ارتطم نبيل الأيوبي بالرمال بعدما خانه كرسيه المتحرك المتهالك وهو بين يدي زوجته التي كانت تدفعه برفق وخوف، في مشهد يختزل مأساة الآلاف من مبتوري الأطراف في قطاع غزة.
لم يكن هذا السقوط الأول، بل سبقه تعثرات تركت في نفسه ندوباً لا تُرى، وجعلته يهاب الحركة بعدما تحول التنقل إلى تهديد يومي لكرامته وإحراج لزوجته التي باتت تعجز عن رفعه مجدداً.
الأيوبي، الذي أُصيب في ديسمبر 2024 داخل مركز الإيواء الذي نزح إليه بعد تدمير منزله جراء الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، لم يفقد قدميه جراء البتر فحسب، بل فقد طفليه أيضاً.
يعيش اليوم في دوامة من الصدمة النفسية حيث يطارده مشهد أطفاله الراحلين ليكون أشد قسوة عليه من فقدان أطرافه، في وقت يقف فيه عاجزاً بكرسي رديء يزيد من معاناته وسط شوارع مدمرة وركام يغلق الأفق، دون أي استجابة من المؤسسات التي تواصل معها.

وبينما تعجز السيدة نعيمة محرم عن توفير كرسي متحرك لأبنائها الثلاثة من ذوي الإعاقة الحركية، يتجلى وجه آخر للمأساة في شوارع مخيمات النزوح الممتدة على طول القطاع. إذ يتحول الكرسي المتحرك من أداة إعاقة إلى وسيلة نقل للخضار والمياه والحمولات، فيما يبقى صاحبه الأصلي طريح الفراش أو عالقاً في زاوية الخيمة.
أحمد عبد اللطيف، طفل لا يتجاوز عمره الثانية عشرة، يدفع كرسي متحرك محمّل بالخضار والبضائع، بذراعين نحيلتين عبر طرقات مخيم مواصي خان يونس غير المعبدة.
يعمل أحمد في مهنة النقل البدائية لمساعدة أسرته، حيث يقوم بتوصيل الزبائن إلى مساكنهم ناقلاً حمولتهم بواسطة الكرسي الذي يفترض أن يكون وسيلة حركة لشخص من ذوي الإعاقة.
يرفض الطفل الإفصاح عن كيفية جلبه لهذا الكرسي، مكتفياً بالنظر إلى الأرض كلما سُئل. أحد جيرانه همس بأن الكرسي كان مخصصاً لشخص من ذوي الإعاقة فقد حياته في القصف، فانتقل الكرسي من يد إلى يد حتى استقر في يد أحمد ليصبح عربة نقل يومية. في مشهد يطرح أسئلة صامتة عن مصير الأدوات المساعدة التي تدخل القطاع، وعن الجهة التي تراقب استخداماتها.
أما سامي جمعة (14 عاماً)، فيروي فصولاً أخرى من هذه المفارقة القاسية. يقول سامي إن شقيقته الكبرى، التي تعاني من إعاقة حركية منذ الطفولة، استغنت عن كرسيها المتهالك قبل أشهر. لم يكن الاستغناء عن طيب خاطر، بل اضطراراً بعد أن أصبحت الحركة في الشوارع المدمرة يشكل خطراً عليها. فالتزمت الفتاة الفراش داخل خيمة العائلة غرب غزة، محرومة من أبسط حقوقها في الحركة والتنفس خارج أسطح النسيج البالية.
منذ ذلك الحين، والأسرة تستخدم الكرسي المهترئ في نقل جالونات المياه المحلاة التي تقوم بتعبئتها من الصهاريج المجانية التي توزع على خيام النزوح.
كل صباح، يمسك سامي أو أحد إخوته بالكرسي، يضعون فوقه جالونين أو ثلاثة من المياه، ويدفعونه عبر الرمال لمسافات قد تتجاوز الكيلومتر. يقول سامي بصوت خافت: "أختي الكبيرة لم تعد تطلب الخروج. تعودت. تقول لنا: خذوا الكرسي، الماء أهم مني الآن".
تكشف الأرقام حجم الكارثة الإنسانية الحاصلة في غزة على مستوى الإعاقة الحركية، فوفقاً لإحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في ديسمبر 2025، فإن نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات غيرت مجرى حياتهم وباتوا بحاجة لتأهيل طويل الأمد، بالتزامن مع وجود أكثر من 6 آلاف حالة بتر تشكل الأطراف السفلية 75% منها.
في المقابل، انهارت خدمات التأهيل بمعدل 62% بسبب تدمير المرافق والجمعيات وشح الأدوات المساعدة، وهو ما يتقاطع مع تقرير الهيئة الطبية الدولية في أكتوبر 2025 الذي أكد أن 18 ألفاً من ذوي الإعاقة بغزة فقدوا أدواتهم المساعدة أو دُمرت تحت أنقاض منازلهم.
بيانات وزارة التنمية الاجتماعية أيضا، تشير إلى تسجيل أكثر من 42 ألف حالة إعاقة جديدة منذ أكتوبر 2023، من بينهم ما يزيد عن 9200 طفل يواجهون بتر الأطراف أو الإعاقات الدائمة.
