في أسبوع واحد فقط، انتهت حياة ثلاث نساء في قطاع غزة بأبشع الطرق. إحداهن على يد لص، والثانية على يد الزوج، والثالثة وقعت صباح أمس الاثنين (18 مايو) ولا تزال ملابساتها غير واضحة إلى الآن.

الجرائم الثلاث، التي وقعت خلال أيام متتالية، تبدو حوادث فردية لكنها تحمل مؤشرات واضحة على ظاهرة أعمق، وهي تضخم العنف المحلي ضد النساء في غزة، وبخاصة أن الحرب المستمرة على القطاع لا تزال تشكل بيئة خصبة للإفلات من العقاب.

وبدأت القصة بمقتل المسنة نبيلة شعشاعة، طعناً على يد لص داخل منزلها بهدف السرقة، فيما يخضع زوجها للعلاج على ضوء تعرضه لإصابة خطيرة. وبعد يومين عُثر على الشابة (ر. م) وهي في الثانية والعشرين من عمرها، مقتولة داخل منزلها بحي النصر، وقال بيان صادر عن جهاز الشرطة في غزة إن الجاني هو الزوج.

أما الحادثة الثالثة، فهي (هـ. ج) مسنة نازحة تبلغ 58 عامًا، عُثر عليها مقتولة طعنًا داخل مركز لإيواء النازحين في تل الهوى. ووفق بيان مقتضب لجهاز الشرطة: "لقيت مواطنة مسنة مصرعها، فيما فتحت طواقم المباحث العامة والأدلة الجنائية التحقيق لمعرفة ملابسات الجريمة، وتحديد هوية الجاني لإلقاء القبض عليه وتقديمه للعدالة".

كان يمكن للنساء الثلاثة، وغيرهن ممن قتلن تحت ظلال الحرب – ولا توجد أرقام دقيقة حول أعدادهن – أن تبقى على قيد الحياة لولا أن الحرب أجهزت على كل شيء، بما في ذلك انهيار آليات الحماية القانونية والمؤسسية، وشُلَّ القضاء، وتوقفت مراكز الإبلاغ وبيوت الأمان التي كانت قائمة ولو بشكل هش.

وفي قطاع يعيش بلا قانون، قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة منذ أكتوبر 2023 وفق تقارير أممية، لكن الموت يزحف من الداخل أيضاً، عبر يد جار أو لص أو زوج فقد رشده.

ويعتبر المحامي والناشط الحقوقي يوسف الحداد أن انتشار مثل هذه الجرائم "يعد نتيجة طبيعية لانهيار المنظومة القانونية، إضافة إلى انهيار الاقتصاد الذي يعتبر عنصراً أساسياً ومحركاً يقف وراء جرائم من هذا النوع، عدا عن غياب الوازع الديني".

ولا تبدو القضية متعلقة بإيقاف الجناة واعترافهم بالجريمة فقط، بل بالتعطل شبه الكامل لجهاز القضاء منذ اندلاع الحرب، وهذا ما يجعل باب الجريمة مفتوحًا على مصراعيه، لا سيما أنه لا توجد سجون قائمة فعليًا في غزة.

هنا تبرز المفارقة، ففي النصوص القانونية الفلسطينية، كانت جرائم قتل النساء تُعامل نظرياً كجرائم قتل عمد تخضع لأقصى العقوبات. فقد شهدت السنوات الماضية إنجازات قانونية هامة، كان أبرزها إلغاء المادة 340 من قانون العقوبات التي كانت تمنح أعذاراً مخففة في قضايا ما يسمى "جرائم الشرف"، ثم إلغاء المادة 308 التي كانت تسمح لمغتصب النساء بالإفلات من العقاب في حال زواجه من ضحيته. وبموجب القوانين المعدلة، أصبحت جريمة قتل المرأة تُصنف كقتل عمد، يعاقب عليها القانون الفلسطيني إما بالأشغال الشاقة المؤبدة أو بالإعدام في حال اقترنت الجريمة بظروف مشددة كالتخطيط المسبق أو التعذيب الوحشي أو الاقتران بجناية أخرى.

