في اللحظة التي عثرت فيها الشابة العشرينية راوية عبود على "شعرة" مغروسة داخل قطعة حلوى مصنوعة من الفستق والسمسم، انتابتها ريبة شديدة دفعتها لتفحص الكيس البلاستيكي الشفاف المحيط بها؛ لم تجد عليه حرفًا واحدًا يدل على مصدره أو تاريخ إنتاجه. أعادت إليها تلك الحادثة تساؤلات مقلقة حول أماكن تصنيع المنتجات المحلية ومدى خضوعها لرقابة الجهات المختصة.
بعد فترة وجيزة، وبينما كانت تتجول داخل بقالة في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، وقفت أمام رف مليء بأكياس المسليات "شيبس" المحلية تنتقي نحو عشرة أكياس لها ولأبناء أشقائها، قبل أن تلاحظ مجددًا خلو معظمها من أي بيانات تعريفية توضح ماهية المنتج أو مكوناته أو جهة تصنيعه.
تقول عبود: "كانت الحلوى التي اشتريتها سابقًا بلا أي علامات تعريف، وكان المنتج سيئًا للغاية لدرجة أنني وجدت فيه شعرة صغيرة. هذا الأمر يفتح الباب أمام سؤال مقلق: أين صُنعت هذه المنتجات؟ وهل تخضع أماكن إنتاجها لمقاييس وزارتي الصحة والاقتصاد؟".
ورغم مخاوفها، تشير إلى أن انخفاض أسعار هذه المنتجات يدفع كثيرين لشرائها، موضحة أن أسعار المسليات المستوردة تبدأ من ثلاثة شواكل فأكثر، بينما تباع البدائل المحلية بأسعار أقل بكثير. وتضيف: "ما يجبرني على الشراء هو فارق السعر، لكن يتعين على المصنعين رفع الجودة، خاصة في قطاع الحلقوم والسكاكر، وتثبيت البيانات الأساسية على أكياس الشيبس".

هذا المشهد المتكرر في شوارع غزة اليوم، يعكس واقعًا مقلقًا تعيشه الأمهات؛ كحال آية عودة التي تقف يوميًا متأملة بقلق تلك الأكياس الشفافة مجهولة المصدر التي تعود بها ابنتها ذات السبع سنوات من بسطات بيع الشيبس والسكاكر.
وتزداد مخاوفها عندما تعاني طفلتها من اضطرابات هضمية بعد تناول رقائق المسليات المحلية؛ ما يجعل معرفة مكونات الأطعمة وتواريخ صلاحيتها أمرًا ضروريًا لتجنب أي مضاعفات صحية محتملة. لكن الشيكل الوحيد الذي تملكه الطفلة لم يعد يكفي لشراء السلع المعلبة المستوردة التي تحمل بيانات واضحة، لتجد العائلات المنهكة اقتصاديًا نفسها مضطرة لشراء منتجات لا تُعرف مكوناتها أو ظروف تصنيعها.
وتزداد أهمية الإفصاح عن المكونات الغذائية بالنسبة للأطفال الذين يعانون من الحساسية أو الاضطرابات الهضمية، خاصة أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الأطفال دون الخامسة يتحملون 29% من العبء الصحي العالمي الناتج عن الأغذية غير الآمنة رغم أنهم يشكلون نسبة أقل بكثير من السكان.
خلال عاميّ الحرب المستعرة (2023-2025) وما تخللهما من فترات مجاعة قاسية، كان المواطنون في قطاع غزة يقبلون على شراء أي سلع تسد رمقهم، غير أنه اليوم، وبعد توقف إطلاق النار، لم يعد هناك مبرر صحي أو مهني يسمح للمصانع المحلية بحجب مكونات منتجاتها، وترك المستهلك في حالة من الغموض الشديد حول أمان ما يأكله أطفاله.
أمام غياب الأرقام الرسمية، أظهر مسح ميداني مصغر أجرته مراسلة "آخر قصة" على عدد عشوائي من البسطات المتخصصة ببيع حاجيات الأطفال في مدينة غزة والمحافظة الوسطى وخانيونس جنوب القطاع، أن نحو 25% من المنتجات المعروضة في البسطات التي شملها المسح، لا سيما المسليات والحلوى المحلية، تُباع داخل أكياس شفافة خالية من أي بيانات تعريفية تتعلق بالمنتج أو مكوناته أو تاريخ صلاحيته.

