"مش عاجبك؟ غيرك بياخد وهو ساكت". بهذه العبارة أنهى أحد العاملين في مؤسسة تُعنى بكفالة الأيتام نقاش مع سها أحمد (*)، بعدما سألت عن سبب ضآلة المبلغ الذي تتقاضاه، ولماذا حظي طفل واحد فقط من أطفالها الأربعة بالكفالة، بينما بقي الآخرون بلا أي دعم.

خرجت المرأة من المكان تحمل 140 شيكلًا (نحو 50 دولار) مخصصة لابنها الأصغر. مبلغ لا يكفي احتياجات أسبوع واحد، لكنها ابتلعت الإهانة بصمت، مثل كثير من الأرامل المعيلات اللواتي يخشين الاعتراض خوفًا من فقدان المساعدة القليلة التي يعتمدن عليها في إعالة أطفالهن.

في كل مرة تتوجه فيها لاستلام الكفالة، كانت تحاول أن تقترح على الموظفين أفكارًا لتحسين آلية الدعم ورفع قيمته. كما تتحدث مع أمهات أخريات ينتظرن دورهن، لكنها بدل أن تسمع ترحيب كانت تسمع تذمرًا مكتومًا وخوفًا واضحًا من الاعتراض، فالجميع يعرف هشاشة ما يحصل عليه.

تقول وهي تقبض على الأوراق النقدية القليلة: "هذا المبلغ بالكاد يكفي لأكلة واحدة في الأسبوع، فكيف يمكن أن يكفي شهرًا كاملًا؟ لا يوجد أي مصدر دخل آخر. حاولتُ الحصول على كفالة ثانية من مؤسسة أخرى ونجحت، فأصبح مجموع ما يصلني 300 شيكل، لكنه ما يزال لا يكفي احتياجات الأطفال من طعام وشراب وملابس شهريًا".

يعيش آلاف الأيتام في قطاع غزة داخل طبقات متداخلة من الفقد والعوز والانهيار الاقتصادي. الطفل الذي فقد والده لا يواجه الحزن وحده، بل يجد نفسه أيضًا داخل واقع معيشي قاسٍ، خصوصًا حين لا يترك المعيل خلفه دخلًا ثابتًا يحمي الأسرة من الانهيار.

ومع اتساع أعداد الأرامل خلال الحرب، تحولت آلاف النساء إلى معيلات وحيدات لأسرهن. وتشير تقديرات وتقارير محلية ودولية حتى أبريل 2026 إلى وجود أكثر من 22 ألف أرملة في قطاع غزة، يعتمد على كثير منهن عشرات آلاف الأطفال والأسر في ظل غياب أي مصدر دخل ثابت.

ومع الارتفاع الحاد في تكاليف الحياة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تتحول الكفالات إلى مورد أساسي لكثير من الأمهات. غير أن هذه المساعدات تبقى محدودة، عاجزة عن تأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات اليومية، بينما تفرض بعض الجهات نظامًا يقضي بكفالة طفل واحد فقط من كل عائلة، تاركة بقية الأطفال خارج أي دعم، رغم أن المساعدات تُجمع أصلًا باسمهم.

وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية، بلغ عدد الأيتام في قطاع غزة 64,616 طفلًا، بينهم 55,157 منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023. وفي محافظة غزة وحدها، سُجل 21,125 يتيمًا، أي ما نسبته 32.7% من إجمالي الأيتام في القطاع.

على مفترق التشريعي وسط مدينة غزة، جلست خديجة محمد (*) داخل سيارة متهالكة تنتظر انطلاقها نحو المحافظة الوسطى، حيث ستتسلم كفالة بقيمة 140 شيكلًا من إحدى المؤسسات في دير البلح. داخل "عجّالة" محلية صنع تجرها مركبة، راحت قدماها تهتزان بعصبية بينما يواصل السائق انتظار اكتمال عدد الركاب قبل التحرك.

