سبعة أيام فقط كانت كل ما استطاع أحمد إسماعيل (29 عامًا) أن يمنحه لبداية حياته الزوجية. الشقة الصغيرة التي استأجرها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، لم تكن سوى محطة مؤقتة، يعرف هو وزوجته منذ دخولهما إليها أن موعد مغادرتها محدد سلفًا. رتّبا ما تيسّر من احتياجاتهما، وحاولا أن يصنعا لأنفسهما بداية تشبه ما حلم به كل عروسين، فيما ظلّ اليوم الأخير من عقد الإيجار حاضرًا في تفاصيل المكان منذ اللحظة الأولى.
ولم تأتِ تجربة إسماعيل من فراغ، إذ تكشف أزمة السكن التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية الحالية التي اندلعت في أكتوبر 2023 عن واقع جديد في قطاع غزة، حيث أصبح بعض الأزواج الجدد يستأجرون شققًا لأيام أو أسابيع، بعدما ضاقت الخيارات وارتفعت الإيجارات إلى مستويات تفوق قدرة كثيرين.
ووفق تقرير "التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة" الصادر عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026، استحوذ قطاع الإسكان على نحو 51% من إجمالي الخسائر المادية، فيما تضررت 76.6% من الوحدات السكنية، أي ما يقارب 371,888 منزلًا، ودُمّر 84.6% من هذه الوحدات المتضررة تدميرًا كاملًا.
وتعرضت مساحات تتراوح بين 120 و187 كيلومترًا مربعًا من أصل مساحة القطاع البالغة نحو 365 كيلومترًا مربعًا لدمار واسع أو أصبحت خارج نطاق الاستخدام، مع تركز كبير للخسائر في محافظات غزة والشمال، إلى جانب رفح وخان يونس.
وسط هذا الواقع، وجد إسماعيل نفسه يوقّع عقد إيجار لأسبوع واحد فقط. يستعيد تلك الأيام قائلًا: "كنت أحلم بأن تكون بداية حياتي الزوجية في منزل خاص بي، لكن الظروف لم تسمح بذلك. استأجرت الشقة لمدة أسبوع فقط، لأن أسعار الإيجارات أصبحت مرتفعة، ولم أكن قادرًا على تحمّل تكاليف شهر كامل أو أكثر."
ويضيف: "خلال الأيام السبعة حاولنا أن نعيش لحظاتنا الأولى كأي زوجين، لكن فكرة أننا سنغادر بعد انتهاء المدة كانت تلاحقنا دائمًا. كنا نعرف أن هذه الشقة ليست بيتنا، وأن علينا البحث عن مكان آخر بعد انتهاء الأسبوع."
وحين انتهت الأيام السبعة، انتهى معها عقد الإيجار أيضًا، لتبدأ رحلة أخرى لم تكن ضمن تصورات الزوجين عند التخطيط لزواجهما. يتابع: “لم يكن الانتقال إلى الخيمة ما خططنا له بعد الزواج، لكن عدم توفر السكن المناسب وارتفاع تكاليف الإيجار لم يتركا أمامنا خيارات كثيرة”.

لم تكن تجربة أحمد إسماعيل وعروسه حالة فردية، وإنما واحدة من صور التحول الذي أصاب سوق السكن في قطاع غزة خلال سنوات الحرب. فبينما كان استئجار شقة يعني، بالنسبة إلى كثير من الأزواج، بداية للاستقرار، أصبح بعض العرسان اليوم يكتفون بأيام أو أسابيع، بوصفها المدة الوحيدة التي تسمح بها قدرتهم المالية في ظل تقلص المعروض من المساكن وارتفاع الإيجارات.
في ظلّ هذه الظروف، وجد ناهض محمد (35 عامًا) وعروسه آيات نفسيهما أمام معادلة مختلفة؛ فالحصول على شقة لم يعد يعني امتلاك مكان لبدء الحياة الزوجية، وإنما شراء فرصة قصيرة لعيش أيامها الأولى.
دفع الزوجان 500 دولار لاستئجار شقة سكنية في المحافظة الوسطى لمدة أسبوعين فقط، في محاولة لانتزاع مساحة من الخصوصية قبل العودة إلى واقع النزوح، وهو مبلغ كبير جدًا لقاء إيجار يومي.
يستعيد الزوج تلك البداية قائلًا: “بعد ثلاث سنوات من الخطوبة كان التحدي المالي باهظًا في ظل الظروف الصعبة؛ فدفع 500 دولار مقابل أيام معدودة استنزف جزءًا كبيرًا من ميزانية الزفاف، لكننا لم نملك خيارًا آخر. أردنا فقط مساحة من الخصوصية والهدوء في بداية حياتنا الزوجية”.
يتابع: “الشعور بأنك تدفع ثمنًا مرتفعًا مقابل وقت مؤقت، وأنت تعرف مسبقًا أنك ستغادر المكان بعد أسبوعين، يضعك تحت ضغط نفسي كبير”.