وبطبيعة الحال، فإن هذه القوانين لم تكن مثالية، فهي تظل تعاني من ثغرات خطيرة، وفقًا لما قالته هبة جيبات، رئيسة وحدة المرأة والنوع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية، مشيرة إلى أن أبرز الثغرات هي استمرار لجوء المحاكم إلى المادة 99 من قانون العقوبات، التي تمنح القضاة سلطة تقديرية لتخفيف العقوبات في قضايا العنف الأسري، خصوصاً عندما تتنازل عائلة الضحية (التي غالباً ما تكون عائلة الجاني نفسها) عن حقها الشخصي.

وأوضحت جيبات أن غزة كانت تطبق قانونًا أقدم (قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936) والذي يختلف في فلسفته عن القانون المطبق في الضفة الغربية، مما خلق ازدواجية قانونية أعاقت التوحيد القضائي، مبينة أن القوانين السارية قديمة ولا تخدم النساء، لذلك طالبت بإقرار قانون حماية الأسرة من العنف.

لكن حتى مع هذه الثغرات، ومع ضعف هذه القوانين أصلاً في قدرتها على حماية النساء من عنف يضرب بجذوره في أعراف اجتماعية متجذرة، فإن تطبيقها على أرض الواقع كان يمكن أن يشكل، ولو جزئياً، أداة رادعة للمعتدين.

لذلك يعتبر المحامي الحداد أنه في مجتمع كقطاع غزة معروف بتمسكه بالعادات والتقاليد، فإنه يميل إلى ضرورة أن يأخذ رجالات العشائر إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني دوراً فاعلاً في الحد من هذه الجرائم، وبخاصة مع انهيار منظومة القانون.

في المقابل، قال مصدر في جهاز الشرطة الفلسطينية فضل عدم الكشف عن هويته: "بصرف النظر عما إذا كنا متفقتين أو مختلفين مع النصوص القانونية، فإنها كانت تشكل أداة ردع لمن تسول له نفسه الإقدام على جريمة معينة". وأضاف المصدر: "على الأقل كان سيفكر الجاني أكثر من مرة قبل أن يقدم على جريمته، وهو يعلم أن القانون والسجن والقضاء ينتظرونه... المجتمع عمومًا كان يمكن أن يتمسك ببقية من خيوط الأمن حتى وإن كان منهارًا بفعل الحرب، لكن كل ذلك أصبح من الماضي بفعل تدمير أدوات إنفاذ القانون وملاحقتها، وربما استغل الجناة هذا الواقع".

وعبر عن مخاوفه بأن تتسع دائرة الجريمة مع عدم وجود مراكز توقيف وآليات حماية للنساء المبلغات عن العنف، لذلك طالب بضرورة وقف ملاحقة أدوات إنفاذ القانون بما في ذلك جهاز الشرطة، الذي سبق وأن وصفته الأمم المتحدة بأنه جهاز مدني لا يجوز ملاحقته.

وأكد المصدر أن الرادع الضعيف (يقصد النص القانوني) لم يعد موجوداً، لأن الحرب لم تستثن شيئاً، بما في ذلك القضاء: "فالمحاكم إما مدمرة أو توقفت عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي وغياب الموظفين وتشرد القضاة أنفسهم". وأضاف: "ربما يُحتجز الجناة في غرفة مؤقتة لعدة أيام، ثم يُطلق سراحهم بسبب عدم وجود مكان آمن لاحتجازهم، وربما يموت أحدهم في قصف قبل أن يحاكم".

والأكثر إيلاماً الآن بالنسبة للنساء اللواتي يتعرضن للعنف في قطاع غزة هو انهيار بيوت الأمان، إذ كان يوجد في غزة قبل الحرب بيتان للأمان تستقبل فيهما النساء الهاربات من العنف الأسري: الأول يتبع لوزارة التنمية الاجتماعية، والثاني تابع لجمعية محلية. لكن بإغلاقهما نتيجة الحرب، تكون النساء قد فقدن آخر ملاذ آمن يمكن أن يلذن به.

وقالت جيبات، رئيس وحدة المرأة والنوع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية، موضحة آلية الحماية الطبيعية التي كانت قائمة: "يتم أخذ التدابير والإجراءات اللازمة التي تهدف إلى توفير الأمن والأمان والسلامة الجسدية والجنسية والنفسية للنساء ضحايا العنف، وتشمل الحماية عن طريق التحويل إلى مراكز الحماية التي توفر خدمة الإيواء أو الحماية داخل الأسرة بعيداً عن مصدر الاعتداء". لكن هذه المراكز لم تعد موجودة على أرض الواقع.

