في صباحٍ لم يتجاوز الساعة الثامنة، كانت ساحة الانتظار الخارجية أمام قسم العيادات في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة مكتظة بمرضى وصل كثير منهم منذ السادسة صباحًا بانتظار فتح الباب والدخول للطبيب. لم تكن هناك مقاعد للجلوس؛ جلس بعضهم على إطار رخامي دائري، فيما افترش آخرون الأرض لساعات طويلة تحت الشمس، بانتظار أن يسمح لهم بالدخول بعد إبراز ورقة الحجز الخاصة بالمراجعة.
وسط هذا المشهد، جلست صباح عبد الله (60 عامًا) بينما يزداد قلقها مع كل دقيقة تمر: ما الخطوة التالية؟ وأي فحص ستحتاجه؟
تنظر صباح إلى أوراق من التقارير الطبية تحملها بين يديها، تتنقّل عيناها بين سطور مكتوبة بالإنجليزية المعقّدة دون أن تفكّ شفرتها. لكن الألم في فكّها لا يحتاج إلى ترجمة. منذ أشهر، لم تعد قادرة على تناول الطعام دون بطء وألم، فيما تكبر كتلة صغيرة في خدّها ببطء، دون تشخيص طبي حاسم حتى الآن.
تقول: "تنقلت ما بين الأطباء شهرين، حتى انتهى بي المطاف في مجمع الشفاء الطبي. قال لي الطبيب إن حالتي تحتاج متابعة في المستشفى وليس عيادته الخاصة. في كل زيارة كان يطلب أشعة مختلفة، وغالبًا كنت أجريها على حسابي الخاص لأن الانتظار في المشافي الحكومية قد يستغرق أشهرًا".
في زيارتها الثانية، طُلب منها إجراء تصوير مقطعي محوسب .(CT) في قسم الحجز، أخبرتها الموظفة أن الموعد قد يتأخر "ثلاثة أشهر وربما أكثر" وهي مدة زمنية طويلة قد لا تحتملها حالتها الصحية أبدًا.
وعندما سألت عن خيارٍ مدفوع، أُبلِغت بإمكانية التوجه إلى مستشفى الأهلي العربي "المعمداني" وسط مدينة غزة، مقابل تكلفة مخفّضة مع انتظار قد يمتد أيامًا أو أسابيع، أو الذهاب إلى مستشفى خاص في دير البلح وسط القطاع. هناك، حصلت على النتيجة بعد نحو أربعة أيام من الانتظار فقط.
تضيف: "لم تكن حالتي تحتمل الانتظار الطويل، لذلك؛ اضطررت إلى إجراء كل الفحوصات على حسابي الخاص رغم تكلفتها الباهظة لأن قوائم انتظار الحالات من المرضى طويلة جدًا".

في قطاع غزة، لا يتوقف عبء المرض عند الألم الجسدي، بل يتضاعف داخل منظومة صحية تعاني نقصًا حادًا في أجهزة التشخيص. غياب أجهزة التصوير المقطعي أو تمركزها في عدد محدود من المستشفيات الحكومية يدفع المرضى إلى الانتظار لأسابيع أو أشهر؛ ما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتفاقم أوضاعهم الصحية.
وبحسب تقديرات طبية، فإن هذا التراكم في الطلبات يجعل بعض المرضى ينتظرون فحوصاتهم الأساسية لفترات تتجاوز القدرة الزمنية الآمنة للتشخيص، خصوصًا في الحالات التي تتطلب تدخلاً سريعًا.
ولا تقتصر آثار الأزمة على حالات فردية، إذ تمس عمليًا آلاف المرضى في قطاع غزة، خصوصًا مرضى السرطان ومصابي الحرب والحوادث، ممن تعتمد تشخيصاتهم وخطط علاجهم على التصوير المقطعي. وتشير تقديرات وزارة الصحة إلى وجود نحو 11 ألف مريض سرطان داخل القطاع، في وقت تعاني فيه خدمات التشخيص من نقص حاد في الأجهزة والإمكانات.
جهاز التصوير المقطعي يُعدّ أساسيًا لتشخيص أمراض متعددة عبر تصوير دقيق لمقاطع الأنسجة الداخلية باستخدام الأشعة السينية ومعالجتها حاسوبيًا لإنتاج صور طبقية، وهو أكثر تعقيدًا ودقة من الأشعة السينية التقليدية، إذ يتيح رؤية تفصيلية للأعضاء الداخلية مثل الدماغ والصدر والبطن، لكنه يظل محدود التوفر في القطاع.

