وقف محمود بلال أمام المحكمة الشرعية في حي النصر غرب مدينة غزة، يساوم بائع نعناع صغيرًا على خمسة شواكل نقدًا. لم يكن يبحث عن شراء شيء، بل عن عملة ورقية صغيرة تسمح له بإنجاز معاملة رسمية.
قال للصغير: "خذ 10 شواكل عبر التطبيق البنكي، وأعطني 5 شواكل كاش". وحين لم يتلقَّ ردًا، حاول إغرائه أكثر: "سأعطيك ضعفها، لكن عبر التطبيق".
وافق البائع، لكن بشروطه. أعطى محمود الخمسة شواكل نقدًا، على أن يحول له قيمتها إلكترونيًا، ويشتري منه نعناعًا بخمسة شواكل إضافية. أُنجزت الصفقة، وعاد محمود إلى المحكمة، بعدما أمضى وقتًا تحت حرارة الشمس لإتمام التحويل، حاملاً القطع النقدية التي وصفها بأنها "أنقذته" من تعطيل معاملته.
أخذ يقلب الشواكل بين يديه قبل أن يقول: "هذه الشواكل كنز مفقود، نجدها بصعوبة. جئت للمحكمة لاستخراج ورقة رسمية، فُطلب مني دفع 5 شواكل نقدًا. المبلغ قليل جدًا، لكن في ظل أزمة الفكة توفيره صعب. حاولت أن أدفع إلكترونيًا، لكن قيل لي إن آلية الدفع الإلكتروني غير مطبقة في المحكمة".
ويضيف: "أعتبر نفسي محظوظًا لأنني وجدت بائع النعناع الذي أنقذني من ورطة مؤكدة بسبب الفكة. كثيرون غيري تعطلت معاملاتهم واضطروا لتأجيلها ليوم آخر حتى يوفروا المال نقدًا".
قصة بلال ليست استثناءً، بل تعكس أزمة أوسع فرضتها الحرب على الحياة اليومية في غزة. فالأضرار الواسعة التي أصابت القطاع المصرفي قلّصت وصول المواطنين إلى النقد الورقي، بينما توسع الاعتماد على المحافظ الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمية كبديل لتحويل الأموال والحصول عليها.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معظم فروع المصارف في القطاع أصبحت خارج الخدمة، فيما تجاوز عدد مستخدمي المحافظ الإلكترونية في غزة مئات الآلاف. ومع ذلك، لم يُلغِ هذا التحول الحاجة إلى النقد الورقي في المعاملات اليومية والرسمية.
داخل محاكم غزة، يجد المواطنون الذين يراجعون المحكمة الشرعية لإنجاز معاملاتهم أنفسهم أمام معضلة متكررة: الرسوم تُحصّل نقدًا فقط، من دون إتاحة خيار الدفع الإلكتروني. وفي وقت أصبحت فيه غالبية المعاملات الرسمية وغير الرسمية تُنجز عبر التطبيقات والمحافظ الرقمية، تحولت الفئات النقدية الصغيرة إلى عبء يومي، يدفع كثيرين إلى خسارة مبالغ إضافية فقط للحصول على "الفكة" المطلوبة.
ومع تراجع قدرة المصارف وأجهزة الصراف الآلي على العمل، لم تعد الأزمة تقتصر على المبالغ الكبيرة، بل امتدت إلى أصغر الفئات النقدية. وفي سوق يعاني من شح السيولة، بات النقد الورقي سلعة بحد ذاته، واضطر بعض المواطنين إلى دفع عمولات مرتفعة للحصول على أموالهم نقدًا من أرصدتهم الإلكترونية، وصلت في بعض الحالات إلى نحو 40% من قيمة المبلغ.
عندما توجهت نداء عبد الرحمن إلى المحكمة في منطقة السرايا وسط مدينة غزة لتغيير حالتها الاجتماعية في البطاقة الشخصية، لم تكن تتوقع أن تتوقف معاملتها عند طريقة الدفع.
