تقف سعادة الشافعي (65 عامًا) أمام صنبور المياه الذي لا ينساب منه سوى خيط رفيع، تراقب الجالون وهو يمتلئ ببطء شديد. وبعد دقائق من الانتظار، يغلبها التعب فتعود لتجلس على كرسي قديم، بعدما أنهكها الوقوف أمام الصنبور الذي بدت على حوافه آثار الصدأ.
لا تدري الشافعي ومثلها آلاف العائلات النازحة كيف تبدلت تفاصيل حياتهم؛ حيث يمر في ذهنها ذكريات منزلها في منطقة جحر الديك شرقي مدينة غزة، عندما كانت تمتلك ثلاثة براميل مياه فوق سطح منزلها، قبل أن يصبح البيت اليوم أثراً بعد عين وضمن نطاق "الخط الأصفر" (وهي المنطقة الأمنية العازلة على الحدود التي يمنع الاحتلال العودة إليها، والتي تم فرضها بموجب الإعلان عن انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2023-2025).
تتقاسم سعادة اليوم مع 14 فردًا من عائلتها برميل مياه واحدًا لا يكفي لتلبية أدنى احتياجاتهم اليومية، وتواجه انقطاعاً دائماً للمياه، وهي التي لم تعرف يومًا في أيام الرخاء كيف يُقطع الماء عن البيوت.
حاولت العائلة الكبيرة أن تتعامل مع أزمة البرميل الواحد – الذي تعود ملكيته بالأصل لشقيق سعادة الذي تقيم في بيته منذ بدء الحرب – عبر السعي لشراء برميل جديد لتخفيف الأزمة، غير أن شح البراميل في الأسواق وغلاء المرمم المتاح منها دفعهم للتراجع. ولم يجدوا من سبيل سوى ترشيد المياه بأقصى قدر ممكن، وإرسال معظم ملابسهم للمغاسل الخارجية لتقليل الاستهلاك وحفظ المياه للاستخدامات الحيوية الأخرى.
تتنهد السيدة الستينية وهي تغلق الصنبور المفتوح دون جدوى وتقول: "نزحت من بيتي بلا أي شيء، واستُشهد زوجي في الحرب، فزادت عليَّ الأعباء المعيشية. لم أتخيل يومًا أن أحسب حساباً لجالون الماء المستخدم في البيت؛ اليوم كل شيء بحساب: الاستحمام، والغسيل، واستخدامات المطبخ. وفي الصيف تزداد معاناتي مع زيادة الحاجة للمياه، لكن لا خيار أمامي سوى التعايش مع برميل واحد".

خلف قصة سعادة، يمتد واقع ميداني واقتصادي يترجم عمق المأساة؛ فالبراميل البلاستيكية التي كانت مجرد مقتنيات بديهية فوق الأسطح، أصبحت اليوم عملة نادرة بعدما منع الاحتلال إدخالها منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. هذا الحصار جعل العائلات التي فقدت منازلها وتعيش في الخيام تواجه مشقة يومية مستمرة؛ ليتحول غياب البرميل إلى عبء يربك تفاصيل يومهم، ويدفعهم للاعتماد على بدائل متعبة كالقِرَب، والجرادل، والجالونات الصغيرة التي يطاردونها طوال النهار لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
وفي مقابل هذا المنع الشامل، سمح مؤخرًا بإدخال كميات محدودة جدًا من البراميل ضمن مساعدات قدمتها مؤسسة إغاثية دولية، بيد أن توزيعها اقتصر على مخيمات بعينها دون أن تصل إلى الأسواق المحلية أو تسد الرمق العام للسكان.
وفي ظلّ هذا النقص الحادّ، تحول الركام إلى المصدر الأساسي لتوفير البراميل؛ حيث أصبحت معظم الخزانات المتداولة في الأسواق هي براميل مستخرجة من تحت أنقاض المنازل المدمرة. ويعمد بعض الحرفيين على ترميمها وإصلاحها ثم بيعها بأسعار مرتفعة، فيما يضطر أصحاب البيوت المدمرة إلى استخراج براميلهم التالفة وإصلاحها بمبالغ باهظة لعدم وجود بدائل تصون عائلاتهم من العطش.
