لساعات ظلّت رانيا السوافيري (45 عامًا) تمشي بين أسواق مدينة غزة تحت شمس تموز الحارقة، تسأل بائعًا بعد آخر عن قدّاحة "ولاعة". اعتادت شراءها بسهولة، لكنها اليوم لا تجدها. والإجابة واحدة في كل مكان: "غير موجودة".

استمرت في البحث حتى عثرت أخيرًا على قدّاحة لدى بائع سجائر، بدت لها كأنها كنز صغير. دفعت مقابلها ثلاثين شيكلًا، بعدما كان سعرها لا يتجاوز شيكلًا واحدًا قبل انقطاعها من الأسواق. لم يكن ارتفاع السعر وحده ما يشغلها، فقد أصبحت رحلة العثور على سلعة بسيطة مهمة يومية صعبة.

تقول السوافيري إن نقص السلع الصغيرة جعل أبسط الأعمال المنزلية تحتاج إلى جهد إضافي، موضحة أن إشعال موقد الطهي لم يعد أمرًا سهلًا كما كان في السابق بسبب ندرة القداحات وارتفاع أسعارها.

وتضيف: "اضطررت أكثر من مرة إلى جمع الولاعات الفارغة والاحتفاظ بها على أمل إعادة تعبئتها، كما استخدمت الجمر أو النار المشتعلة من موقد آخر لإشعال الحطب بدلًا من استخدام قداحة جديدة."

وتوضح أنها أصبحت أكثر حرصًا على عدم إهدار أي شيء، والاحتفاظ بكل أداة يمكن الاستفادة منها مرة أخرى، لأن شراء بديل أصبح مكلفًا أو غير ممكن.

وتتابع: "أصبحت أبحث عن بدائل أخرى بشكل دائم، فإذا لم أجد الولاعة أو أي أداة بسيطة، أبحث عن طريقة أخرى لإنجاز المهمة، حتى لو كانت أكثر صعوبة أو تستغرق وقتًا أطول."

وترى السوافيري أنّ القدّاحات، والبطاريات، وبعض الأدوات المنزلية البسيطة التي كان الناس يشترونها دون تفكير أو تكلفة تُذكَر، أصبحت اليوم صعبة المنال، ونادرة، أو تُباع بأسعار لا تتناسب مع إمكانيات معظم الأسر.

وكانت السيدة قد مرّت على بسطة في حي الرمال وسط مدينة غزة، حيث يعمل صخر المدهون (30 عامًا) في إصلاح القداحات، وهو عملٍ لم يكن تحظى باهتمام كبير قبل الحرب.

يقول إن طبيعة عمله تغيّرت بصورة كبيرة مع ارتفاع أسعار القداحات، فبدلًا من شراء قداحة جديدة، أصبح كثير من الناس يبحثون عن إصلاح القديمة أو إعادة استخدامها، لأن سعر الجديدة أصبح مرتفعًا مقارنة بالسابق.

ويوضح المدهون أن الأعطال الأكثر شيوعًا تتمثل في نفاد الغاز، أو تلف حجر القداحة، أو وجود مشكلة في الشرارة، وهي أمور بسيطة كان الناس في السابق لا يهتمون بإصلاحها، لكنها اليوم أصبحت تستحق الصيانة.

ويتابع أن كثيرًا من الناس يفضلون إصلاح القداحة القديمة، حتى لو كانت بسيطة أو مستخدمة، لأن شراء واحدة جديدة أصبح مكلفًا أو صعبًا بسبب قلة توفرها.

يوضح: “نحاول استخدام القطع المتوفرة وإعادة الاستفادة من القداحات التالفة، فنأخذ بعض الأجزاء من قداحات قديمة ونستخدمها لإصلاح أخرى، لأن توفير القطع الجديدة أصبح أصعب من السابق”.

أما جنوب مدينة غزة، يقف مسعود مصلح (45 عامًا) داخل ورشة صيانة السيارات، يتصبب عرقًا بينما تنتظر مركبات عدة دورها في الإصلاح. أصبحت قطعة صغيرة مفقودة كفيلة بتعطيل العمل، حتى عندما يكون العطل بسيطًا.

