لم تعد أزمة آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة تتمثل في فقدان السمع وحده، ولا حتى في فقدان السماعات الطبية التي يعتمدون عليها. فبالنسبة لكثيرين، ما تزال السماعات معلقة على آذانهم أو محفوظة داخل الأدراج والحقائب، لكنها فقدت وظيفتها بسبب غياب بطاريات صغيرة تحولت، مع استمرار الحرب الإسرائيلية الحالية، إلى واحدة من أكثر المستلزمات الطبية ندرة في القطاع.

يكشف تقرير المساءلة الصحفي الذي أجرته "آخر قصة"، واستند إلى مقابلات ميدانية مع أسر متضررة، ومسؤولين في مؤسسات عاملة في مجال الإعاقة، وخبراء في التأهيل والصحة النفسية، إلى جانب تحليل بيانات رسمية ومؤسسية، أن الأزمة تجاوزت نقص الإمدادات إلى فجوة متنامية بين حجم الاحتياج إلى المعينات السمعية وما يصل منها فعليًا إلى قطاع غزة.

وتُظهر المقارنة بين الشهادات والبيانات أن تعطل السماعات بسبب نفاد البطاريات حرم أصحابها من السمع، وانعكس على التعليم، واكتساب اللغة، والتواصل الأسري، والصحة النفسية، وحتى الإحساس بالأمان. وفي ظلّ هذا الواقع، تحولت بطارية لا يتجاوز عمرها التشغيلي أسبوعًا إلى ما يشبه تصريحًا مؤقتًا بالعودة إلى العالم، قبل أن يعيد نفادها أصحاب السماعات إلى عزلة يفرضها الصمت.

عزلة قسرية

داخل إحدى خيام النزوح، كانت نبيلة (6 سنوات)، وهي طفلة تعاني من إعاقة سمعية، تبكي كل يوم لأنها تريد أن تسمع فقط. لم تكن سماعتها معطلة، لكنها أصبحت بلا فائدة بعد نفاد بطاريتها، فتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة وحلقات تحفيظ القرآن، واتسعت عزلتها داخل المنزل.

بدأت والدة نبيلة وتدعى آية أبو الروس، رحلة بحث طويلة عن بطارية جديدة، متنقلة بين المؤسسات الإنسانية، قبل أن تلجأ إلى مناشدة عبر صفحتها على "فيسبوك". لكن الرد ظل واحدًا: لا بطاريات متوفرة. وبعد أشهر من الانتظار، أبلغتها إحدى المؤسسات الإغاثية بأنها ستوفر سماعة جديدة لابنتها، إلا أن الأشهر التي قضتها نبيلة في الصمت كانت قد تركت آثارها بالفعل.

تروي والدة الطفلة: "كانت ابنتي نبيلة تبكي يوميًا لأنها تريد فقط أن تسمع، وأنا أبكي معها. حاولنا شراء البطاريات في فترة من الفترات، وكان سعر البطارية الواحدة نحو 70 شيكل، بينما كان شريط البطاريات كاملًا يُباع قبل النزاع بـ 15 شيكل فقط. ثم انقطعت مرة أخرى وعشنا أيامًا صعبة. أنا أرتاح نفسيًا فقط عندما تكون البطاريات متوفرة لتشغيل السماعات."

ولا تبدو قصة نبيلة حالة فردية؛ لاسيما أن المقابلات التي أجرتها "آخر قصة" مع عدد من الحالات، أفضت إلى نتيجة واحدة، وهي أن الأطفال ذوي الإعاقة السمعية توقفت أنشطتهم التعليمية والتأهيلية التي كانوا يشاركون فيها قبل نفاد بطاريات السماعات.

هذا الواقع يعيشه أيضًا إبراهيم اسلخ (35 عامًا)، الذي يعتمد على سماعة طبية منذ خمسة عشر عامًا. فمنذ نفاد بطاريات سماعته، من مقاس (10)، لم يعد يسمع أصوات أطفاله الثلاثة وهم يتحدثون أو يتشاجرون أمامه، بعدما أصبحت هذه البطاريات، شأنها شأن معظم بطاريات السماعات الطبية، غير متوفرة في قطاع غزة.

وخلال الأحداث، توقفت سماعته عن العمل مرات عدة، قبل أن يحصل مؤخرًا على كمية محدودة من البطاريات من إحدى المؤسسات، لا تكفي سوى لأسبوعين تقريبًا إذا استخدمها بحذر، إذ لا يتجاوز عمر البطارية الواحدة أسبوعًا، وربما أقل.

يمسك إبراهيم بشريط البطاريات الذي تسلمه قبل ساعات، محاولًا حساب الأيام التي سيستعيد فيها القدرة على السمع، قبل أن يقول: "فرحتي بوجودهم كبيرة، أسبوعين سأرتدي السماعة وسأسمع، أما بعدها فلا أعلم إن كانت ستتوفر أم لا. أحاول توفير البطاريات بعدم استخدام السماعة طوال اليوم، فأخلعها خلال اليوم، لكن هذا يضايقني."