وضعت طفلها ذي الخمسة أعوام فوق ساقيها وقالت بصوت متعب: "لولا الحاجة لما ذهبت أصلًا. سأدفع 30 شيكلًا لقاء المواصلات كي أحصل على الكفالة، فماذا سيتبقى منها؟ أهل الخير يساعدونني أحيانًا بطرود غذائية أو مبالغ بسيطة، وبالكاد أستمر".

في مثل هذه الرحلات، لا تقف الكلفة عند حدود المواصلات أو تعب الطريق فقط، بل تمتد إلى تفاصيل أخرى تجعل الكفالة نفسها أقرب إلى عبء إضافي. فبعض الأسر تضطر إلى قطع مسافات طويلة لاستلام مبالغ زهيدة، في حين تُطلب أحيانًا إجراءات توثيق بالصور عند الاستلام، ما يضع الأمهات في مواجهة مباشرة بين الحاجة إلى الدعم والحفاظ على خصوصيتهن وكرامتهن. 

وفي المقابل، تتباهى بعض المؤسسات بعدد الأيتام الذين تكفلهم، بينما تبقى قيمة الدعم الفعلية بعيدة عن تغطية الاحتياجات الأساسية، وفق ما يتكرر في شكاوى مستفيدين واحتكاكهم اليومي بهذه المنظومة.

نوران حسن (*)، أم لطفلين يتيمين، سجلت أسماء أطفالها لدى أكثر من مؤسسة، فيما وافقتا اثنتان فقط على تقديم كفالات لا تتجاوز 150 شيكلًا، إضافة إلى طرود غذائية تحتوي غالبًا على البقوليات الزهيدة الثمن.

كانت تضطر إلى التنقل من مدينة غزة نحو المحافظات الجنوبية لاستلام المساعدة، مصطحبة طفليها معها. وفي كل مرة كانت تكلفة الطريق تلتهم معظم ما تحصل عليه.

تقول: "توقفت عن الذهاب نهائيًا. ما يصلني يُصرف على المواصلات، فضلًا عن تعب الطريق. هذه ليست كفالة حقيقية، بل فتات مال، أما فكرة كفالة طفل واحد فقط من الأسرة فهي ظلم كبير".

وتذهب أبعد من ذلك حين تتحدث عن غياب الرقابة: "هناك من يجمع أموالًا طائلة باسم الأيتام، بينما تصلنا مبالغ لا تُذكر. فتح جمعية باسم الأيتام أصبح أسهل مشروع للبعض. أين الرقابة؟ وأين وزارة التنمية الاجتماعية من كل ما يحدث؟".

في الخلفية الأوسع لهذا المشهد، تختفي صورة أخرى عن واقع الأرامل في غزة. فبحسب تقرير صادر عن مركز شؤون المرأة حول واقع النساء الأرامل خلال الحرب على قطاع غزة 2023-2024، وشمل 300 أرملة، تعاني نحو 70% منهن اضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب، فيما تواجه 89% منهن فقرًا حادًا وانهيارًا اقتصاديًا، مع اعتماد شبه كامل على المساعدات الإغاثية لتأمين احتياجاتهن واحتياجات أطفالهن.

وتقول المختصة النفسية نورا أبو عيطة إن هذا النمط من التداخل بين الصدمة النفسية والفقر المزمن يخلق دائرة ضغط مستمرة، حيث لا تحصل النساء على مساحة كافية للتعافي، في ظل انشغالهن اليومي بتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يعمّق أعراض القلق والاكتئاب ويجعل التعافي النفسي عملية مؤجلة باستمرار.

حملنا في جعبتنا أوضاع الأرامل المعيلات واستفساراتهن وذهبنا بها إلى مكتب المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية، رجاء العابد، التي قالت لـ "آخر قصة" إن الوزارة لا تمتلك نظامًا قانونيًا يُلزم المؤسسات بآلية محددة لكفالات الأيتام، مشيرة إلى غياب نص قانوني يتيح فرض قواعد ملزمة على الجمعيات العاملة في هذا الملف.