في مواصي خانيونس جنوبي القطاع، يروي أحمد شاهين، الذي بترت قدماه إثر إصابة في عام 2024، فصولاً أخرى من غياب المساءلة والخذلان. أمضى فترة طويلة طريح الفراش يبحث عن وسيلة حركة، فاستدان كرسياً من أحد معارفه مستغلاً إياه قبل أن يستردوه منه لنقل المياه، ليعاود استدانة كرسي آخر مؤقت، حتى عثر بالصدفة عبر الإنترنت على هيكل كرسي مهترئ بلا ظهر ولا مقعد، فاشتراه بمبلغ 150 دولاراً وقام بتفصيل مقعد له من سجادة قديمة.
لكن المعاناة المادية لم تكن الأقسى، بل تلك الطعنة النفسية التي تلقاها من طفله المكلوم حين عاد باكياً بعدما ضربه طفل أكبر منه داخل مخيم الايواء، قائلاً: "لو لم تكن مقعدا لما استطاع أحد أن يضربني". جملة سلبته النوم تماماً، لإحساسه بالعجز التام عن حماية طفله.

هذه المعاناة تتقاسمها السيدة نعيمة محرم، أم لثلاثة أبناء مصابين بشلل دماغي، أكبرهم يبلغ من العمر 31 عاماً. تضطر لحملهم ونقلهم لقضاء حاجتهم داخل حدود الخيمة لعدم امتلاكهم سوى كرسي وحيد يتناوبون عليه عند الخروج الاضطراري، وهو ما يتطلب استئجار عربة يجرها حمار للوصول إلى باب الخيمة.
مع تعرض الأم مؤخراً لإصابة في ظهرها جعلتها طريحة الفراش، تدهورت حالتها النفسية وهي المعيلة الوحيدة لهم، لا سيما بعدما قوبلت جميع محاولاتها للتسجيل لدى روابط ذوي الإعاقة بالرفض وبذات الذريعة: "لا يوجد لدينا وارد من الأدوات المساعدة".
دفعها هذا الأمر لتوجيه تساؤلات مشروعة للهيئات الإنسانية: "لماذا لا يتم الاهتمام بهؤلاء المعاقين حركياً؟ أين تذهب الكراسي المتحركة التي تدخل إلى غزة؟ وما الأسس التي يخضع لها المعاق لاستلام كرسي متحرك؟ ولماذا تباع بعض هذه الكراسي علناً في الأسواق؟"
في مواجهة هذه التساؤلات، تبرز المواقف الرسمية لتكشف عن تعقيدات إدارية وقيود مشددة، حيث توضح المتحدثة باسم التنمية الاجتماعية، رجاء العابد، أن ملف الأدوات المساعدة وخصوصاً الكراسي المتحركة يواجه قيوداً هائلة جراء الإجراءات المفروضة على قطاع غزة، مشيرة إلى أن دور الوزارة يقتصر على تقديم تدخلات الإغاثة والحماية الاجتماعية الطارئة.
في السياق ذاته، يطلق مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية بغزة، تحذيرات واضحة مؤكداً أن معظم روابط التسجيل ما هي إلا عمليات حصر للأعداد دون تقديم مساعدات فعلية. ويكشف عابد أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع يتجاوز 180 ألفاً، حيث تمثل الإعاقة الحركية أكثر من 50% منهم بواقع 70 ألف حالة، في حين قفزت نسبة الإعاقة الإجمالية من 8% قبل الحرب إلى 11% بعدها.
ونبه عابد إلى أن المساعدات الحالية والكراسي التي تدخل غزة لا تلبي سوى 1% فقط من الاحتياجات الفعلية، وسط تقديرات تشير إلى أن هناك 30 ألف شخص بحاجة ماسة لكراسي متحركة.
من جانبها، تؤكد نيفين الغصين، المتحدثة باسم مركز الأطراف الصناعية، أن الإمدادات الشحيحة التي تصلهم لا تكفي الجميع جراء منع دخولها من قبل الاحتلال، مما يضطر المركز لاعتماد معايير صارمة تحصر الصرف لحالات البتر بالدرجة الأولى.
تشدد على أن أعداد المحتاجين في تصاعد مستمر، وهو واقع يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وقرار مجلس الأمن رقم 2475 الذي يفرض حماية ذوي الإعاقة في النزاعات المسلحة، فضلاً عن اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والمادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم أطراف النزاع بالسماح بمرور الإمدادات الإنسانية للفئات الضعيفة.
هذا الخذلان في حماية الحقوق المشروعة ألقى بظلال وخيمة على الصحة النفسية للمصابين وأصحاب الإعاقات، حيث تشير المختصة النفسية نورا أبو عيطة إلى أن ذوي الإعاقة الحركية يعانون من تدهور نفسي حاد ناتج عن شعورهم بفقدان الاستقلالية وانخفاض الثقة بالنفس، وتحولهم إلى عبء على المحيطين بهم.
يدفع هذا الواقع ذوي الإعاقة الحركية نحو العزلة الاجتماعية والقلق، ناهيك عن أن استخدام الكراسي المهترئة يتسبب في آلام جسدية وتقرحات وإجهاد مستمر يفاقم التوتر والانفعال، مما يستدعي تفعيلاً عاجلاً لخدمات الدعم النفسي المكثف.
تظل معاناة ذوي الإعاقة الحركية في غزة ممتدة ومفتوحة على تفاصيل يومية قاسية، باتوا رهينة نقص أبسط أدوات البقاء. بينما تستمر الفجوة في الاتساع بين استجابة دولية شحيحة واحتياج يتزايد مع كل دقيقة تمر، يظل السؤال الأصعب معلقاً بلا إجابة: كم كرسياً متحركاً آخر سيُستخدم لنقل المياه قبل أن يصل إلى من يحتاجه حقاً؟