أما آيات، فتستحضر تلك الأيام بوصفها بداية لم تشبه ما تخيلته طويلًا. تقول: "كانت الفرحة ممزوجة بالقلق؛ فبدلًا من الانشغال بتفاصيل بيت العمر، كان التفكير يرافقني حول موعد حزم الحقائب والمغادرة بعد انتهاء الأيام المحددة."
وتضيف: "وجدنا أنفسنا نعيش تجربة مؤقتة؛ نستأجر مكانًا يشبه البيت لفترة قصيرة، قبل العودة إلى واقع النزوح والبحث عن حل جديد."
غير أن أزمة السكن لم تدفع جميع الشباب إلى البحث عن حلول مؤقتة، إذ دفعت آخرين إلى تأجيل الزواج من أساسه. أسامة اللداوي (23 عامًا) واحد من هؤلاء. فبعدما بدأ يستعد للزواج، وجد أن توفير مسكن مناسب أصبح العقبة الأكبر أمام إتمام الخطوة التي خطط لها.
يروي: "كنت أخطط للزواج، لكن السكن أصبح أكبر عائق أمامي. لا أريد أن أبدأ حياتي الزوجية في مكان غير مستقر أو أن أحمّل نفسي وزوجتي ظروفًا أصعب من قدرتنا على التحمل."
قبل الحرب كان التفكير في الزواج يرتبط بتجهيز البيت والاحتياجات الأساسية، أما اليوم فأصبح السؤال الأول للعروسين: أين سنعيش؟ وهل نستطيع تحمّل تكلفة الإيجار؟
كما يرى أن استمرار أزمة السكن غيّر خطط كثير من الشباب، ويقول: “هناك شباب كثيرون يرغبون بالزواج، لكن الظروف الحالية تجعل الأمر مؤجلًا إلى حين توفر فرصة للاستقرار”.

وسط هذا المشهد، لم يتغير حجم الطلب على السكن فحسب، وإنما تغيرت طبيعته أيضًا، إذ يراقب العامل في القطاع العقاري محمد عرفات هذا التحول منذ أشهر، ويقول إن السوق لم يعد يعرف نمط الإيجار الذي كان سائدًا قبل الحرب.
ويوضح: "الطلب لم يعد يتركز على الإيجار الشهري، وإنما ظهرت فئة تبحث عن شقق لأيام أو أسابيع، خصوصًا من العرسان الجدد الذين يريدون مساحة خاصة في بداية حياتهم الزوجية."
ويضيف أن نقص الشقق الصالحة للسكن، بالتوازي مع تزايد أعداد الباحثين عنها، دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، حتى أصبح كثير من الشباب يعجزون عن الالتزام بإيجار طويل الأمد، فاتجهوا إلى حلول مؤقتة فرضتها ظروف السوق أكثر مما فرضتها رغباتهم.
وما يرصده الوسط العقاري يفسره الاقتصادي أحمد أبو قمر بوصفه نتيجة مباشرة لاختلال غير مسبوق بين العرض والطلب. إذ يفيد أنّ هناك عدد كبير جدًا من الوحدات السكنية المدمرة، وهو أدى إلى زيادة الطلب على سوق الإيجار بشكل كبير، وهو ما يفسر الارتفاع الحاد في الأسعار، إذ أصبحنا نسمع عن إيجارات تصل إلى 1500 و2000 شيكل شهريًا، وربما أكثر.
ويرى المختص الاقتصادي أن انتشار الإيجار لفترات قصيرة يرتبط بعاملين رئيسيين؛ أولهما ارتفاع قيمة الإيجارات الشهرية مقارنة بقدرة المواطنين على الدفع، ما دفع بعضهم إلى تقسيم الكلفة على أسابيع أو أيام، رغم أن التكلفة النهائية قد تكون متقاربة.
أما العامل الثاني، فيرتبط باستمرار حالة عدم الاستقرار، إذ يوضح: "في ظل احتمالات الإخلاء أو النزوح من منطقة إلى أخرى، لا يرغب كثير من الناس في الارتباط بعقود طويلة، لأنهم لا يعرفون أين سيكونون بعد أسابيع أو أشهر."
ويشير إلى أن اتساع الفجوة بين الدخول وأسعار الإيجارات جعل السكن نفسه خارج متناول شريحة واسعة من السكان، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قرارات الزواج وتكوين الأسر.
ومع انتقال أزمة السكن من السوق إلى تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد آثارها تُقاس بقيمة الإيجارات وحدها، وإنما بما تتركه من أثر على شكل البدايات التي يحاول الشباب صناعتها.
وترى المختصة الاجتماعية عبير الدهشان أن غياب المسكن المستقر أصبح عاملًا مؤثرًا في قرارات الشباب المتعلقة بالزواج وتكوين الأسرة، موضحة أن السكن لا يمثل مجرد مكان للإقامة، وإنما شعورًا بالأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي.
بالإضافة إلى أنّ اضطرار بعض الأزواج الجدد إلى بدء حياتهم في شقق مؤقتة، أو الانتقال منها سريعًا إلى الخيام أو أماكن نزوح أخرى، وفق الدهشان، يفرض عليهم ضغوطًا إضافية في مرحلة يُفترض أن تكون بداية لتكوين أسرة مستقرة، ويجعل القلق بشأن المستقبل حاضرًا منذ الأيام الأولى للزواج.
في غزة، لم يعد بعض العرسان يستأجرون منزلًا ليبدؤوا فيه حياتهم الزوجية، وإنما يستأجرون أيامًا قليلة من الاستقرار قبل أن يعيدهم الواقع إلى رحلة البحث عن مأوى جديد. وهكذا، لم تعد عقود الإيجار تُقاس بطول مدتها فقط، وإنما بقدرتها على منح أصحابها بداية مؤقتة في مدينة ما زال البيت فيها، بالنسبة لكثيرين، احتمالًا مؤجلًا أكثر منه واقعًا قائمًا.