بينما تتعدّد تعريفات "كبار السن" بين المنظور الديموغرافي والقانوني والفسيولوجي، يُعرِّف تقرير "الإستراتيجية العربية لكبار السن: 2019-2029"، المُسنّ بأنّه "كلّ شخص بلغ ستين سنة فما فوق"، ويبلغ عدد المُسنّين في المنطقة العربية حوالي 21 مليونًا، من إجمالي مليار نسمة حول العالم، ويُرجَّح ارتفاعه إلى 71.5 مليونًا حتى 2050.

هذه الأرقام، تخفي وراءها واقعًا إنسانيًا هشًا؛ فالمنطقة العربية تشهد منذ عقودٍ أوضاعًا أمنية واقتصادية غير مستقرّة، تتجاوز تداعياتها انتهاء الأحداث لتمتدّ عقودًا بعدها؛ ومن أكثر فئات المجتمع هشاشةً في هذه الظروف هُم كبار السن، إذ يواجه مئات الآلاف منهم أوضاعًا معيشية قاهرة في ظل النّزوح والتهجير القسري، والتشتّت الأسري، وانعدام الأمن، وانهيار منظومات الصحّة والرعاية.

وتُشير التقارير إلى أنّ 20% من المُسنّين يعانون من اضطرابات نفسية أو عصبية، و3% منهم من ذوي الإعاقة، مع ارتباط وثيق بين تدهور الحالة البدنية وازدياد معدلات الاكتئاب بين من تجاوزوا سنّ 60 عامًا في الدول العربية، ويعيش مئات الآلاف من المُسنّين أقسى الظروف، في سنٍ يحتاجون فيها أكثر إلى الرعاية النفسية والمادية والصحية.

واقع كبار السن في غزة

في قطاع غزة، الذي يشهد حربًا مستمرة منذ أكتوبر 2023، وجد 122 ألف مسنّ أنفسهم على هامش الخدمات والرعاية، ويُوثّق تقرير سابق أعدّته "آخر قصة"، معاناة كبار السن بغزة في ظلّ الحرمان من الرعاية الاجتماعية، وانقطاع المُساعدات، وشُحّ الدواء، وتدمير غالبية المؤسسات الصحية والاجتماعية التي ترعاهم.

ويُعاني حوالي 105 آلاف مُسنّ بغزة من أمراض مزمنة، و54% منهم من صعوبة أو إعاقة واحدة على الأقل، إلى جانب تعرّض غالبيتهم للأذى الجسدي والنفسي والمادي، وهُنا تبرُز أهمية "احتواء كبار السن"، والتواصل معهم اجتماعيًا، كضرورة مُلحّة، لحمايتهم صحيًا ونفسيًا، خاصة بعد أن أعادت الحرب تشكيل حياتهم، وجعلت من أبسط المهام في رعايتهم عبئًا ثقيلًا على العائلات.

ملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية

في الظروف الطبيعية، يشكل المنزل، والمحيط الاجتماعي، والروتين اليومي (كوب الشاي الصباحي، زيارة الجيران، رعاية النباتات) الحاضنة النفسية التي تمنح المُسنّ شعورًا بالاستقرار والأمان، وهو ما ينهار خلال حالات الطوارئ والأزمات، مما يؤدي إلى اقتلاعه القسريّ من مكانه ومحيطه بصدمات مركّبة وعميقة، أهمها:

القلق المزمن والاكتئاب: يتعرّض بعض كبار السن لمخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق نتيجةً لقسوة الظروف المعيشية، والتحوّل القسري في نمط الحياة الذي يُفقِد المسن شعوره السيطرة على حياته، وينتزع منه إحساسه بالأمان، ممّا ينعكس على وظائفه المعرفية والعاطفية، ويُثير فيه المشاعر السلبية كالحزن والقلق والوحدة، وصولًا للاكتئاب؛ وتُشير التقارير إلى أن 3% من المُسنين مُصابون بالاكتئاب، فيما تشمل أعراض الاكتئاب 27% منهم، كما يزداد معدل الوفيات بين كبار السن الذين يعانون من الاكتئاب والوحدة.

