وقفت عايدة الصفدي، البالغة من العمر 63 عامًا، تلتقط أنفاسها المتقطعة بصعوبة. اتكأت بيديها على كرسي قريب، وهي تشعر بنوبة اختناق، لكنها ظلت تقاتل لتستنشق نَفَسًا جديدًا. وحين هدأت النوبة، لم تسكن الرعشة جسدها، فجرّت قدميها نحو الشارع لتنتظر سيارة أجرة تنقلها إلى بيتها، بعد أن أنهت جلسة غسيل الكلى المقررة لها لليوم.
تقول عايدة بتنهيدة طويلة تختزل الكثير من الألم: "اليوم كنت على وشك الموت بعد الانتهاء من جلسة غسيل كلى استمرت ساعتين ونصف فقط. مؤخرًا، قلصوا لنا عدد جلسات غسيل الكلى الأسبوعية لتصبح مرتين أسبوعيًا ولمدة ثلاث ساعات وأقل للجلسة الواحدة، بعدما كنا نخضع لها ثلاث مرات أسبوعيًا وبواقع أربع ساعات كاملة لكل جلسة".
تضيف وهي تشير نحو قلبها، واصفةً الوضع الصحي الذي تعيشه: "لقد أصبت بماء على الرئتين، وضعفت عضلة قلبي، فضلًا عن إصابتي بانتفاخ في الجسد. أنا في الأصل مصابة بمرضي ضغط الدم والسكري، وكل شيء بات يضغط على أنفاسي بشكل لا يُحتمل. إن تقليص جلسات غسيل الكلى أثر عليَّ بشكل مباشر، وستكون العواقب كارثية لو استمر الوضع على هذا النحو. لقد بدأت الأعراض الجسدية تظهر عليَّ منذ تقليص أول جلسة، ولا أعلم ماذا سيجري لي لاحقًا؛ هذا الوضع ينهكني نفسيًا وجسديًا".
يأتي هذا التدهور الحادّ في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة الفلسطينية عن توقف 50% من أجهزة غسيل الكلى عن العمل بشكل كامل، وذلك نتيجة النقص الحاد والمستمر في مادة بيكربونات الصوديوم الأساسية لتشغيل هذه الأجهزة، حيث يعني غياب هذه المادة حدوث خلل بنيوي مباشر في المنظومة الصحية ككل.
طبيًّا، من المفترض والواجب أن يخضع مريض الفشل الكلوي لثلاث جلسات أسبوعيًا بواقع 12 ساعة إجمالًا، وذلك لضمان وقايته من الانتكاسات الصحية الخطيرة. ومع ذلك، وفي ظلّ الشح الشديد في مادة بيكربونات الصوديوم وعدم القدرة على تشغيل الأجهزة المعطلة، بات النصيب الحالي لكل مريض جلستين فقط أسبوعيًا بواقع ثلاث ساعات أو أقل في بعض الأحيان للجلسة الواحدة، مما يدفع بالمرضى نحو مضاعفات صحية وخيمة ويدخلهم في دوامة لا تنتهي من الأمراض العضوية.
وتتركز خدمات الرعاية الصحية وغسيل الكلى لمرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة ضمن مستشفيات رئيسية محددة؛ وهي مستشفى الشفاء الواقع في شمالي غزة، ومستشفيا ناصر وشهداء الأقصى في جنوبي القطاع، وذلك بعد أن تدمّر مستشفى نورة الكعبي بالكامل، والذي كان مجهزًا بالكامل لعلاج مرضى الكلى قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية الحالية.
على نحوٍ مشابه تمامًا لقصة عايدة، يقف وائل سكيك البالغ من العمر 62 عامًا عند بداية الشارع المؤدي إلى بيته المتضرر في حي تل الهوا بمدينة غزة. يقف ليلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة بعد انتهائه من جلسة غسيل الكلى لهذا اليوم في مجمع الشفاء الطبي. سكيك، الذي تعايش مع المرض لأكثر من أربعة أعوام وكان معتادًا على الجلسات بانتظام قبل الحرب، يجد نفسه اليوم يعيش أزمة مضاعفة ومريرة لم يشهد لها مثيلًا من قبل عقب قرار تقليص الجلسات.