تنهمك الشابة إسلام إبراهيم في تتبع تفاصيل إعادة الحياة لبرميل عائلتها الذي استخرجوه من بين ركام منزلهم المدمر في الأشهر الأخيرة. لجأت العائلة إلى فنّي مختص لإعادة ترميم البرميل التالف، في عملية تكلفت نحو 600 شيكل (حوالي 160 دولارًا).
تصف إسلام مشهد البرميل لحظة استخراجه قائلة: "كان في حالة يرثى لها، وفور ما رأيته قلت إن إصلاحه مستحيل. لكن والدي أصر على المحاولة وأخذه للتصليح، وبالفعل نجح المختص في ترميمه لندخله الخدمة مجدداً. لولا هذا الخيار لكنا نعيش أزمة مياه طاحنة ونقضي يومنا في تعبئة الجالونات الصغيرة، ومع ذلك نعيش اليوم هاجس الترشيد الصارم للماء".
في الخيام المجاورة، تروي تفاصيل الحياة اليومية حكايات أشد وطأة؛ فالسيدة غادة مغافل، وهي أم معيلة لستة أبناء فُقد زوجها منذ اليوم الأول للحرب، عادت مؤخراً إلى القطاع بعد رحلة علاج في الخارج استمرت قرابة العامين، لتجد نفسها تقيم في خيمة قرب هيئة التقاعد غرب مدينة غزة دون برميل ماء واحد.
تعتمد غادة على بضع جالونات بلاستيكية صغيرة لا تلبي احتياجات عائلتها الأساسية، يقوم أطفالها بتعبئتها يوميًا من مشقة من مسجد قريب.
وتقول غادة وهي توجه طفلها بضرورة الاقتصاد الشديد في المياه: "أعيش حياة صعبة بلا ماء. تنفد الجالونات سريعًا فيضطر الأطفال للذهاب للمسجد مجدداً للتعبئة. وجود البرميل كان سيسهل حياتي ويؤمن مياهنا لعدة أيام، لكنني لا أملك القدرة المالية على شراء البراميل المستخدمة؛ إذ وصل سعر البرميل سعة لتر لتر إلى أكثر من 1500 شيكل، وهذا جنون لا أطيقه".

وبين غلاء الأسعار وشح المعروض، وجد المواطن خليل عبد الحميد نفسه مضطرًا للتشارك مع شقيقيه لشراء برميل مياه واحد بسعة ألف ونصف لتر. ونجح الأشقاء بصعوبة بالغة في شراء برميل مستخرج من تحت الركام مقابل 1800 شيكل، تظهر على سطحه ندوب واضحة وعلامات اللحام والترميم مكان ثقوب سابقة.
يشير خليل بنبرة حسرة إلى بقعة كبيرة مرقعة على جسم البرميل قائلاً: "اشتريناه بالتقسيط وبمشقة بالغة، فالبراميل المعروضة في السوق متهالكة وتالفة. وحتى هذا البرميل وجدنا فيه ثقباً يسرب الماء بعد الشراء، فطلبنا من البائع إصلاحه على مسؤوليته. إنه برميل بنصف عمر سيخدمنا لأشهر قليلة ثم يتلف، فلا شيء يعوض البراميل الجديدة المفقودة كلياً".
في وسط هذا العوز التجاري، برزت مهنة "مصلح البراميل" كخيار قسري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. يوسف نصار، أحد الذين امتهنوا هذه الحرفة مستعيناً بأدوات بسيطة لإذابة البلاستيك وسد الثقوب، يرى في عمله جهداً شاقاً ذا مردود محدود.