يقول مصلح إن ندرة قطع السيارات أثرت بصورة مباشرة على عمله اليومي، فكثير من أعمال الصيانة تتأخر أو تتوقف بسبب عدم توفر قطعة صغيرة، رغم أن العطل نفسه قد يكون بسيطًا.

ويضيف: "كثيرًا ما تتوقف أعمال الصيانة بسبب عدم توفر قاطع حماية كهربائي صغير (فيوز)، أو فلتر زيت، أو حلقة أو قطعة مطاطية (جلدة Oil Seal -أويل سيل) تُستخدم لمنع تسرّب الزيت أو السوائل من أجزاء السيارة المتحركة، أو براغٍ وصواميل بمقاسات محددة، أو حتى زيت المحرك المناسب. هذه قطع بسيطة ومنخفضة الثمن في الظروف الطبيعية، لكن غيابها اليوم يمنع إنجاز الإصلاح بالكامل."

ومع استمرار النقص، تغيّرت طريقة عمل أصحاب المهن. يوضح مصلح أنهم أصبحوا يلجؤون إلى فك قطع من السيارات القديمة أو التالفة وإعادة استخدامها، أو البحث عنها في أكثر من ورشة، وفي بعض الحالات استخدام قطع مستعملة إذا كانت بحالة جيدة بسبب استمرار النقص.

يمسح قطرة عرق عن جبينه ويتابع حديثه قائلًا إنّ تكلفة الصيانة ارتفعت بصورة كبيرة بسبب ارتفاع أسعار القطع وندرتها، موضحًا أن الاعتماد على القطع المستعملة أو البدائل لا يكون دائمًا بالجودة المطلوبة، لكنه يبقى الخيار الوحيد في كثير من الأحيان.

ويضيف: “أصبحنا نركز على إصلاح القطع الموجودة بدلًا من استبدالها، ونبذل جهدًا أكبر لإطالة عمرها، لأن الحصول على قطعة جديدة أصبح صعبًا ومكلفًا”.

ما يواجهه السكان والعمال في قطاع غزة لا يقتصر على الورش أو المنازل، فهو يعكس تغيرًا أوسع في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تحولت سلع صغيرة كانت متوافرة دائمًا إلى عناصر يصعب العثور عليها، وأصبحت قادرة على تعطيل أعمال ومهام كاملة.

إبراهيم أبو جهل (35 عامًا)، من سكان وسط مدينة غزة، واجه مشكلة في تشغيل أحد المصابيح (الكشافات) الصغيرة التي تعمل بالبطاريات بعد اختفاء بطارياتها من الأسواق. كانت هذه الكشافات تُباع قبل الحرب بأسعار تتراوح بين 2 و5 شواكل، وكانت بطارياتها سلعة رخيصة لا يلتفت إليها أحد، أما اليوم فقد أصبحت البطاريات مفقودة، واختفت معها الكشافات نفسها من بعض الأسواق.

يقول أبو جهل إن نقص السلع الصغيرة غيّر طريقة إدارة الأسر لاحتياجاتها اليومية، فأصبح الناس يحافظون على ما يملكونه، ويؤجلون شراء الأشياء غير الضرورية، ويحاولون إصلاح الأدوات بدلًا من استبدالها.

مع اختفاء كثير من السلع الصغيرة، ارتفعت أسعار المتوفر منها بصورة حادة. فالقدّاحة التي كان سعرها شيكل واحد قبل الحرب تُباع اليوم بين 30 و50 شيكلًا، فيما ارتفع سعر لتر زيت محركات السيارات من 7–15 شيكلًا إلى 2500 شيكل.

كما ارتفع سعر بطاريات (AA) من نحو ثلاثة شواكل إلى ما بين 70 و100 شيكل، وزاد سعر البراغي من 20 قطعة بشيكل واحد إلى خمس قطع بالشيكل، فيما ارتفع سعر متر السلك الكهربائي من ثلاثة شواكل إلى 25 شيكلًا؛ ما يعني أنّك اذا احتجت شراء سلك حجم (50 أمتار) ستضطر إلى دفع نحو 500 دولار، وهو مبلغ باهظ جدًا في ظلّ الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعاني منها عموم سكان القطاع.