في دكانه الصغير بحي الدرج وسط مدينة غزة، يقرّ البائع وسام عبد المنعم بوجود هذه الفوضى، مشيرًا إلى أن الأكياس المفردة تصل إليه خالية من أي ملصق، بينما يكتفي الموردون بوضع بطاقة تعريفية عمومية على الكيس الكبير (الربطة) الذي يضم نحو 30 كيسًا.
ويضيف عبد المنعم: "غالبية زبائني من الأطفال الذين يقبلون على هذا الشيبس لانخفاض ثمنه، وأحيانًا تصلني شكاوى بأن رقائق الشيبس غير مقرمشة أو قديمة، لكن لا علاقة لي بهذا الأمر". تلتقي جميع تبريرات الباعة وأصحاب البسطات عند نقطة واحدة وهي عدم توفر ماكينات الطباعة، والاعتماد على هذه السلع لأنها الخيار الوحيد الأرخص ثمناً للأطفال.
هذا الغياب التام للمواصفات لا يقف عند حدود "الطعم السيء" أو "الريب"، بل يترجم فورًا إلى أجساد الأطفال على شكل نزلات معوية حادة وتسمم.
يُحذر طبيب الأطفال، الدكتور عدي دبور، قائلًا: "إن الأغذية غير الخاضعة للرقابة الصحية تشكل خطراً داهماً على صحة الأطفال، خاصة إذا كانت مكوناتها غير مطابقة للمواصفات، أو تحتوي على نسب مرتفعة من السكر والدهون، أو يتم تصنيعها وتخزينها في ظروف غير صحية تفتح الباب لتلوثها بالبكتيريا والفطريات والمواد الحافظة غير الآمنة".
ويوضح د. دبور أن العيادات والمستشفيات تستقبل حالات يعاني فيها الأطفال من آلام حادة في البطن واضطرابات الجهاز الهضمي، الغثيان المستمر والتقيؤ، والإسهال والنزلات المعوية الحادة، والتسمم الغذائي والجفاف الشديد الناتج عن فقدان السوائل، وصولاً إلى تضرر الجهاز المناعي عند تكرار التعرض لهذه الأغذية الملوثة.
وينبه الطبيب إلى أن هذه الأعراض تتضاعف بشكل خطير خلال فصل الصيف الحالي نتيجة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وسوء التخزين في البسطات والمحلات.

أمام هذا التحدي المتعلق بسلامة المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق، تشير الجهات الحكومية إلى جملة من الصعوبات التي أثرت على قدرتها الرقابية خلال الحرب. ويكشف مهندس الصناعات الغذائية في دائرة الطب الوقائي بوزارة الصحة، لؤي العمصي، عن تراجع وتيرة العمل الرقابي مقارنة بما قبل الحرب، قائلاً: "كنا قبل الحرب نعمل يوميًا، أما اليوم فنحن بالكاد نعمل ليومين في الأسبوع، ويسير ذلك وفقًا لمدى توفر سيارة تنقلنا إلى مقار العمل".
ولا يقتصر الأمر على نقص المركبات، إذ يوضح العمصي أن الوزارة، مراعاةً للظروف التي يواجهها أصحاب المصانع، قلّصت بعض اشتراطات العمل وألغت الفحص الطبي للعمال. فبعد أن كانت المصانع ملزمة بإخضاع العاملين لفحوص تثبت خلوهم من الأمراض المعدية، مثل الكبد الوبائي والأمراض الجلدية والمعوية، باتت الاشتراطات الحالية تركز على الجوانب الأساسية المتعلقة بنظافة المكان، دون التدقيق في بعض المتطلبات التي كانت مطبقة قبل الحرب. كما يقر بعدم توفر إحصائية دقيقة لدى الوزارة حول أعداد المصانع العشوائية المنتشرة في القطاع.
يأتي ذلك وسط تأكيد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 200 مرض مختلف يمكن أن ينجم عن تناول أغذية ملوثة بالبكتيريا أو الفيروسات أو الطفيليات أو المواد الكيميائية، ما يجعل الرقابة الغذائية إحدى الأدوات الأساسية لحماية الصحة العامة.
ومن الناحية العلمية والمهنية، يُفترض بكل منتج غذائي أن يحمل ملصقاً غذائياً (بطاقة بيان) يعرّف المستهلك بطبيعة المنتج ومحتوياته، متضمناً معلومات أساسية؛ كاسم المنتج، والمكونات، واسم الشركة المصنعة، وتاريخي الإنتاج والانتهاء، والوزن، وأي إرشادات أو تحذيرات ترتبط بالاستهلاك أو التخزين. إلا أن هذه البيانات تغيب عن عدد من المنتجات المتداولة في الأسواق المحلية اليوم.

