يقف عدي جودة خلف طاولة حديدية ثقيلة، يراقب اللمسات الأخيرة على آخر كيلوغرام من الكباب ينضج فوق الفحم لليوم. في هذه اللحظة، ومع تصاعد الدخان، لا يرى جودة الأسياخ المتراصة أمامه بقدر ما يستحضر ذكريات محله الصغير الذي كان يملكه في مدينة رفح جنوب قطاع غزة؛ هناك حيث كان سيد عمله قبل أن تعيد الحرب صياغة الواقع والأنماط المعيشية بالكامل.
اضطر جودة للعمل حاليًا كعامل بأجر في محل للمشاوي بمخيم النصيرات وسط القطاع، في محاولة مريرة لابتكار بداية مهنية جديدة. ورغم أن هذه الخطوة أمنَّت له عودة جزئية إلى سوق العمل ودخلاً يسيرًا، إلا أنها وضعت عائلته أمام حقيقة قاسية وهي أنَّ النفقات المتصاعدة باتت تلتهم العائد المتواضع بسرعة فائقة.
كانت الحياة في رفح تمنح جودة استقرارًا اقتصاديًا أفضل بكثير؛ لكن رحلة النزوح المتكررة، وتكاليف التنقل الباهظة بين مراكز الإيواء، رمته في شباك أزمات مالية متلاحقة، ليجد نفسه مجبرًا على قبول دور العامل في منشأة لا يملكها.
يقول جودة وهو يفرغ اللحمة المفرومة تمهيداً لشيها: "هذا المشروع الصغير يضمّ عدد من العمال، ويوفر شريان حياة مالي لعدة عائلات"، ويضيف مسلطًا الضوء على المفارقة: "نرى اليوم وفرة في المشاريع الجديدة، خصوصًا مطاعم الوجبات السريعة، ما يعطي انطباعًا بوجود فرص عمل، لكن الأجور تظل متفاوتة، ومعظمها يعجز تمامًا عن تغطية التكاليف المستحدثة والباهظة التي فرضتها ظروف النزاع".

في شوارع قطاع غزة، تبرز واجهات المحال والمقاهي والمتاجر والمطاعم المفتتحة حديثًا كعلامة بصرية طاغية. وبالنسبة للمراقب العابر، قد يبدو هذا المشهد دليلاً على حراك اقتصادي ونبض تجاري متجدد. وبالفعل نجحت هذه المشاريع في اجتذاب آلاف العمال الذين قذفت بهم الحرب إلى رصيف البطالة. بيد أن هذا الرواج السطحي يخفي خلفه هيكلاً هشًا؛ إذ لا يعكس بالضرورة تراجعًا حقيقيًا في معدلات البطالة العامة العالية أو تحسنًا ملموسًا في المؤشرات الكلية.
يشير مختصون اقتصاديون إلى أنّ الغالبية العظمى من هذه المنشآت الحديثة ليست ثمرة خطط استثمارية منظمة أو بيئة اقتصادية متعافية، بل هي محض مشاريع فردية يائسة للنجاة الاقتصادية وسط أنقاض واقع معيشي متدهور. ومن ثم فإنّ أثرها يظل محدودًا وعاجزًا عن ردم الفجوة السحيقة التي خلفتها الآلة العسكرية الإسرائيلية خلال العامين الماضيين.
تتضح هذه المعادلة بجلاء عند تأمل قصة رواء حجازي، التي تجلس خلف طاولة صغيرة في متجر لبيع الملابس ومستحضرات التجميل اُفتتح قبل أربعة أشهر. بالنسبة لرواء، كان العمل فرصة طوق نجاة. قبل الحرب، كانت تصنع دمى الأطفال يدويًا، ومع اشتعال النزاع وانقطاع تدفق الملابس الجاهزة، ارتفعت القيمة السوقية للأعمال اليدوية؛ فشرعت في تصميم وخياطة ملابس المواليد وبيعها للمحال التجارية.
تقول حجازي: "افتتحت شقيقات هذا المحل بنظام الشراكة، وحصلتُ على زاوية لعرض منتجاتي اليدوية بجانب عملي في الخياطة. منحتني هذه المساحة دخلاً شبه ثابت وأتاحت لغيري فرصة للتكسب. لكن الحقيقة الاقتصاديّة تؤكد أن العامل، مهما بذل من جهد، لا يمكنه مجاراة النفقات الحالية. أصبح المرء مجبرًا على الجمع بين وظيفتين فقط لتأمين الاحتياجات الأساسية".

ذات المعاناة يتقاسمها طارق الأدغم، الطاهي المتخصص في المطبخين الشرقي والغربي. انقطع الأدغم عن العمل لفترات طويلة إثر الشلل التام الذي أصاب قطاع المطاعم، مما أدى إلى تدهور حاد في وضعه المادي. ورغم عثوره مؤخرًا على فرصة عمل في مطعم جديد، إلا أنه ينظر للمستقبل بحذر.
يوضح الأدغم: "ساعدني هذا المطعم على العودة إلى المطبخ بعد تدمير مكاني السابق، لكن هذا لا يعني أن أزمة البطالة قد حُلت. هناك طابور طويل من الزملاء ذوي الكفاءات العالية بلا عمل. المشكلة أن المشاريع الجديدة باتت تبحث عن العمالة الأقل أجرًا مستغلة حجم الاحتياج الهائل؛ مما أقصى أصحاب الخبرة الطويلة وأجبرهم على البقاء في خانة البطالة".

