الصدمة والارتباك كانا سيد الموقف حين وجدت الصحافية هند الخضري نفسها وزملاءها محاصرين بهجوم مفاجئ على سيارتهم أثناء مهمة ميدانية؛ إذ اندفع عدد من الأشخاص نحو المركبة مطالبين بالمساعدة بإلحاح وقوة. 

هذا الاندهاش لم يدم طويلًا، فالخضري كانت تعتاد سماع عبارات قاسية مثل: "شو بدنا نستفيد منك؟"، و"أنتِ بتشحذي على حسابنا"، وصولاً إلى اشتراط بعضهم: "ادفعي مقابل إجراء المقابلة معنا"، الأمر الذي جعلها على دراية تامة بحجم النفور المتنامي من وجود الصحافيين والكاميرات في الآونة الأخيرة.

الفريق الصحافي تعامل مع الموقف المباغت بسرعة وغادر المكان، غير أن آثار تلك اللحظات تركت في نفس الخضري وجسدها أثرًا عميقًا، بل جعلها شعور عابر بالندم يتسلل إليها حيال اختيارها لمهنة المتاعب، وهي التي باتت تواجه تحديات إنسانية ونفسية تفوق التوقعات. 

وتتحدث الخضري فور انتهائها من مهمة ميدانية قائلة: "عملي مع الجزيرة الناطقة بالإنجليزية بدأ منذ عام 2017، ولم أشهد مثل هذا النفور الشديد مطلقًا؛ فحتى أثناء سيرنا الطبيعي في الشارع حاملين معداتنا، يرمينا الناس بأقاويل مفادها (ضلكم اشحتوا علينا)، ورغم محاولاتنا المستمرة لتوضيح أننا مجرد ناقلين للصورة في غزة، إلا أن محاولاتنا تذهب بلا جدوى". 

تتابع مبدية انزعاجها الأكبر من مساومات البعض للموافقة على التصوير بشرط المقابل المادي، وهو ما تجابهه بالرفض التام، الأمر الذي يتسبب مرارًا بتعطيل عملها؛ حيث تتأرجح في مواقفها بين الدفاع عن نفسها وشرح طبيعة عملها، وبين الصمت التام. 

وأمام هذا الواقع، تطالب الخضري نقابة الصحافيين بضرورة الكف عن منح بطاقة العضوية بشكل عشوائي، والعمل على سحبها من النشطاء الذين يستغلونها، فضلاً عن أهمية عقد جلسات توعوية تفصل بين العمل الصحافي الأصيل والأنشطة المبادرة.

المشهد العام في قطاع غزة لم يعد يقتصر على مواجهة مخاطر الميدان والتعقيدات الأمنية، وإنما امتد ليشمل اصطدامًا مباشرًا مع الجمهور في نقاشات عصيبة؛ فمساحات الثقة تآكلت لدرجة جعلت العاملين في البيئة الصحافية عرضة للاتهامات المسبقة بمجرد رفع الكاميرا أو طلب المقابلة، لتنهال عليهم عبارات تتهمهم بالاستفادة المادية من معاناة الناس وتجميع الأموال على حساب قصصهم. 

أفرزت سنوات الحرب الطويلة هذا الواقع المقلق للصحافيين، فالرؤية السائدة لدى غالبية المواطنين باتت تصنف الصحافي كطرف منتفع عوضًا عن كونه ناقلًا للحقيقة، ما جعل الطواقم الإعلامية في رحلة تبرير دائمة ومستنزفة لماهية رسالتهم الإنسانية، وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى تأخير وإعاقة العمل الميداني.

كما ساهم دخول العديد من النشطاء والمبادرين إلى هذا الفضاء، وجمعهم تبرعات مالية طائلة باستثمار قصص الضحايا، في ترسيخ هذا الخلط وتشويه صورة الصحافة المهنية.

ولا تقتصر معاناة الصحافيين على أزمة الثقة المتفاقمة مع الجمهور؛ فحتى نهاية مايو/أيار 2026، وثّقت لجنة حماية الصحافيين مقتل 207 صحافيين وعاملين إعلاميين فلسطينيين في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في حصيلة تعكس حجم المخاطر غير المسبوقة التي يواجهها العاملون في الميدان، وتجعل الحرب على قطاع غزة الأكثر دموية بحق الصحافيين منذ أن بدأت اللجنة توثيق هذه البيانات عام 1992. 

هذه المعاناة ذاتها يتجرعها الصحافي سليمان حجي، الممتدة خبرته في الإعلام لـ 17 عامًا ويعمل حاليًا مع وكالات عالمية؛ حيث يرى أن أزمة الثقة ليست وليدة الحرب الحالية وإن كانت قد تفاقمت بشكل ملحوظ مؤخرًا. حجي يبذل قصارى جهده لتفادي هذه المواقف عبر التنسيق المسبق مع الضيوف، ورغم ذلك لا يسلم من المساومات الميدانية. 

