لم تكن المخططات البراقة التي أمضت رغد المصري (24 عامًا) سنوات جامعة في رسمها على شاشات الحاسوب، تشبه بشيء مشروعها التخرّجي الأول على أرض الواقع. جاء الإعلان عن هذا المشروع مدوياً وعنيفاً، مع أولى قطرات المطر التي اخترقت قماش خيمتها في مخيمات النزوح بمدينة دير البلح.

حين بدأت المياه تتسلل، محوّلةً أرضية المأوى المؤقت إلى بركة من الطين الرطب، لم يكن أمام خريجة الهندسة المعمارية وقتٌ للصدمة أو للبكاء على منزل عائلتها المدمّر. كان عليها أن تبدأ فوراً معركة مع واقع عارٍ يفتقر لأدنى مقومات الآدمية.

تتأمل قماش خيمتها وتسترجع تلك المفارقة المريرة: "درستُ العمارة الحديثة لأسلّم الناس بيوتاً تمنحهم الرفاهية والأمان. لم أتخيل يوماً أن جُلّ معرفتي الأكاديمية سيتلخص في معركة ميدانية، أدواتها الكرتون والخشب، وهدفها الأسمى هو توفير مترٍ واحد من الخصوصية لعائلتي".

لم تقف المصري مكتوفة الأيدي؛ رفعت أرضية الخيمة ببقايا حجارة، وصنعت فواصل داخلية من الكرتون المقوى لتأمين مساحة خاصة للنساء والأطفال. وتتابع بحسرة: "في الجامعة كنا نقاش كفاءة المباني والاستدامة، واليوم أكبر تحدٍّ يواجهني هو: كيف أبقي هذه الخيمة جافة؟".

المهندسة المصري ليست وحدها؛ فالحرب في غزة فرضت تحولاً جذريًا في مهنة الهندسة والإنشاءات. لم تعد المهنة ترفاً للتخطيط والمشاريع التقليدية، بل تحولت إلى "هندسة بديلة" أو "هندسة اضطرارية" تقوم على الابتكار من قلب العدم.

فوق ركام منزله المدمّر في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، صنع المقاول علاء جودة بديلًا غير مألوف: كوخًا خشبيًا بتصميم هندسي متقن. ويقول جودة إن منزله القديم كان يتكون من أربعة طوابق، لكن إزالة ركامه اليوم تحتاج إلى معدات وتكاليف فلكية غير متوفرة. 

يضيف: "استوحيت الفكرة من بهدلة النزوح في المدارس. قمت بتسوية الأرض، وبنيت الكوخ بإمكانيات بسيطة جداً. بالإصرار يمكننا صناعة الحياة من تحت الردم".

أما أمل الحاج أحمد (47 عامًا) فتعيش داخل منزلها المتضرر جزئيًا بفعل القصف الاسرائيلي، وترممه بما لا يشبه بأي شكل من الأشكال مواد البناء تقليدية، إذ تعتمد على حلول بدائية للبقاء داخلها، من بينها استخدام الطين كمادة لاصقة لترميم الجدران وإغلاق التشققات التي توسّعت مع القصف والاهتزازات.

تصرّ الحاج أحمد على البقاء في منزلها المتصدع، رغم ما يحمله من خطر انهيار متدرّج، معتبرة أن التمسك بذاكرة المكان أهون من النزوح إلى الخيام وما يرافقه من فقدان للاستقرار.

داخل منزلها حجارة صغيرة من الأنقاض، تعيد ترتيبها داخل الشقوق، ثم تعجن الطين بالماء ليصبح مادة لاصقة بدائية تستخدمها لملء الفراغات وتثبيت الحجارة داخل الجدران. هذا الخليط الطيني لا يُعيد البناء بمعناه الحقيقي، لكنه يعمل كطبقة إسعافية تحاول إبطاء اتساع التشققات، ومنع تسرب المطر والهواء والغبار إلى داخل الغرف.

وتواصل السيدة تغطية النوافذ المهشمة بشوادر ممزقة، وتدعيم الزوايا الضعيفة بما توفر من مواد بسيطة، في محاولة مستمرة لإبقاء المنزل صالحاً للسكن ولو بالحد الأدنى، في ظل غياب أي إمكانية للترميم الهندسي الحقيقي.

