تقرير تحليلي | محرر الشؤون الفنية -منصة آخر قصة
لم يكن لقاء الفنان العراقي كاظم الساهر مع الإعلامي أنس بوخش في بودكاست "ABtalks" مجرد حلقة ترفيهية اعتيادية. وصفها كثيرون بأنها "وثيقة إنسانية"، وكان ذلك التوصيف دقيقاً، ليس لأن "القيصر" كشف جانباً شخصياً مغايراً لصورته المعتادة فحسب، بل لأن ما قاله لامس بدقة شديدة جروحاً اجتماعية لا تزال مفتوحة في كثير من المجتمعات العربية: جرح الطفولة المسروقة، وجرح المرأة الصامتة.
طفل يصنع دميته من أسلاك الشارع
في إجابته على سؤال كيف كانت طفولته، لم يعتمد الساهر على رومانسية الفقر التي يلجأ إليها بعض المشاهير حين يستعيدون بداياتهم. قال إنه كان يجمع الأسلاك المتناثرة في شوارع الموصل ليصنع منها عجلة يلهو بها، وهو مشهد يختزل بكثافة ما يعنيه أن يكون الطفل مضطراً لابتكار لعبته بيده لا لأن في ذلك إبداعاً، بل لأن الفقر لم يترك له خياراً آخر.
ورغم مرور عشرات السنين على طفولة القيصر، لكن ظروفها تتقاطع مع ظروف الملايين من الأطفال من العالم، وبخاصة الأطفال في فلسطين والسودان ولبنان واليمن، والدول التي تعاني من الصراعات والفقر.
وكما اضطر القيصر إلى العمل منذ سن العاشرة لمساندة أسرته، حيث عمل في بيع السجائر والآيس كريم لمواجهة الظروف المادية الصعبة التي كانت تعيشها عائلة مكونة من اثني عشر فرداً. عشرة أبناء، وأبوان، وسقف واحد، وفقر يتوزع على الجميع بالتساوي .
هنا لا يتحدث القيصر عن نفسه وحده. هو يتحدث عن ملايين الأطفال القصر الذين يشبهونه، في العراق، وفلسطين التي يعيش أطفالها اليوم ما هو أقسى. الطفل الذي لا يجد دميته في متجر يبحث عنها في الأرض، وحين لا يجدها يصنعها. وهذا ليس شاعرية، هذا فقد حقيقي لشيء اسمه براءة الطفولة، خصوصا أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع إدخال دمى الأطفال إلى قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
وشكلت نشأة الساهر في بلدة فقيرة جداً، زرعت بداخله روح التحدي والمسؤولية منذ أن كان طفلاً، لكنه لم يقل ذلك بنبرة الامتنان المعتادة فقط، بل قال قبلها إنه حين كبر قليلاً صار يسأل: لماذا نحن فقراء؟ وهذا السؤال الذي يطرحه طفل يافع هو في جوهره سؤال العدالة، وهو السؤال الذي لا يُجاب عنه حين يُطرح، فيتحول إلى وقود يَحْرُق صاحبه طوال عمره إما نحو الإبداع أو نحو الانكسار.
المرأة التي أنقذت زوجها ثم أنقذته وحده مرات
الشق الثاني من اللقاء كان أكثر جرأة وأكثر إيلاماً، حيث تحدث الساهر عن أمه بوصفها "المرأة الجبارة" لكنه لم يكتفِ بالمديح العاطفي المعتاد، بل ذهب إلى مكان لا يذهب إليه الرجال عادةً حين يتحدثون عن أمهاتهم أمام الكاميرات.
وكشف أن والده كاد أن يُعدم بسبب تشابه في الأسماء، قبل أن تنجح والدته في إنقاذه بموقف وصفه بالشجاع، إذ توجهت إلى القصر الجمهوري وتمكنت من مقابلة الملك وشرح تفاصيل الواقعة، ليتم بعدها التأكد من براءة والده وإطلاق سراحه.
لكن الساهر لم يقف عند ذلك، واستذكر مشهداً أكثر تعقيداً: يوم جاء والده يريد أن يُقبّل قدمي زوجته اعتذاراً عما تسبب به لها من أذى طوال سنوات، فرفضت. ووصف والدته بـ"المرأة الجبارة" التي تحملت الكثير، خصوصاً بعدما تزوج والده أربع نساء، معلقاً "الرجال غير ملتزمين بشكل عام.
هذه الجملة الأخيرة، بكل ما فيها من اعتراف ذكوري نادر، هي ربما أكثر ما يستحق الوقوف عنده. رجل في مكانة كاظم الساهر يقول أمام الملايين إن الرجال غير ملتزمين، وإن النساء يدفعن الثمن، وإن أمه دفعت ثمناً لم تكن تستحقه، هذا ليس مجرد بوح شخصي. هذا موقف. يشكل تحديا للمزاج العام في مجتمع عربي لا تزال تغلب عليه العادات والتقاليد.
وفي الأراضي الفلسطينية على سبيل المثال، لا تزال الذكورية طاغية على المشهد في التعامل مع المرأة، إذ تشير الإحصاءات المحلية عن تنامي نسب العنف ضد النساء تحت ظلال الحرب، وبالتالي فإن النساء يواجهن هنا عنفا مزدوجاً.
ما يمنح هذا اللقاء الذي أجره الإعلامي "بوخش" أهميته الاستثنائية من منظور حقوقي، أنه لم يأتِ في سياق ندوة أو جلسة عابرة، بل جاء على لسان نجم في ذروة شهرته، أمام جمهور شبابي مليوني، وضمن قالب ترفيهي خفيف. وهذا بالضبط هو الجسر الذي يصعب بناؤه عادةً: أن تصل قضايا الفئات الهشة إلى من لا يبحث عنها.
قدّم الساهر جانباً شخصياً مختلفاً من شخصيته، يتجاوز صورته المعروفة كفنان وما حققه من إنجازات خلال مسيرته، واختار مواجهة ذاته بصراحة أمام المشاهدين، مقدّماً تجربة وصفها البعض بالنادرة في زمن تكثر فيه المظاهر والصور المصطنعة.
الأسئلة التي تركها القيصر معلقة
لم يُقدّم كاظم الساهر نفسه مناضلاً ولا ناشطاً. لكنه طرح، بطريقة غير مباشرة وعفوية، أسئلة لا تزال تنتظر إجابات حقيقية: ماذا نسمي المجتمع الذي يسرق من الطفل حق اللعب؟ وكيف نُحاسب الأنظمة التي تُنتج هذا الفقر جيلاً بعد جيل؟ وأي عدالة تلك التي تجعل المرأة تُنقذ الرجل ثم تبقى رهينة قراراته؟
هذه الأسئلة ليست أسئلة عادية، هي في جوهرها سياسة، واقتصاد، وثقافة متوارثة، وحين يطرحها فنان من حجم الساهر أمام جمهور الشباب العربي، فإنها تترك أثراً يصعب على أي حملة توعوية تقليدية أن تتركه. وربما هذا هو الدور الحقيقي للفن: ألا يُجيب، بل أن يجعل السؤال عالق في الأذهان.