تكشف هذه الزيادات تحول السلع الصغيرة إلى مؤشرات على أزمة أوسع تمس حركة التجارة في قطاع غزة، وتوفر الإمدادات، وقدرة السكان على تلبية احتياجاتهم اليومية. وتأتي في وقت يمر فيه اقتصاد القطاع بواحدة من أسوأ أزماته؛ إذ بلغت البطالة نحو 78% خلال عام 2025، فيما أصبح معظم السكان يعيشون في الفقر بعد انهيار النشاط الاقتصادي، وأصبح أكثر من 90% من السكان في سن العمل بلا وظائف، وفقًا للبنك الدولي. في هذا الواقع، تحولت القدّاحة والبطارية والبرغي من سلع بسيطة إلى تحدٍ يومي لقدرة الأسر على تلبية أبسط احتياجاتها.

تاجر الجملة جمال اليازحي (50 عامًا) يقول إن السبب الرئيسي في نقص السلع هو تراجع دخول البضائع إلى القطاع، موضحًا أن الكميات التي كانت تصل سابقًا لم تعد متوفرة بالشكل نفسه، ومع استمرار الطلب بدأ المخزون الموجود لدى التجار بالنفاد تدريجيًا.

ويضيف أن المشكلة بدأت تظهر بصورة واضحة مع صعوبة إدخال كميات جديدة من البضائع، ومع مرور الوقت أصبحت الكثير من الأصناف قليلة أو غير متوفرة، خاصة السلع التي تعتمد على الاستيراد بشكل كامل.

ويتابع أن العديد من السلع الصغيرة أصبحت نادرة واختفت من الأسواق، مثل القداحات، والبطاريات، وبعض قطع الغيار الصغيرة، والأسلاك الكهربائية، وبعض مستلزمات الصيانة المنزلية والسيارات التي أصبح من الصعب توفيرها.

ويشير اليازحي إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتوريد انعكس بصورة كبيرة على الأسعار، فحتى عند توفر السلعة تكون كلفتها أعلى بكثير من السابق، وهو ما ينعكس مباشرة على سعر بيعها للمستهلك.

كما يوضح أن هناك أصنافًا أصبحت لا تدخل إلى القطاع، أو تدخل بكميات محدودة جدًا، ما يجعل الحصول عليها صعبًا ويؤدي إلى ارتفاع أسعارها في السوق.

اقتصاديًا، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن اختفاء السلع الصغيرة يعكس حالة أعمق من مجرد ارتفاع الأسعار، بل يكشف عن تشوه في حركة السوق نتيجة اضطراب العرض والطلب، حيث تختفي بعض السلع الأساسية في وقت تظهر فيه سلع أخرى بكميات تفوق حاجة السوق.

ويوضح أن المشكلة لا ترتبط فقط بسعر السلعة، بل بقدرة السوق على توفيرها، مشيرًا إلى أن غياب قطعة صغيرة مثل مسمار أو قطعة غيار بسيطة قد يؤدي إلى تعطيل أعمال كاملة.

ويؤكد أن نقص هذه السلع يؤثر على قطاعات واسعة، فبعض المنتجات الصغيرة، مثل زيوت المحركات وقطع الصيانة، رغم بساطتها، تعد عناصر أساسية لاستمرار قطاعات مثل النقل والإنتاج.

ويضيف أن غياب صنف أو صنفين من مستلزمات الإنتاج قد يؤدي إلى تعطّل العملية بأكملها، ما يزيد من حالة الركود ويعزز نمط "اقتصاد البقاء"، حيث يعتمد الناس على الإصلاح وإعادة الاستخدام بدلًا من الاستبدال والشراء.

في غزة، لم تعد قيمة الأشياء تُقاس بحجمها أو بسعرها فقط. فالقداحة، والبطارية، والبرغي، وقطعة الغيار الصغيرة، تحولت إلى مؤشرات على أزمة اقتصادية أوسع. أشياء كانت تُشترى بسهولة وتُستبدل دون تفكير، أصبحت اليوم تحتاج إلى بحث طويل، وانتظار، وبدائل.

وبينما يحاول السكان إطالة عمر ما يملكونه عبر الإصلاح وإعادة الاستخدام، تكشف هذه التفاصيل الصغيرة حجم التحول الذي أصاب الاقتصاد المحلي؛ إذ يمكن لاختفاء سلعة بسيطة أن يعطل مركبة، أو يؤخر إصلاح منزل، أو يغيّر الطريقة التي تدير بها أسرة حياتها اليومية.