كما انهارت مراكز الإبلاغ عن العنف، حسبما أكدت، وبخاصّة في ظل تدهور الوضع المعيشي والانهيار الكامل للخدمات، "حيث لا يوجد حاليًا مركز واحد مختص في قطاع غزة يمكن للمرأة أن تبلغ فيه عن تعرضها للعنف، لا خط ساخن، ولا مستشارة اجتماعية، ولا جهة تتلقى الشكاوى. وهذا يعني أن آلاف النساء يعانين بصمت، محاصرات بين جدران خيامهن التي تحولت إلى سجون، أو في مراكز الإيواء التي تحولت إلى غرف ضيقة بلا خصوصية ولا حماية".

وحتى لو أتيحت الفرصة للإبلاغ عن العنف، فإن جيبات تشير إلى أن "الخوف من الانتقام والوصمة الاجتماعية" هما من أهم الأسباب التي تحول دون طلب المرأة المعنفة المساعدة، مضيفة أن "الاعتماد المالي على الزوج أو الأسرة" و"الخوف على الأطفال" يجعلان النساء يترددن في الإبلاغ.

هنا تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية نورا أبو عيطة إن التداعيات النفسية على النساء نتيجة ازدياد حالات قتل النساء تعتبر كارثية، لا سيما أنها تعزز لديهن الخوف وفقدان الأمان، وكذلك فقدان الثقة بالآخرين، خصوصاً أنهن يرزحن تحت نير الحرب. واعتبرت أبو عيشة أن الواقع القائم ينمي القلق والتوتر المستمرين لدى النساء، ويدفعهن نحو الأرق والأفكار السلبية والمراقبة المفرطة للبيئة المحيطة، عدا عن الحزن والغضب والإحساس بالعجز وكره المجتمع نتيجة عدم وجود حماية كافية.

ولتجاوز هذه التحديات النفسية التي تفرضها جرائم قتل النساء، قالت إن سبل التعزيز النفسي والحماية تكمن في وجود خطط أمان شخصية، كالاحتفاظ بأرقام الطوارئ وبناء شبكة دعم اجتماعي، بالإضافة إلى أهمية التوعية بالحقوق والحصول على الدعم النفسي والاستشارات المجانية عند الحاجة.

كما دعت الأخصائية النفسية النساء إلى ضرورة تقوية الصوت الداخلي من خلال تعليم مهارات التعبير وطلب المساعدة وتعزيز الثقة بالنفس، إلى جانب وجود خطط حماية واضحة، كوجود مكان آمن ومعرفة خطوات الإبلاغ وتجهيز الوثائق المهمة لعرضها على الجهات المختصة عند الحاجة.

في غضون ذلك، يرى المحامي الحداد أن المطلوب أن يكون هناك تحرك على صعيد مؤسسات المجتمع المدني من خلال القيام بحملات توعية مجتمعية للتحذير من خطورة ارتكاب جرائم قتل النساء على النسيج الاجتماعي. كما نصح بضرورة أن يكون لعلماء الدين دور في الوعظ، على اعتبار أن الشريعة الإسلامية تُعد المصدر الثاني من المصادر الرسمية للقانون.

وشدد على أهمية تفعيل دور المخاتير (العرف العشائري) الذي يعد المصدر الثالث في المعالجات القانونية، مبيناً أن المجتمع الفلسطيني معروف بعاداته وتقاليده وبحضور رجالات العشائر في مختلف القضايا، مما يزيد من فاعلية دورهم في حفظ السلم والأمن المجتمعي.

وفي ظلّ وجود مؤشرات ترمز إلى وجود دوافع اقتصادية وراء هذا العنف، فمعنى ذلك أنه على ضوء التضخم الحاصل في نسبتي الفقر والبطالة بغزة، فإن لا شك أن تصاعد وتيرة العنف ضد النساء أمر يقيني لا محالة، وبخاصة أن نسبة الفقر تخطت حاجز الـ90%.

بالتالي، فإذا قُتلت ثلاث نساء في أسبوع واحد نتيجة غياب القانون وبيوت الأمان ومراكز الإبلاغ، فكم سيكون الرقم في الأيام القادمة، خصوصاً مع عدم وجود أفق لإعادة بناء النظام وسيادة القانون والتحسن الاقتصادي؟