يقول سكيك، وهو ينهمك في التنسيق لوقفة احتجاجية ينظمها مرضى الكلى للمطالبة بإنقاذهم من الموت المحقق: "لقد فقدنا العديد من مرضى الفشل الكلوي خلال هذه الحرب، ولا نود أن نفقد المزيد منهم. أنا اليوم أضحيت لا أقوى على المشي أبدًا، ومع تخفيف عدد الجلسات أصبحت أعاني من احتباس شديد للسوائل في جسدي، وتأثر ضغطي وقلبي بشكل حاد".
ويتابع واصفًا النقص الذي يمتد لأبسط المواد الطبية: "لا يتوقف الأمر عند حد تقليل جلسات الغسيل لنا فحسب، بل إننا نعاني كذلك من نقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية كالإبر والشاش الطبي؛ فنحن ننتهي من الجلسة ولا نجد شاشًا نضعه مكان الإبرة لقطع النزيف. ماذا ينتظر العالم لكي ينقذنا؟ سنموت جميعًا إن بقي الوضع على هذا النحو الكارثي".

وتؤكد لغة الأرقام حجم المأساة؛ فبحسب إحصائية سابقة صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، كان هناك 1100 مريض بالفشل الكلوي قبل اندلاع الحرب، إلا أن هذا الرقم انخفض لاحقًا ليصل إلى حوالي 700 مريض فقط، بعد وفاة 472 مريضًا منهم، وهو ما يمثل معدل خسارة بشرية يصل إلى 41%، نتيجة مباشرة لنقص جلسات غسيل الكلى وغياب الأدوية الحيوية المخصصة لهم.
لم تكن إنعام العطار، الشابة ذات العشرين عامًا، بأفضل حال من سابقيها. ففي مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط القطاع، تصل إنعام إلى جلسة غسيل الكلى وهي منهكة تمامًا من أثر المشي والتعب؛ إذ لم يتوفر لها مؤخرًا مواصلات إلا لنصف المسافة فقط، مما يضطرها للسير على أقدامها مكرهة طوال الجزء المتبقي من الطريق وصولًا إلى خيمتها، وهي تلتقط أنفاسها بأعجوبة.
تخضع العطار لجلسات غسيل الكلى منذ تسع سنوات، لكن قصتها مع المرض بدأت منذ ولادتها، تقول بمرارة: "في الجلسة الأخيرة، فصلوني عن جهاز الغسيل بشكل مفاجئ بينما كنت أتهيأ لانتهاء الجلسة بعد ساعة، وكان السبب غياب مادة البودرة عن الأجهزة. وأنا أعي جيدًا ماذا سيحدث إن استمر هذا الحال؛ الدوخة ستزداد كما هو حالي الآن، وستصيبني التشنجات، مع زيادة السوائل ونقص الأكسجين، وسترتفع مؤشرات الوظائف الحيوية بشكل ضار في جسمي".

من جانبه، أكد الطبيب غازي اليازجي، رئيس قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي، أن 50% من أجهزة غسيل الكلى قد خرجت بالفعل عن الخدمة إثر النقص الحادّ في مادة بيكربونات الصوديوم اللازمة لتشغيلها.
وتتوافق هذه المعطيات مع تحذير مدير مجمع الشفاء الطبي، الطبيب محمد أبو سلمية، الذي أكد أن نفاد مادة بيكربونات الصوديوم يهدد حياة نحو 650 مريضًا بالفشل الكلوي في قطاع غزة.
وأوضح أن المستشفيات اضطرت إلى تقليص مدة جلسات غسيل الكلى من أربع ساعات إلى ساعتين ونصف، وخفض عدد الجلسات الأسبوعية من ثلاث إلى جلستين، نتيجة عدم توفر المادة الأساسية اللازمة لإجراء الغسيل الكلوي، محذرًا من أن استمرار نقصها يشكل خطرًا مباشرًا على حياة المرضى، وداعيًا الجهات الدولية والإنسانية إلى التدخل العاجل لتأمين المستلزمات الطبية اللازمة لاستمرار العلاج.
