في كل مرة يرن فيها هاتفه، يلتقط أحمد الأشقر (29 عامًا) الهاتف بسرعة، معتقدًا أن الاتصال قد يحمل أخيرًا فرصة العمل التي ينتظرها منذ أشهر. لكنه يعود ويعيد الهاتف إلى مكانه، وهو يردد سؤال واحد: لماذا لم يتم اختياري؟
كان الأشقر يعمل قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025) محاسبًا في بلدية غزة، ويتمتع بحياة مستقرة نسبيًا وراتب ثابت ومسار مهني واضح. لكن مع اندلاع النزاع في أكتوبر 2023 توقفت حياته المهنية تمامًا، ليجد نفسه، كغيره من آلاف الشباب، خارج سوق العمل ينتظر فرصة تعيده إلى مهنته وإلى مصدر دخل يعيل به أسرته.
يقول: "مع عودة عشرات المؤسسات الأهلية والإنسانية إلى العمل في قطاع غزة بعد إعلان انتهاء الحرب في أكتوبر 2025، اعتقدت أن الفرصة قد اقتربت. حدثت سيرتي الذاتية أكثر من مرة، وتقدمت إلى عشرات الوظائف في مؤسسات مختلفة، بعضها أقل من مؤهلاتي وخبرتي، ومع ذلك بقيت النتيجة واحدة: لا رد، ولا مقابلة، ولا حتى رسالة رفض".
ومع تكرار التجربة، يتساءل الأشقر: "لا أعرف أين تكمن المشكلة بالضبط... هل سيرتي الذاتية لا تصل؟ هل هناك معايير لا نراها؟ أم أن الاختيار يحدث في مكان آخر لا نعرفه؟"
ويوضح: "أنا لا أطلب ضمان وظيفة، لكنني أريد أن أعرف: هل وصلت سيرتي الذاتية؟ هل كانت تنقصني مهارة؟ أم أن هناك معايير لا نعرفها؟".
على نحوٍ مُشابه، تفتح هبة العويني (35 عامًا) كل إعلان وظيفة جديد، فتراه اختبارًا جديدًا لصبرٍ طويل بدأ منذ سنوات.
هبة خريجة هندسة مدنية تمتلك خبرة أكاديمية ومهنية تؤهلها لدخول سوق العمل بثقة، لكنها اليوم تقف أمام سلسلة طويلة من طلبات التقديم والانتظار والردود الغائبة.
تقول: "منذ سنوات أتقدم إلى وظائف في مؤسسات أهلية ودولية ومحلية، وفي كل مرة أعيد الخطوات نفسها: تحديث السيرة الذاتية وتجهيز الأوراق ورفع الطلب، لكن النتيجة تكاد تكون ثابتة: لا رد، أو رفض دون تفسير".
وتضيف: "أحيانًا لا أعرف إن كانت المشكلة في خبرتي، أم في طريقة الاختيار، أم أن هناك أسماء تُختار قبل أن نصل نحن أصلًا إلى مرحلة التقييم".
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر بالنسبة للعويني يتعلق بوظيفة واحدة، بل بسؤالٍ أوسع عن العدالة في الفرص داخل سوق العمل، خصوصًا في قطاعٍ يعتمد فيه كثير من الشباب على المؤسسات الأهلية بوصفها مصدرًا أساسيًا للتوظيف.

وتتابع: "نحن لا نطلب استثناءات... فقط نريد أن نفهم كيف تُدار عملية الاختيار، ولماذا لا نحصل حتى على رد يوضح أين نقف".
أما الشاب أيمن الشرافي (33 عامًا)، فلم يكن يتوقع أن يتحول ملفه الأكاديمي وخبرته في إدارة الأعمال -التي تمتد لأكثر من عشر سنوات- إلى مجرد "سيرة ذاتية" تُرسل وتُنسى في قوائم طويلة.
قبل الحرب، كان يسعى إلى بناء مسار مهني تدريجي في مجال تخصصه، ويؤمن بأن الخبرة ستأتي مع الوقت. لكن بعد الحرب، ومع تغيّر الواقع الاقتصادي وتوقف العديد من فرص العمل، أصبح هو أيضًا ضمن قائمة طويلة من الباحثين عن فرصة.