يقول نصار وهو يوجه لهب الغاز لإذابة الرقائق البلاستيكية فوق تشققات أحد الخزانات: "أحتاج إلى بابور وجهاز غاز للعمل، بالإضافة إلى الكهرباء لتشغيل معدات اللحام. تتراوح تكلفة التصليح بين 100 إلى 500 شيكل تبعا لحجم التلف، ورغم أن البرميل المستعمل سعة ألف لتر يباع بحوالي 1500 شيكل، إلا أنني لا أصلح سوى برميلين أو ثلاثة طوال الشهر لقلة قدرة الناس المالية".
ويضيف نصار موضحًا خارطة الأسعار: "البراميل التي دخلت للمؤسسات الإغاثية وتسربت للسوق بشكل محدود جدًا، وصل سعر سعة 1000 لتر منها لأكثر من 2500 شيكل، في حين لم يكن سعرها يتجاوز 180 شيكلاً قبل الحرب، بينما تعرض سعة ألفي لتر بـ 4500 شيكل".

وبلغة الأرقام، تتقاطع أزمة الخزانات مع كارثة مائية أوسع تعصف بالقطاع؛ إذ تشير الإحصاءات المحلية الصادرة عن البلديات إلى تدمير 262 بئرًا مائية من أصل 284 بئرًا كانت تغذي غزة بالكامل. وما تبقى يعمل بطاقة إنتاجية محدودة للغاية لا تتجاوز 22 بئراً بسبب النقص الحاد في السولار والزيوت ومعدات الصيانة. وقد اضطرت بلدية غزة لتشغيل 16 بئراً ملوثة وغير صالحة للاستخدام البشري لشدة ملوحتها كحل إسعافي أمام أزمة العطش.
وفيما تحدد منظمة الصحة العالمية الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة بـ 15 لترًا من المياه يوميًا، والحد الأدنى للاستخدام الكريم بـ 100 لتر، فإن الواقع المرير في غزة يشير إلى أن نصيب الفرد الواحد انحدر إلى أقل من 3 لترات يومياً فقط، تستخدم للشرب والطهي والنظافة الشخصية معاً.
من الناحية الاقتصادية، يوضح المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن براميل المياه البلاستيكية تمثل الحلقة الأهم في سلسلة الإمداد وتخزين المياه للمواطنين. ويشير إلى أن تدمير وتوقف خطوط الإنتاج المحلية، مصحوباً بمنع إدخال المواد الخام الأساسية وعلى رأسها الحبيبات البلاستيكية، أدى إلى شلل شبه كامل في تصنيع هذه الخزانات محلياً، مما خلق فجوة هائلة بين العرض والطلب تسببت في هذا الارتفاع الجنوني للأسعار.
ويبين صلوحة أنه قبل الحرب كانت براميل المياه تُنتج محليًا بكفاءة عالية عبر خطوط إنتاج متخصصة، إلى جانب جزء مستورد، وكانت أسعارها تتراوح بين 100 شيكل للبراميل الصغيرة و500 شيكل للسعات الكبيرة مثل ألفي لتر تبعا للجودة. أما اليوم، وفي ظل انعدام المعروض وتدمير الخزانات العائلية بفعل القصف، قفز سعر برميل ألف لتر ليتجاوز 2500 شيكل في انعكاس مباشر لاقتصاد الندرة المطلقة.
وينوه صلوحة إلى أن حاجة الناس الطارئة والبيئة المأزومة فرضت اللجوء لخيارات غير آمنة، كاستخدام الطرق اليدوية البسيطة لإعادة لحام التشققات وسد الثقوب في البراميل المستخرجة من الركام لتسيير شؤون حياتهم اليومية بالحد الأدنى.
يبقى المواطن الغزي في غمرة هذه المعاناة بانتظار انفراجة حقيقية تنهي أزمة المعابر وتسمح بدخول المستلزمات الأساسية، فبينما يصارع لتأمين لقمة العيش اليومية لعائلته، تحولت أبسط مقومات الحياة - كبرميل يحفظ الماء - إلى عقبة مادية ومعيشية تؤرق كاهله وتجعل من تخزين المياه ترفاً بعيد المنال، في واقع يفرض عليه التعايش مع أقسى تفاصيل الحرمان.