وفي السياق ذاته، حاولت المراسلة الحصول على رد من وزارة الاقتصاد بشأن دورها الرقابي وآليات متابعتها للمنتجات مجهولة المصدر، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى موعد إعداد هذا التقرير.
تطرح هذه المعطيات تساؤلات حول مدى قدرة الجهات المختصة على تطبيق القوانين الفلسطينية الناظمة للرقابة الغذائية في الظروف الراهنة، ومنها قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004، ولا سيما المادة (17)، وقانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005، اللذان ينصان على مراقبة الأغذية وبطاقات البيان الخاصة بها.
وبطاقة البيان (الوسم) في القانون الفلسطيني هي بطاقة أو ملصق إلزامي يُوضع على المنتجات والسلع لتوضيح هويتها وخصائصها ومعايير السلامة الخاصة بها. ينظمها بشكل أساسي قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005 وقانون المواصفات والمقاييس رقم (6) لسنة 2000.
لا تُعد بطاقة البيان مجرد إجراء شكلي؛ إذ تعتبرها الأنظمة الغذائية الدولية حقًا أساسيًا للمستهلك، وتشترط أن تتضمن اسم المنتج ومكوناته وتاريخ الصلاحية وبيانات المُصنّع وتعليمات التخزين، بحيث تكون المعلومات واضحة ومثبتة مباشرة على العبوة أو على ملصق ملحق بها.

من جهته، يبرر المدير الإداري في مصنع "شومر" للشيبس، خالد مهنا، عدم طباعة البيانات على العبوات بالظروف القاهرة التي صاحبت الحرب، موضحاً أن آلات الأختام والطباعة المباشرة دُمّرت، إلى جانب النقص الحاد في الأحبار المخصصة للطباعة. غير أن استمرار غياب البيانات التعريفية عن عدد من المنتجات يثير تساؤلات حول البدائل المتاحة لضمان وصول المعلومات الأساسية للمستهلكين، خاصة الأطفال.
ويضيف مهنا أن المصنع يضع ورقة مطبوعة داخل الشوال الكبير الذي يحتوي على الأكياس المعبأة. إلا أن هذا الإجراء لا يتوافق مع ما أكدته وزارة الصحة، التي ترى أن وجود الورق والأحبار العادية داخل العبوة الكبيرة يضعها في تماس مباشر مع الأغذية، وهو ما يثير اعتبارات صحية تتعلق بسلامة المنتج.
في وقت تحاول فيه المصانع مواصلة الإنتاج وسط ظروف الحرب، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الجهات المختصة على ضمان الحد الأدنى من الرقابة وحماية المستهلك. فالأكياس الشفافة المنتشرة في الأسواق ليست مجرد وسيلة تغليف، بل تعكس واقعاً تغيب فيه المعلومات الأساسية عن منتجات يستهلكها الأطفال يوميًا.
وبين ضغوط الاقتصاد وتراجع أدوات الرقابة، يبقى حق المستهلك في معرفة ما يأكله أحد الملفات المفتوحة في غزة حتى اليوم.