ومنذ نحو عامين بدأ التقدم إلى وظائف إدارية وتنسيق مشاريع ومساعد إداري، مستخدمًا منصات التوظيف ومحدثًا سيرته الذاتية باستمرار، لكن النتيجة بقيت شبه ثابتة: لا رد، أو رفض دون توضيح.
يقول: "أحيانًا أشعر أن التقديم أصبح إجراءً شكليًا... نرسل السيرة الذاتية والخطاب التعريفي، ولا نعرف إن كانا يُقرآن أصلًا أو كيف يتم الاختيار".
ويضيف: "نحن لا نطلب أكثر من فرصة عادلة، لكننا نريد أن نفهم كيف تُدار هذه الفرص داخل المؤسسات الأهلية".
وتأتي هذه الشهادات في ظل واحدة من أسوأ أزمات سوق العمل في قطاع غزة، إذ أظهرت نتائج مسح القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيأن نحو 68% من المشاركين في القوى العاملة بالقطاع كانوا عاطلين عن العمل خلال فترة الحرب، مقارنة بنحو 45% في الربع الثالث من عام 2023. كما انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25%، مقارنة بـ40% قبل الحرب، فيما أظهرت النتائج أن نحو 74% من الشباب (15-29 عامًا) أصبحوا خارج العمل والتعليم والتدريب، ما ضاعف المنافسة على فرص العمل المحدودة.
وفي ظلّ هذا الواقع، تتحول كل فرصة عمل تعلنها المؤسسات الأهلية إلى مقصد لمئات، وربما آلاف، الباحثين عن العمل، ما يجعل وضوح معايير الاختيار وشفافية إجراءات التوظيف محل اهتمام متزايد لدى المتقدمين.

كيف تُدار عملية التوظيف؟
يبقى السؤال حاضرًا بقوة: كيف تُدار فعليًا عمليات التوظيف داخل المؤسسات الأهلية في غزة؟ وأين تكمن الفجوة التي يشعر بها كثير من الشباب بين ما يُعلن من فرص عمل وما يحدث فعليًا في مراحل الاختيار والقبول؟
وفي محاولة لوضع هذه التساؤلات في سياق الرقابة والمساءلة، يوضح المدير الإقليمي للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، وائل بعلوشة، أن الإشكالية لا ترتبط في معظم الحالات بوجود فساد إداري مباشر، إذ تخضع المؤسسات الأهلية لمنظومة رقابية وإجرائية متعددة المستويات، وإنما تكمن في بعض الممارسات التي قد تضعف شعور الباحثين عن عمل بتكافؤ الفرص.
ويشير إلى أن صياغة بعض الشروط المرجعية بما يتوافق مع خبرات سابقة اكتسبها أشخاص عملوا في مشاريع مماثلة قد يمنحهم أفضلية تنافسية ويحد من فرص الخريجين الجدد.
ويؤكد بعلوشة أن تعزيز الثقة يتطلب توسيع نطاق الشفافية، من خلال توفير آليات واضحة للاعتراض، وتقديم تغذية راجعة للمتقدمين غير المقبولين توضح أسباب عدم اختيارهم، إلى جانب تطوير إجراءات التوظيف بما يعزز تكافؤ الفرص، مثل اعتماد الفحص الأعمى للسير الذاتية وتخصيص مسارات تتيح للخريجين الجدد فرصة الدخول إلى سوق العمل.
يأتي ذلك في وقت تراجع فيه سوق العمل بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، ما جعل المؤسسات الأهلية والإنسانية من أبرز الجهات التي ما تزال تعلن عن فرص عمل في قطاع غزة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة للباحثين عن عمل.
أين يقف القانون؟
وفي السياق القانوني، يوضح المحامي محمود عفانة أن التوظيف داخل المؤسسات الأهلية لا يخضع لأحكام قانون الخدمة المدنية باعتبارها جهات غير حكومية، وإنما تنظمه اللوائح والأنظمة الداخلية لكل مؤسسة، إلى جانب أحكام قانون العمل الفلسطيني التي تضبط العلاقة التعاقدية بين المؤسسة والموظف.