ويتحدّث المختصّون عن "اكتئاب مُقنَّع"، أعراضه لا تُشبه الاكتئاب التقليدي، وتظهر بأعراض جسدية متكررة (آلام، تعب، ضعف عام، صداع، اضطرابات عصبية)، وقد تظهر كذلك عبر العزوف عن الطعام والشراب، أو التقلّبات المزاجية الحادة والبلادة العاطفية.

وتشمل التغيرات النفسية والسلوكية للمسنّين المُكتئبين: تغيّر عادات الأكل التي قد تؤدي للسمنة أو فقدان الشهية، والأرق، وفقدان الذاكرة، وبطء ردود الفعل.

الانسحاب الاجتماعي: ومن علامته الاكتفاء بالإجابات المختصرة، والامتناع عن المشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، وتفيد منظمة الصحة العالمية بأنّ "العزلة الاجتماعية والوحدة يؤثران على 25% من كبار السن، وهما من عوامل الخطر الرئيسية لاعتلالات الصحة النفسية التي تصيبهم".

الشعور بالعجز وفقدان الاستقلالية: خاصة في سياق النزوح والظروف المعيشية القاسية؛ إذ يشعر المُسنّون كأنّهم تحوّلوا إلى عبء إضافي على عائلاتهم المُنهَكة، خاصة أصحاب المرضى منهم.

اضطراب النوم والأرق: ويُشخّض المختصّون الأرق عندما يجد المُسنّ صعوبة في النوم لثلاث ليالٍ أو أكثر في الأسبوع، وإذا طال أمد هذه الأعراض لثلاثة أشهر أو أكثر تُشخّص بالأرق المزمن.

كيف نحمي الصحة النفسية لكبار السن؟

في ظل غياب الدعم المؤسسي، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق العائلات لكسر جدار العزلة والحدّ من التأثيرات التراكمية للمشاعر السلبية على المُسنّين، وتذكر منظمة الصحة العالمية في تقرير حديث حول الصحة النفسية لكبار السن أنّ التواصل الاجتماعي فعّال في الحدّ من خطر العزلة والوحدة. ويمكن للأنشطة المشتركة تحسين الصحة النفسية ونوعية الحياة بدرجة كبيرة؛ كما تحدّ من أعراض الاكتئاب.

لذا يُقدّم المُختصّون، آليات بسيطة للتعامل والتواصل اليومي مع كبار السن، وتشمل:

الإنصات الفعّال: منح المُسنّين مساحةً للحديث، خاصة الأحاديث عن الماضي وذكرياتهم الجميلة؛ فهذا يعيد ترميم شعورهم بالهوية والاستقرار، وتؤكد دراسة حديثة أهمية مساحات الحديث مع كبار السن في تعزيز قدرتهم على الصمود في وجه تحديات الحياة. 

إشراكهم في مهام خفيفة: إعطاء المُسنّ دورًا بسيطًا داخل الخيمة أو البيت (ترتيب زاوية، سرد حكاية للأحفاد، إصلاح شيء بسيط، الطهي للعائلة)، ليشعر بأنّه ما زال مؤثرًا، وموجودًا.

الاحتواء الجسدي البسيط: العناق، لمسة حانية وتربيتة على الكتف، تُعوّض الكثير من شعور الأمان المفقود.

إيجاد روتين مشترك: تخصيص وقت يوميًا لتوفير جو عائلي ودافئ للمُسنّ، ومحاولة خلق طقس ثابت من اهتماماته، مثل: وقت محدد لتناول مشروب معهم مع الاستماع إلى موسيقى، أو تخصيص 15 دقيقة للحديث والنقاش بعيدًا عن الأخبار، أو مشاركتهم في نشاط خفيف (طهي، زراعة، نزهة قصيرة، والمشي الخفيف المفيد لصحته).