تقول وهي تنظر إلى خانة الهوية التي تغيرت من "عزباء" إلى "متزوجة": "أخبروني يومها أن تكلفة التغيير ستكون 15 شيكلًا. عاد والدي في اليوم التالي بعدما استبدل النقود في البقالة الصغيرة المجاورة لمنزلنا للحصول على الفكة، لكنه فوجئ بأن المبلغ المطلوب 30 شيكلًا لأنني متزوجة من جنسية أخرى، وهذا يكلف أكثر. عاد إلى المنزل مرة ثانية، ثم اضطر للعودة في يوم لاحق بعد أن تمكن من تدبير النصف الآخر من المبلغ".
وعلى درج المحكمة الشرعية، جلست الأرملة هناء عليان تنتظر وصول ابن شقيقها حاملاً خمسة شواكل، حتى تتمكن من إنهاء معاملة تحتاجها لتقديمها إلى دائرة التأمين والمعاشات، حفاظًا على انتظام راتبها.
تقول: "لم أكن أعرف أن الدفع هنا بالكاش. أتيت ومعي 50 شيكلًا، لكن الموظف رفض أخذها لأنه لا توجد فكة. لم يكن أمامي سوى الاتصال بابن شقيقي، الذي استعار خمسة شواكل من صديق لديه دكان صغير، ثم حوّل قيمتها له عبر المحفظة الإلكترونية".
ثم تتساءل وهي تنظر نحو المحاسب الجالس خلف مكتب متهالك: "لماذا لا يتم التعامل بالدفع الإلكتروني؟ سيكون أسهل علينا وعليهم أيضًا، خصوصًا أن أبسط المعاملات اليوم تتم دون الحاجة إلى حمل المال. لماذا لا تتخذ محاكم غزة إجراءات تخفف عن المواطن؟ وهل توجد خطط بعد الشكاوى التي وصلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟".
الواقع نفسه يواجهه محامون أيضًا، إذ يرى المحامي محمد المصري، أن استمرار اعتماد الدفع النقدي في المحاكم الشرعية والنظامية يعطل سير العمل ويتسبب في تأخير معاملات المحامين وموكليهم.
ويقول: "اعترضنا وأبلغنا الجهات المختصة استياءنا من سياسة الدفع النقدي، وطالبنا بالانتقال إلى آلية الدفع الإلكتروني لأنها أسهل للمواطن وللمحامين. تلقينا وعودًا بحل الأزمة، لكنها لم تُنفذ حتى الآن".

تكشف هذه الشهادات عن فجوة واضحة بين واقع مالي تبدل بفعل الحرب، وبين استمرار بعض المؤسسات الرسمية في الاعتماد على النقد الورقي. ففي الوقت الذي أصبحت فيه المحافظ الإلكترونية وسيلة رئيسية لتحويل الأموال بين المواطنين، بقيت بعض الرسوم الحكومية مرتبطة بوجود النقود الورقية، وهو ما يضيف أعباءً جديدة على المراجعين.
ويأتي استمرار الاعتماد على الدفع النقدي في محاكم غزة، رغم أن مجلس القضاء الأعلى وسلطة النقد الفلسطينية أطلقا عام 2024 مشروعًا لربط المحاكم بمنظومة الدفع الإلكتروني الوطنية (E-SADAD)، التي تتيح تسديد الرسوم القضائية إلكترونيًا، إلا أن الظروف الاستثنائية في غزة حالت دون الاستفادة منها.
وتفيد الإحصاءات بأن المحاكم في غزة أنجزت نحو 82,126 معاملة، شملت معاملات الزواج والطلاق، وإثبات العزوبية والترمل، ومعاملات الوفاة.
ويقول رئيس المجلس الأعلى للقضاء، حسن الجوجو، إن المحاكم في غزة تواصل عملها رغم الظروف الاستثنائية، إذ أُعيد افتتاح تسع محاكم من أصل عشر، فيما لم يتوقف القضاء حتى خلال فترات إغلاق المقار، حيث استمرت المعاملات الأساسية، مثل الزواج والطلاق وغيرها من معاملات المواطنين.