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة السياحة (سبتمبر 2024) حجم الدمار الهيكلي؛ إذ جرى تدمير 4,992 منشأة سياحية، من بينها 3,450 مطعمًا (ما يمثل 69.1% من القطاع)، و173 فندقاً، و921 منشأة تعمل في الأنشطة الإبداعية والفنون (18.4%). وفي الوقت نفسه، قدرت وزارة الاقتصاد الوطني الخسائر المباشرة في القطاع الاقتصادي بنحو ملياري دولار.
ويشرح الخبير الاقتصادي عمر صلوحة هذه الظاهرة، مؤكداً أن المشاريع الناشئة والقطاعات الخدمية لا يمكن تصنيفها كعلامة تعافٍ: "نحن أمام ما يمكن تسميته 'اقتصاد البقاء'، وهي مجرد محاولات إنعاش مؤقتة لتسيير تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة حصار خانق وحركة تجارية مكبلة".
ويضيف صلوحة أن هذه المظاهر الخارجية تقابلها حقيقة مغايرة تماماً على مستوى التدفقات المالية والإنتاج الحقيقي؛ إذ تسبب الدمار الشامل للمنشآت التجارية في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل يتجاوز 80%. ورغم أن بعض هذه الأنشطة أوجد فرص عمل، إلا أنها لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من احتياجات السوق الحقيقية. السيولة النقدية المتداولة بين أيدي المواطنين قد تعطي إيحاءً مضللاً بانتعاش الأسواق، لكنه نشاط يفتقر إلى الاستدامة كونه يرتكز بالكامل على الإنفاق الاستهلاكي المحدود.
ويحذر صلوحة من أن خطورة هذه القشرة الخدمية تكمن في تصدير انطباع خارجي واهم يوحي بأن غزة تشهد حالة من الرخاء، في وقت يفتقر فيه الاقتصاد إلى المقومات الأساسية للتعافي مثل المصانع، الاستثمارات طويلة الأجل، والبنية التحتية القادرة على دعم الإنتاج؛ فالواقع لا يزال يرزح تحت انهيار عميق.
وبلغة الأرقام المعتمدة عالميًا، تشير تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن قطاع غزة بحاجة إلى تمويل يُقدر بنحو 71.4 مليار دولار تمتد على مدار عشر سنوات لتحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي يشمل إعادة بناء البنية التحتية واستعادة القدرات الإنتاجية.
وتعكس المؤشرات الإحصائية الفلسطينية عمق الأزمة الهيكلية، إذ لامست معدلات البطالة والفقر المطلق حدود الـ 80% والـ 100% على التوالي، كما تضررت 90% من المشاريع الصغيرة، ما تسبب في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 83% خلال عام 2024. وتسبب النزاع في تخطى التضخم في أسعار السلع الأساسية حاجز الـ 108% بحلول منتصف عام 2025، كما قفزت الأسعار بنسبة 53%؛ ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بأكثر من 70%.

ومن واقع مؤشرات السوق، يرى حسام الحويطي، عضو الغرفة التجارية، أن هذه المشاريع الناشئة تظل قاصرة عن إحداث تعافٍ هيكلي شامل رغم حضورها البصري. وأمام التحديات المتزايدة التي تفرض تساؤلات حول طبيعة الدور المؤسسي في ظل الأزمة، يوضح الحويطي أن جهود الغرفة تتركز حالياً على "تنفيذ جرد شامل وتسجيل هذه المنشآت بهدف بناء قاعدة معلوماتية اقتصادية دقيقة"، وهو إجراء يراه مراقبون خطوة أولية تواجه تحدي سباق الزمن أمام وتيرة التدهور الاقتصادي المتسارعة.
ويقرّ الحويطي بحجم الفجوة الهائلة التي تحاول هذه الخطوات الخجولة التعامل معها، مستعرضاً لغة الأرقام الصادمة: "هناك أكثر من 116 ألف عامل في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات فقدوا وظائفهم تماماً، ينضم إليهم نحو 19 ألف عامل في مجالات الزراعة والصيد".
هذه الكتلة البشرية الحرجة من العاطلين عن العمل، تقابلها -حسب الحويطي- كارثة في الأصول؛ إذ تعرضت 88% من المنشآت الاقتصادية في القطاع (نحو 50 ألف منشأة) لأضرار متفاوتة، دُمرت 64% منها تدميراً كاملاً، لتسجل الفاتورة الإجمالية للخسائر رقمًا فلكياً ناهز 12 مليار دولار. أرقامٌ تضع الغرفة التجارية والمؤسسات الرسمية أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن لسياسات "الجرد والتسجيل" أن تواجه نزيفًا بهذا الحجم؟
بين الحاجة اليومية والانهيار الكلي، يستمر المشهد الاقتصادي في غزة بالتأرجح. ورغم النجاح المحدود للمشاريع الجديدة في تحريك المياه الراكدة في الأسواق وتوفير بضعة أجور، فإنها تظل قاصرة عن تعويض النزيف المالي الحاد. ما تشهده غزة اليوم هو حالة "تكيف قسري" محكوم بمدى توفر المواد الخام، فيما يبقى التعافي الحقيقي معلقًا بشرط إعادة الإعمار الشامل وعودة عجلة الإنتاج الفعلي. وحتى يتحقق ذلك، تظل هذه المشاريع الصغيرة مجرد محاولات فردية مستميتة للصمود في وجه أعتى أزمة اقتصادية عرفها التاريخ الحديث للقطاع.