ويقول أثناء تفريغ مواد مصورة لإرسالها إلى جهة عمله: "اقتحام الناشطين والمبادرين للمجال دون إدراك لأخلاقيات العمل أو احترام خصوصية الناس أدى لانعدام الثقة، وصحافة (التريند) والمال تشوه واقع القطاع". 

ويستذكر مواقف لزملائه العاملين مع مؤسسات دولية مُنعوا من أداء مهامهم بسبب رفض العائلات للتصوير، مما وضعهم في مأزق أمام مؤسساتهم الخارجية نتيجة لانتهاكات جامعي الأموال وجهلهم بالعمل الصحافي. 

ويؤكد حجي أن الواقع المتهالك والفوضى الحالية يستوجبان تدخلًا صارمًا من الجهات النقابية عبر وضع شروط محددة ودورات تأهيلية للدخول في المهنة، وتفعيل جهة رقابية تنفيذية تحارب الدخلاء وتوضح الحدود الفاصلة.

بدورها، تعيش الصحافية ولاء أبو جامع فصول التجربة ذاتها؛ فبعد فترة من الصمت وتحمل الانتقادات ونظرات الارتياب التي تصمها بـ "الشحاتة"، تفاقم الأمر عن قدرتها على التحمل، وباتت تلجأ للتوضيح والرد في كل موقف. وتقول أبو جامع وهي في طريقها لمهمة ميدانية: "المواقف القاسية ورفض الناس للمقابلات دفعتني للتوضيح الدائم بأنني لست مبادرة لجمع الأموال، ورغم تقبل البعض إلا أن آخرين يصرون على موقفهم، مما يسبب إرهاقًا شديدًا. 

وفي إحدى المرات اضطررت لإطفاء الكاميرا والدخول في مشادة كلامية إثر استفزازي، والضرر الميداني الممتد من بعض الدخلاء وصل بي لحد إبلاغ الشرطة دون جدوى فعالة".

وتقترح أبو جامع اعتماد آلية تعريف مهنية أكثر صرامة، عبر تصميم "فيزت" صحافي مميزة تُمنح حصريًا للمنتسبين المعتمدين لنقابة الصحافيين، معتبرة أن السترة الصحافية التقليدية فقدت دلالتها بعدما أصبحت سهلة التقليد ومتاحة أمام أي شخص يرغب في استخدامها.

في المقابل، يوضح أمين سر نقابة الصحافيين، عاهد فروانة، أن منح العضوية محكوم بشروط صارمة أبرزها العمل مع جهة إعلامية مرخصة رسميًا، ويتم ذلك بعد التحقق والتدقيق لتسهيل المهام. 

ويقر فروانة بأن الفوضى الناتجة عن ارتداء النشطاء والمبادرين للدروع الصحافية سعياً وراء "التريند" وجمع المال عقدت مهمة الصحافي المهني بشكل كبير، مجددًا تحذير النقابة الصارم للصحافيين من دفع أي مبالغ مالية مقابل المقابلات لما يترتب على ذلك من تبعات خطيرة مستقبلاً.

ورغم إقرار النقابة بتعقّد المشهد الميداني، فإنها لم تعتمد حتى الآن آلية جديدة للتمييز البصري أو التنظيمي بين الصحافيين المهنيين وغيرهم، في وقت تتصاعد فيه مطالب العاملين في القطاع الإعلامي بوضع إجراءات أكثر وضوحًا تحد من ظاهرة انتحال الصفة الصحافية.

وتعكس هذه الوقائع أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة العامة بالإعلام في سياقات الحرب الممتدة؛ إذ يجد الصحافيون الذين نجوا من الاستهداف المباشر أنفسهم مضطرين إلى خوض معركة أخرى لإثبات مهنيتهم وشرح طبيعة عملهم أمام جمهور أنهكته الحرب وخيباتها المتراكمة. ففي الوقت الذي يواصلون فيه العمل تحت تهديد الخطر الجسدي، يواجهون أيضًا رفضًا وشكوكًا من الفئات التي يسعون إلى نقل معاناتها إلى العالم.

الواقع الحالي يضع الصحافيين في موقف الدفاع اليومي عن مهنيتهم قبل الشروع في عملهم، في مواجهة جمهور أنهكته الحرب وفقد ثقته بالعديد من حاملي الكاميرات؛ ما يوسع الفجوة بين الطرفين ويجعل الحاجة ملحة لإجراءات نقابية حاسمة تعيد رسم الحدود الأخلاقية والمهنية وتنهي حالة الخلط مع صحافة "التريند". ورغم ذلك، يتمسك الصحافيون بحقهم في مواصلة نقل الحقيقة، على أمل استعادة ثقة الناس وفهمهم لدورهم. وتختصر هند الخضري هذا التحدي بقولها: "لن نتوقف عن العمل، لكننا نحتاج الناس أن يفهموا ما الذي نفعله فعلًا."