لكنه يقر بأن المحاكم تعمل بإمكانات محدودة، إذ لا يتوفر في كل محكمة سوى جهاز حاسوب واحد، إلى جانب الانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص المطبوعات ومستلزمات العمل الأساسية، وهي تحديات، بحسب قوله، تجعل الأولوية لاستمرار تقديم الخدمة أكثر من تطويرها.
وعند سؤاله عن الخدمات التطويرية الخاصة بعمل المحاكم الشرعية والنظامية والخطط المزمع تنفيذها، أكد أنه لا يوجد في الوقت الحالي أي أفق لخطط جديدة بسبب الوضع الراهن، وأن أي تطوير سيبقى مرتبطًا بالوضع السياسي وما سيجري على الأرض.

ورداً على تساؤلات المواطنين، يقول يوسف الشنطي، مدير عام المحاكم، إن العمل جارٍ للوصول إلى حل يتعلق بأزمة الدفع النقدي، عبر تفعيل آلية الدفع الإلكتروني. ويوضح أنه جرى تقديم مقترح للجهة المختصة يقضي بالعمل بنظام الدمغة الإلكترونية من خلال كتبة العرائض في المحاكم، بحيث يتم الدفع إلكترونيًا لديهم لمرة واحدة، بما يسهم في إنهاء الأزمة.
ويرد الشنطي أيضًا على الاتهامات المتعلقة برفع رسوم بعض المعاملات، مثل الزواج والطلاق، مؤكدًا أن ما حدث ليس زيادة جديدة، بل عودة إلى الرسوم المعمول بها قبل الحرب. ويشرح أن رسوم الزواج والطلاق كانت تبلغ 300 شيكل قبل الحرب، ثم خُفضت أثناء الحرب إلى 50 شيكلًا للزواج و5 شواكل للطلاق، قبل أن يُتخذ قرار بالعودة إلى النظام السابق بعد شكاوى تفيد بأن انخفاض رسوم الطلاق شجع بعض الأزواج على استسهال إنهاء الزواج.
ويضيف أن جزءًا من الرسوم المحصلة يذهب إلى صندوق النفقة، إذ يُخصص من كل معاملة زواج أو طلاق مبلغ 28 شيكلًا لدعم النساء، بناءً على طلب مؤسسات المجتمع المدني، ويتولى الصندوق صرف النفقات المستحقة ومتابعة تنفيذ الأحكام بحق المحكوم عليهم.
ومن زاوية قانونية، يرى المحامي حماد ضهير أن استمرار التحصيل النقدي يرتبط بعدم وجود حسابات بنكية للحكومة العاملة في غزة في الوقت الحالي، ما يجعل الدفع النقدي الخيار المعتمد. لكنه يشدد على أن الحق في الوصول إلى العدالة مكفول قانونًا، وأنه لا يجوز فرض عوائق مالية غير مبررة أمام التقاضي أو الإخلال بمبدأ المساواة في الانتفاع بالمرافق العامة.
ويضيف أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل أعباء إضافية لا يقررها القانون، وأن الرسوم العامة لا تُفرض ولا تُحصّل إلا وفقًا لأحكامه، وبالتالي فإن أي تكلفة إضافية يتحملها المواطن عمليًا بسبب آلية التحصيل يجب أن تستند إلى مسوغ قانوني، مع ضرورة البحث عن حلول للعقبات التي تعترض المواطنين.
وبين محفظة إلكترونية تكاد تُستخدم في كل تفاصيل الحياة اليومية، ورسوم رسمية لا تزال تشترط ورقة نقدية صغيرة، تتحول خمسة شواكل إلى عقبة قد تؤجل معاملة أو ترهق أسرة أو تدفع مواطنًا إلى دفع تكلفة إضافية لا ينص عليها القانون. وبينما تتحدث إدارة المحاكم عن مقترحات لتفعيل الدفع الإلكتروني، يبقى آلاف المراجعين ينتظرون أن يصبح الوصول إلى العدالة ممكنًا، حتى عندما لا يملكون سوى رصيد على شاشة هاتف.