وبحسب العابد، تقتصر مهمة الوزارة على التأكد من سلامة أوضاع المؤسسات وتسجيلها لدى الإدارة العامة للجمعيات، بما يشمل حصولها على ترخيص رسمي من وزارة الداخلية، وهو إجراء معمول به في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما تحدثت عن متابعة ميدانية تنفذها الوزارة عبر مرشدي الأيتام في المحافظات المختلفة، من خلال التنسيق مع المؤسسات وتزويدها بكشوفات الأيتام المسجلين للاستفادة من الكفالات المتاحة.

في الجهة المقابلة، يدافع وسام القططي، المتحدث باسم جمعية البركة، عن آلية عمل الجمعية، موضحًا أن المؤسسة تقدم 1400 شيكل سنويًا لكل يتيم، تُصرف دفعة واحدة.

ويقر بأن المبلغ الذي يُقدَّم للأسر محدود مقارنة بحجم الاحتياجات، لكنه يربط ذلك بالإمكانات المتاحة، مؤكدًا أن الجمعية لا تعتمد نظام "طفل واحد لكل أسرة"، بل يمكنها كفالة أكثر من طفل بحسب عدد أفراد العائلة.

كما يشير إلى إطلاق تطبيق يحمل اسم "كفالة"، يربط الكافل بالمكفول مباشرة بهدف تعزيز الشفافية، إذ يسمح التطبيق لليتيم أو ذويه بإدخال البيانات، بينما يختار الكافل الحالة التي يريد دعمها، مع بقاء دور الجمعية إداريًا وتنظيميًا للتأكد من أحقية الاستفادة.

ويشير القططي إلى أنّ الجمعية تمكنت مؤخرًا من كفالة نحو خمسة آلاف يتيم، مع خطط لتوسيع العدد إلى عشرة آلاف، بالتوازي مع برامج تعليمية وصحية مخصصة للأطفال.

من ناحيةٍ قانونية، يرى المحامي حماد ضهير أن غياب قاعدة بيانات موحدة للأيتام المكفولين يفتح الباب أمام ازدواجية الاستفادة، أو حرمان بعض الأطفال من حقهم، وحتى تسجيل حالات وهمية للحصول على التمويل.

كما يحذر من ضعف الرقابة الميدانية على الأسر المستفيدة، ما يعني أن الكفالة قد تُصرف من دون التأكد من وصولها الفعلي للطفل أو استخدامها لمصلحته.

ويشير أيضًا إلى غياب إلزام قانوني للمؤسسات بنشر تقارير شفافة توضح قيمة الكفالات وعدد المستفيدين وآليات الصرف، الأمر الذي يضعف المساءلة، ويتيح لبعض المبادرات العمل خارج أي إشراف رسمي أو ترخيص قانوني.

ويضيف أن قطع الكفالة بشكل مفاجئ من دون إشعار مسبق قد ينعكس مباشرة على تعليم الطفل أو علاجه أو احتياجاته الأساسية، ما يستدعي وجود ضمانات قانونية تحمي الأسر من هذا الانقطاع المفاجئ.

أما استخدام صور الأطفال وبياناتهم لأغراض دعائية، فيصفه بأنه انتهاك واضح للخصوصية والكرامة الإنسانية، خصوصًا حين يتم تحت ضغط الحاجة والفقر.

في غزة، لا يتقدّم اليتيم إلى الواجهة بقدر ما يُطلب منه أن يثبت حاجته. بين صور تُلتقط عند الاستلام، وانتظار طويل، ومبالغ لا تكاد تغطي كلفة الطريق، تتحول الكفالة إلى سلسلة من التفاصيل التي تثقل ما يفترض أنه دعم للحياة. ومع كل ذلك، تبقى الأمهات في موقع لا يسمح بالاعتراض، خشية أن ينقطع ما هو أقل من الكفاية أصلًا. وهكذا، لا تُستعاد الطفولة عبر هذه المساعدات، بل يُعاد إنتاج العوز في شكل أكثر قسوة.