وأوضح اليازجي أن 25 جهازًا توقفت بالكامل عن العمل من أصل 51 جهازًا يمتلكها القسم، مما أدى بشكل تلقائي وقسري إلى تقليص عدد جلسات غسيل الكلى لمرتين أسبوعيًا بدلًا من ثلاث مرات، وبواقع ثلاث ساعات بدلًا من أربع ساعات للجلسة الواحدة، الأمر الذي انعكس سلبًا وخطورة على الحالة الصحية لنحو 240 مريضًا يتلقون جلسات الغسيل في مستشفى الشفاء الطبي وحده.
وأشار الطبيب اليازجي إلى أن هذه الأزمة عامة وتلقي بظلالها على كل المستشفيات التي تحتوي على أقسام للغسيل الكلوي في القطاع، لكنها أشد وقعًا وضراوة في مجمع الشفاء الطبي، مبينًا أن هناك 700 مريض بالفشل الكلوي في عموم غزة يحتاجون إلى جلسات غسيل مستمرة ودورية دون انقطاع.
وفيما يتعلق بالآثار الصحية المترتبة على تقليص الجلسات، يبيّن اليازجي أن الأعراض تكون شديدة القسوة على أجساد المرضى، وتتمثل في الهزلان العام، والمضاعفات المباشرة على عضلة القلب والرئتين، فضلًا عن الارتفاع الخطير في نسبة البوتاسيوم في الدم.
ويوضح من الناحية العلمية أن مادة بيكربونات الصوديوم يجب أن تُضاف لمحاليل غسيل الكلى للحفاظ على جودة عملية الغسيل نفسها، ولمعادلة حموضة الدم، وللحفاظ على التوازن الكيميائي الدقيق بين دم المريض وسائل الغسيل، ومنع حدوث مضاعفات حادة مثل اضطرابات القلب والانخفاض الحاد في ضغط الدم.

من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن منع أو عرقلة إدخال المواد والمستهلكات الطبية الأساسية اللازمة لاستمرار عمل المرافق الصحية في قطاع غزة، بما فيها مادة بيكربونات الصوديوم المستخدمة في جلسات غسيل الكلى، يثير مسؤولية قانونية بموجب أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تكفل حماية المدنيين وضمان حصولهم على الرعاية الطبية. وتنص المادة (23) من الاتفاقية على وجوب السماح بمرور شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية المخصصة للمدنيين، وعدم عرقلتها تعسفًا.
كما تُلزم المادة (56) سلطة الاحتلال، بالقدر الذي تسمح به الوسائل المتاحة لها، بضمان عمل المؤسسات والخدمات الطبية والمحافظة عليها. وفي حال أدى منع دخول هذه المستلزمات إلى حرمان المرضى من العلاج المنقذ للحياة أو إلى انهيار الخدمات الصحية، فقد يشكل ذلك انتهاكًا لأحكام القانون الدولي الإنساني، تبعًا للظروف والوقائع المثبتة في كل حالة.
وفي قطاع غزة، وبينما تُمنع مادة بيكربونات الصوديوم من الدخول صراحةً ضمن الشحنات الطبية بقرارات الحظر، يعيش مرضى الكلى فصول حالة كارثية ومأساوية جراء تأثرهم المباشر بتقليص عدد جلسات الغسيل.
وما بين انتظار القرارات الدولية بالسماح بدخول المادة، يبقى المريض الفلسطيني معلقًا على الحافة الرفيعة الفاصلة بين الموت والحياة، في انتظار معجزة طبية وسياسية تنقذه لينال حقه الطبيعي الأساسي في العلاج؛ وإلى أن تتحقق تلك المعجزة، يبقى السؤال المؤرق مطروحًا: كم مريضًا إضافيًا سيموت وهو ينتظر جرعة الدواء؟