فاطمة بسيوني (56 عامًا) سيدة أخرى من غزة مرت في رحلة علاج طويلة، إذ أُصيبت خلال الحرب الإسرائيلية (2023-2025) بكسور في الوجه والفك وأجزاء من جسدها، وما تزال تعاني آلامًا حادة.
توضح: "نجوت من تحت الركام بأعجوبة، لكن بكسور عميقة في وجهي وجسدي. وضعوا لي بلاتين في الوجه والأسنان. طُلب مني تصوير مقطعي للرأس والبطن، وحصلت على موعد بعد شهرين. لا أستطيع تحمّل تكاليف العلاج، فقد خسرت كل شيء تحت أنقاض البيت".
أما رجاء سالم (47 عامًا)، فتعيش حالة قلق صحي متصاعد بعد الاشتباه بوجود كتلة سرطانية في الصدر.
تروي وهي تنتظر دورها في مستشفى ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة: "لم أكن أعلم أنني أستطيع إجراء الخزعة في مختبر خاص. أمضيت شهرًا أتنقل بين المراجعات فقط للحصول على النتيجة. وبعد كل ذلك تبيّن أن الورم حميد ويحتاج استئصالًا. الآن أنتظر دوري للعملية، ولم أكن أعرف أن جهاز الـ CT متوفر في دير البلح ويمكنني تسريع الفحص".
وتطرح سالم سلسلة أسئلة تتكرر بين المرضى: لماذا يتحول التشخيص إلى رحلة انتظار طويلة؟ ماذا عن الحالات الطارئة؟ وهل توجد خطة لتوزيع الأجهزة القليلة بشكلٍ عادل؟
وتتفاقم الأزمة مع تمركز أجهزة التصوير المقطعي في نطاقات جغرافية محدودة داخل القطاع، ما يخلق فجوة واضحة في الوصول إلى الخدمة، ويجبر المرضى في مناطق بعيدة على التنقل أو اللجوء إلى القطاع الخاص.

توضح وزارة الصحة الفلسطينية بغزة أن أزمة النقص في أجهزة الـCT داخل القطاع ليست جديدة أو وليدة النزاع الأخير فقط. يقول زاهر الوحيدي، مدير وحدة المعلومات في الوزارة، إن الاحتلال يفرض قيودًا على إدخال الأجهزة منذ عام 2017، لكن الحرب الأخيرة فاقمت الوضع بشكل حاد.
ويضيف: "من أصل 17 جهازًا، لم يتبق سوى 6 أجهزة تعمل في قطاع غزة". ويشير إلى أن مدينة غزة لا تضم سوى جهازين فقط: أحدهما في المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، والآخر في مستشفى حمد؛ ما يخلق ضغطًا هائلًا على الخدمة، فيما تتوزع بقية الأجهزة في محافظتي الوسطى والجنوب.
ويؤكد أن بعض الحالات لا تنتظر. الحالات الطارئة أو الموجودة داخل المستشفى تُحوّل مباشرة للتصوير. لكن الحالات التي يمكنها الانتظار تبقى ضمن قوائم طويلة، ولا نملك خيارات كثيرة أمام هذا الضغط.
وبحسب الوحيدي، فإن الجهاز الواحد قد يُجري أكثر من 1000 صورة يوميًا، رغم أن قدرته التشغيلية لا تتجاوز 300 صورة، ما يعني تشغيلًا يتجاوز ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية.
ويقول أخصائيون في الأشعة إن هذا الضغط الكبير لا يؤثر فقط على جودة الخدمة، بل ينعكس مباشرة على دقة التشخيص وسرعة اتخاذ القرار الطبي، خصوصًا في الحالات الحرجة مثل النزيف الداخلي أو الأورام.

من الناحية القانونية، يعتبر منع دخول الأجهزة الطبية إلى قطاع غزة انتهاكًا مباشرًا للحق في الصحة. يقول المحامي حماد ضهير إن المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تكفل الحق في العلاج وتوفير المعدات الطبية، فيما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة سلطة الاحتلال بضمان الإمدادات والخدمات الصحية للسكان المدنيين.
ويضيف أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في نقص الأجهزة، بل في أثرها المباشر على قدرة المرضى على الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، ما قد يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية أو فقدان فرص التدخل المبكر.
ويتابع المحامي: "إذا ثبت أن منع إدخال الأجهزة يتم بشكل متعمد ويؤدي إلى حرمان واسع من العلاج، فقد يرتقي ذلك إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي، خصوصًا عندما يُحرم المدنيون من وسائل العلاج والبقاء".
ويدعو ضهير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمحكمة الجنائية الدولية إلى التدخل العاجل لضمان إدخال المعدات الطبية ومساءلة المسؤولين.
ورغم الاعتراف الرسمي بالأزمة، لا تظهر حتى الآن خطة واضحة لاستيراد أجهزة تشخيص إضافية أو إعادة توزيعها بشكل يخفف الضغط عن المراكز الأكثر ازدحامًا، ما يترك المنظومة الصحية في حالة استجابة لا تخطيط.
في نهاية المشهد، لا تبدو الأزمة مجرد نقص في أجهزة تشخيص، بل انعكاسًا لمنظومة صحية تحت ضغط هائل، حيث يتحول الوقت نفسه إلى عامل خطر.
في غزة، لا ينتظر المرضى العلاج فقط، بل ينتظرون التشخيص أولًا. وفي كثير من الحالات، يكون هذا الانتظار هو الفارق بين تدخل مبكر أو تدهور لا يمكن تداركه.