ويؤكد أن عدم خضوع هذه المؤسسات لقانون الخدمة المدنية لا يعفيها من الالتزام بالمبادئ القانونية العامة، وفي مقدمتها العدالة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز.
غير أن ذلك يثير تساؤلًا آخر: إذا شعر أحد المتقدمين بأن عملية التوظيف لم تكن نزيهة أو أنها شابتها محسوبية أو إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، فما الجهة التي يمكنه اللجوء إليها؟ وهل توجد آلية واضحة للنظر في مثل هذه الاعتراضات؟
ويوضح عفانة أن الأصل في مثل هذه الحالات أن يبدأ المتقدم بالتظلم أمام المؤسسة نفسها وفق سياساتها الداخلية، وإذا تعلّق الأمر بمخالفة قانونية أو تمييز أو إخلال بالعقد أو بالإجراءات التي تحكم المؤسسة، فقد يكون اللجوء إلى القضاء أحد الخيارات المتاحة بحسب طبيعة النزاع.
ويشير إلى أن غياب إطار منظم ومعلن للتظلم داخل بعض المؤسسات يترك الباحثين عن العمل في حالة ضبابية، ويجعل كثيرًا منهم لا يعرفون الجهة التي يمكن مخاطبتها.
ويضيف عفانة أن طبيعة عمل المؤسسات الأهلية وارتباطها بالجهات المانحة والمشاريع الممولة تفرض عليها اتباع معايير وإجراءات واضحة، بدءًا من الإعلان عن الوظيفة ووصولًا إلى فرز الطلبات واختيار المرشحين، بما يحافظ على ثقة المتقدمين في نزاهة العملية.
واطلعت "آخر قصة" على سياسات عدد من الجهات المانحة الدولية، وتبين أنها تشترط أن تعتمد المؤسسات المنفذة إجراءات مكتوبة للتوظيف وسياسات للموارد البشرية، إلى جانب سياسات وآليات لتلقي الشكاوى المتعلقة بتنفيذ المشاريع أو الممارسات المؤسسية. غير أن هذه السياسات لا تُلزم، بالضرورة، بوجود لجنة مستقلة للنظر في اعتراضات المتقدمين للوظائف، إذ تُترك تفاصيل ذلك للأنظمة الداخلية لكل مؤسسة.

الرد الغائب
وفي إطار الوصول إلى ردّ من الجهات المسؤولة، تواصلت "آخر قصة" مع شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية للحصول على تعليق بشأن آليات التوظيف والضوابط المعتمدة داخل المؤسسات الأهلية، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى موعد نشر هذا التقرير.
كما لم تعثر "آخر قصة" على أي سياسة منشورة عبر الموقع الإلكتروني أو المنصات الرسمية للشبكة توضح وجود آلية لاستقبال اعتراضات الباحثين عن العمل أو متابعة شكاوى تتعلق بإجراءات التوظيف داخل المؤسسات الأعضاء.
وفي تفنيدٍ للواقع، توضح خبيرة الموارد البشرية آلاء الشيخ أن المؤسسات تعتمد عادةً على معايير تتعلق بالمؤهل والخبرة والكفاءة عند فرز الطلبات وإجراء المقابلات واتخاذ قرار التعيين، إلا أن طريقة تطبيق هذه المعايير تختلف من مؤسسة إلى أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، ترى الشيخ أن غياب الرد على المتقدمين لا يعني بالضرورة وجود تجاوزات، لكنه يضعف ثقة الباحثين عن العمل، معتبرة أن إخطار المتقدمين بنتائج طلباتهم، ولو برسالة مختصرة، يعد من الممارسات المهنية التي تعزز الشفافية، حتى إن لم يكن التزامًا قانونيًا.
وبين روايات الباحثين عن العمل، والتأكيدات بأن إجراءات التوظيف تخضع لمعايير مهنية، تبقى فجوة الشفافية قائمة لدى كثير من المتقدمين، خصوصًا في ظل غياب آلية معلنة لتلقي الاعتراضات. في المقابل، لا تزال الإجابة غائبة عن سؤال من يراقب نزاهة التوظيف عندما يفقد الباحث عن العمل ثقته في عدالة الفرصة.