خلف هذه الابتكارات العفوية، تقف أزمة إنشائية خانقة فرضتها الحرب الإسرائيلية (2023- 2025) وإغلاق معابر القطاع، أدّت إلى انهيار شبه كامل في قطاع الإنشاءات الذي تشير تقديرات دولية إلى تعطّله أو تضرره بنسبة تقارب 98%.

وتُظهِر التقديرات الدولية إلى أن نحو 81% من المباني والبنية التحتية في القطاع قد طالها الهدم أو الضرر، مما حوّل أحياء كاملة إلى تلال من الركام تُقدَّر بأكثر من 50 مليون طن. هذا الحجم من الدمار لم يضرب الأبنية فقط، بل أصاب سلسلة البناء ذاتها بالشلل، من توفر المواد إلى عمليات التنفيذ وإعادة الإعمار.

في ظل هذا الانهيار، أصبح الحصول على كيس إسمنت واحد أو لوح حديد ضربًا من المستحيل عبر القنوات الطبيعية. وإذا وُجدت هذه المواد في السوق السوداء، فإن أسعارها تقفز إلى مستويات تتراوح بين 3 و5 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وقد تتجاوز ذلك في حالات الندرة الشديدة، بما يفوق قدرة العائلات المنهكة اقتصاديًا. هذا الواقع دفع الجميع إلى الارتداد نحو البيئة المحيطة ومخلفات الدمار، كمصدر بديل شبه وحيد لمواد البناء.

على أطراف البلدة القديمة في غزة، يقف البنّاء الأربعيني أكرم المدلل متفقدًا ما تبقى من أدوات مهنته التي غطاها الغبار. الرجل الذي أمضى عقودًا في طحن الإسمنت وبناء البيوت، يتأمل اليوم واجهة مبنى متصدعة ويقول: "طوال حياتي كنت أستلم أرضًا فارغة فأحولها إلى بيت متين. اليوم أقف عاجزًا. الأزمة ليست في غياب الإسمنت والحديد فحسب، بل حتى البدائل مثل الأخشاب وألواح الشينكو والشوادر أصبحت نادرة وباهظة الثمن". 

ويضيف المدلل: "مفهوم البناء سقط بالكامل. الناس اليوم لا تبحث عن بيت، بل عن سقف يوقف المطر وجدار يستر العائلة".

من منظور هندسي، يوضح المعماري أدهم الأسدودي أن ما يجري في القطاع يمثل إعادة تعريف قسرية لمفهوم العمارة، فرضتها الحاجة الإنسانية تحت ضغط الدمار وشحّ المواد الأساسية.

ويشير الأسدودي إلى أن مواد البناء التقليدية مثل الإسمنت والحديد والزجاج ليست عناصر إنشائية فحسب، بل ركائز ترتبط مباشرة بسلامة المباني وقدرتها على الصمود. ومع الغياب شبه الكامل لهذه المواد، لم تعد الممارسات الإنشائية تستند إلى منظومة هندسية مكتملة، بل إلى حلول مؤقتة ومرتجلة تركز على الحد الأدنى من الحماية والستر، بعيدًا عن معايير الأمان والاستقرار البنيوي.

يتابع: "ما نشهده اليوم يمكن وصفه بهندسة اضطرارية. المفارقة القاسية أن الفعل الهندسي في غزة لم يعد يتجه نحو بناء منشآت جديدة، بل انحصر في محاولة إبقاء الجدران المتصدعة قائمة لأطول فترة ممكنة، ومنع انهيارها فوق ساكنيها، حتى لو كان ذلك خارج كل شروط العمارة التقليدية".

بين خيمة تُثبّت بالشوادر، وأرض تُرمم بالطين، وجدران تُسند بالأخشاب المخرمة؛ تولد في غزة لغة معمارية جديدة لا تدرسها الجامعات. إنها "الهندسة الاضطرارية"، خط الدفاع الأخير للبشر، في مواجهة غياب الحجر.