضروات والفواكه. 

ومع استمرار سوء التغذية وتراجع التنوع الغذائي خلال سنوات التكوين الأولى، نشأ أطفال كثيرون من دون أن تتشكل لديهم الذاكرة الحسية المرتبطة بأشكال الأطعمة وروائحها ومذاقاتها، فأصبح التعرف إلى ثمرة موز أو بطيخة أو دجاجة كاملة تجربة جديدة يكتشفونها للمرة الأولى، لا استعادة لذكرى قديمة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن التحسن الذي طرأ على الأمن الغذائي يبقى هشًا، فيما لا تزال الحصص الغذائية تفتقر إلى الكمية الكافية والتنوع الغذائي، ويظل معظم السكان معتمدين على المساعدات الإنسانية بعد انهيار مصادر رزقهم وإنتاجهم الغذائي.

الطفلة غزل البابا "4 أعوام"، تحمل التجربة ذاتها، إذ تشعر بالخوف من شكل الدجاج. وعندما بدأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" توزيع الدجاج تدريجيًا، بكت فور رؤيتها دجاجة كبيرة الحجم، وركضت لتختبئ خلف والدتها بينما كان أبناء خالها يحتفلون ويلتقطون الصور معها.

تقول والدتها ساجدة: "بكت عندما وضعوا الدجاجة، التي ستكفي ستة أفراد، بين يديها، ثم ركضت إلى الحمام تغسل يديها بعنف. وحتى اليوم ما زالت تخاف من شكل الدجاج، رغم أنها اعتادت عليه لاحقًا وأصبحت تأكله. أما الفواكه، فهي تُفضل الموز، لكنها أكلته أول مرة بقشره".

قبل النزاع، كانت غزة تنتج أكثر من 25 نوعًا من الفواكه والخضروات، وتحقق اكتفاءً ذاتيًا من كثير منها، بينما كانت أصناف أخرى تُصدَّر إلى الخارج. اليوم، أدى تدمير الأراضي الزراعية إلى تراجع الإنتاج، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار بنسبة 53%، وانخفاض القدرة الشرائية بأكثر من 70%، ووصول معدلات الفقر إلى 100%.

أصبح شراء كيلوغرام واحد من الفاكهة أو الخضروات عبئًا ثقيلًا على كثير من العائلات. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأغذية الغنية بالبروتينات والعناصر الغذائية تحولت إلى سلع باهظة الكلفة، وأن نحو 79% من الأسر غير قادرة على شرائها. كما لا يحصل الأطفال على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، ويعاني ثلثا الأطفال من الفقر الغذائي الشديد.

ويترك نقص التنوع الغذائي آثارًا تمتد إلى نمو الأطفال الجسدي والعقلي، وتطور حواسهم وإدراكهم للأطعمة المختلفة، خلال مرحلة تُعد الأكثر أهمية في تشكيل عاداتهم الغذائية.

وسجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعًا شهريًا غير مسبوق بلغ 37.92%. وأصبحت الأولوية للمواد الغذائية الأساسية. ووفق بيانات وزارة الزراعة عام 2023، بلغ سعر كيلو البندورة شيكلين، والبطاطا 2.5 شيكل، بينما تراوحت أسعارهما عام 2026 بين 10 و15 شيكلًا، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين الأسعار وقدرة السكان على الشراء.

تحاول إسراء معين أن تعيد تعريف طفليها، براء وشام، بالأطعمة التي بدت لهما غريبة. كانت ابنتها تبلغ عامًا واحدًا قبل الحرب، ثم أنجبت طفلها الثاني بعد اندلاعها، لذلك تعرّف الاثنان إلى كثير من الفواكه عبر الصور قبل أن يشاهداها في الأسواق. ومع عودة بعض الأصناف، بدأت تحفظهما أسماء الفواكه والخضروات ليميزا بينها.

تقول وهي تمسك لعبة على شكل تفاحة: "اشتريت مجموعة فواكه بلاستيكية حتى أعرّف صغاري إليها، فحفظوا أسماءها. وعندما ظهرت في الأسواق صاروا يرددون أسماء الفواكه التي يشاهدونها في الشارع، ثم اشتريتها لهم ليتذوقوها. مثل كثير من الأطفال، أكل أطفالي الفاكهة بقشورها، وخصوصًا الأصغر براء، كما انزعج من شكل بعض الأصناف مثل البطيخ".

وتروي ولاء أحمد واقعة مماثلة مع ابنتها تولين، التي كانت في الثالثة من عمرها عند اندلاع الأحداث. كانت تحب الموز كثيرًا، لكنها نسيت طريقة تناوله. وعندما رأته مجددًا، قالت بحماس: "موز"، ثم حملته إلى المغسلة وغسلته، فضحك أشقاؤها وأخبروها أن كل ما تحتاجه هو تقشيره.

تقول ولاء: "ابنتي تسألني عن أسماء الفواكه لأنها نسيتها خلال الحرب. وعندما عادت إلى الأسواق، أصبحت أشتري لكل واحد حبة واحدة فقط، لأن ميزانيتنا لا تسمح بأكثر من كيلو واحد للعائلة. أكلت تولين الموز بقشره بعد أن غسلته، وأكلت العنب ببذوره لأنها اعتقدت أنه يؤكل بهذه الطريقة، وكذلك البطيخ بقشره. اليوم تحب كل أنواع الفواكه بعد أن كانت تستغربها وترفضها، لكن توفيرها يحتاج إلى ميزانية كبيرة، لذلك أشتري في كل مرة نوعًا واحدًا".

تعكس هذه الوقائع حجم الحرمان الذي عاشه الأطفال، بعدما فقدوا خبرات يفترض أن ترافق سنواتهم الأولى. وتوضح المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن التعرف إلى الأطعمة المختلفة وألوانها وروائحها ومذاقاتها يمثل جزءًا أساسيًا من النمو المعرفي والحسي في الطفولة.

وتقول المختصة أبو عيطة: "يمتد تأثير هذا الحرمان إلى النمو المعرفي والحسي، لأن التعرف إلى الأطعمة المختلفة وألوانها وروائحها ومذاقاتها جزء من عملية التعلم الطبيعية. غياب هذه الخبرات قد يقلل فضول الأطفال للاستكشاف ويجعلهم أكثر ترددًا في تجربة أطعمة جديدة".

وترى أن دهشة الأطفال أمام الفواكه أو الأطعمة لم تعد مشهدًا طريفًا، وإنما تحولت إلى مؤشر إنساني ونفسي يكشف عمق الأزمة التي يعيشونها، بعدما فقدوا حقهم في الغذاء المتوازن وفي طفولة طبيعية. وتدعو الأمهات إلى احتضان أطفالهن وشرح ما يجهلونه من الأطعمة بهدوء، مع تقبل ردود أفعالهم دون تذمر.

أصبحت دهشة الأطفال في غزة أمام موزة أو شريحة بطيخ دليلًا على طفولة انقطعت عن أبسط تفاصيل الحياة. يكبر جيل كامل وهو يكتشف الطعام بعد سنوات من غيابه، فيما تحاول الأمهات بناء ذاكرة غذائية جديدة ببطء، ويبقى السؤال مفتوحًا: كم يحتاج طفل ليستعيد طفولته بعد أن فقد طعم التفاحة، ورائحة الموز، ومذاق البطيخ والخوخ، ودهشة التذوق الأولى؟