ويقول إبراهيم: “لا أشعر بالأمان وبطاريات السماعات غير متوفرة. فكرة أن تتوقف السماعة عن العمل ترهقني نفسيًا، والسماعة نفسها أخاف عليها من التعطل، لأنني أعلم أنه إذا تعطلت فلن أجد غيرها في ظل عدم توفرها في غزة”.

ومع اتساع الفجوة بين الاحتياج وما يصل من المعينات السمعية إلى قطاع غزة، اضطرت المؤسسات العاملة في هذا المجال إلى إدارة النقص عبر المفاضلة بين المستفيدين وفق معايير الأولوية، بدلًا من تلبية الاحتياجات الفعلية.

وتتجلى آثار هذه الفجوة في حياة محمود (11 عامًا)، الذي وُلد بإعاقة سمعية اكتشفتها والدته، أنصار الفرا، في شهره السادس. ومنذ ذلك الحين، وفرت له الأسرة سماعات طبية وجلسات نطق، فيما تعلمت والدته لغة الإشارة وأساليب تأهيل النطق لمساندته، حتى بدأ ينطق الكلمات ويتفاعل مع محيطه، قبل أن تتوقف هذه الرحلة مع نفاد بطاريات السماعات.

وتوضح والدته أن نسبة فقدان السمع لديه تبلغ 80% في إحدى الأذنين و90% في الأخرى، وأن السماعة كانت تمكّنه من التواصل بصورة أفضل. وخلال الأشهر الأولى من الحرب كانت البطاريات متوفرة، وإن بأسعار مضاعفة، قبل أن تنقطع تمامًا.

وتقول: "عملت له جلسات النطق، ودرست لغة الإشارة وأساليب تأهيل النطق لأعرف كيف أتعامل معه. في بداية الحرب كنت أشتري البطاريات بأسعار مضاعفة، ثم انقطعت تمامًا."

ولاحقًا حصلت الأسرة على كمية محدودة من البطاريات عبر جمعية أطفالنا للصم، لكنها لم تكفِ لتشغيل السماعة طوال اليوم، ما اضطر والدته إلى نزعها لساعات لإطالة عمر البطارية.

وتشير الفرا إلى أن ابنها أصبح أكثر انطواءً مع تراجع استخدام السماعة، مستذكرة حادثة كاد يتعرض فيها للدهس أمام خيمة النزوح بعدما لم يسمع منبه "توكتوك"، قبل أن يترجل السائق ويضربه وينعته بـ"الأطرش".

وقبل أن تنهي حديثها، تساءلت: "متى ستتوفر السماعات في غزة كما كانت؟ وهل سنبقى تحت رحمة دخول البطاريات؟ وهل يعقل أن تتوقف سماعة ثمنها كبير بسبب بطارية لا يتجاوز ثمنها بضعة شواكل؟ إلى متى سنرى انتكاسة أولادنا من ذوي الإعاقة السمعية؟".

فجوة الاحتياج

وللتحقق من حجم الفجوة بين الاحتياج وما يصل من معينات سمعية إلى قطاع غزة، قارنت "آخر قصة" شهادات الأسر بالبيانات المتوفرة لدى المؤسسات العاملة في مجال الإعاقة.

وأظهرت المقارنة أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية ارتفع، بحسب تقديرات المؤسسات المختصة، من نحو 10 آلاف قبل النزاع إلى قرابة 35 ألفًا اليوم، بينما لم تتمكن المؤسسات خلال الأشهر الستة الأخيرة من إدخال سوى ألف سماعة طبية ونحو ثلاثة آلاف باكو بطاريات، وهي كميات لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات المتزايدة.

ولفهم أسباب هذه الفجوة، تتبعت "آخر قصة" مسار وصول المعينات السمعية إلى قطاع غزة، والجهات المسؤولة عن الاستجابة.

يقول فادي عابد مدير جمعية أطفالنا للصم، إحدى الجهات الرئيسية التي تتولى إدخال وتوزيع المعينات السمعية في قطاع غزة: “لا تزال هناك قيود على إدخال المعينات السمعية، وما زالت أجهزة لا يُسمح بدخولها حتى الآن، وننتظر وصول شحنات جديدة لتوزيعها على الحالات الأكثر أولوية”.

كما يؤكد أن الجمعية تمكنت بعد تنسيق مع جهات دولية من إدخال نحو ثلاثة آلاف باكو بطاريات وألف سماعة طبية خلال الأشهر الستة الماضية، إلا أن هذه الكميات تبقى أقل بكثير من حجم الطلب.

وتعني هذه الأرقام أن كل سماعة دخلت القطاع خلال الأشهر الستة الماضية تقابل، نظريًا، أكثر من ثلاثين شخصًا يحتاجون إليها، فيما لا يتجاوز العمر التشغيلي للبطارية الواحدة أسبوعًا في كثير من الحالات، ما يجعل الحاجة إليها مستمرة حتى لمن يمتلكون سماعات صالحة للاستخدام.

ويشرح عابد آلية التوزيع بقوله: "اعتمدنا سياسة الأكثر أولوية. لدينا قوائم انتظار طويلة لأشخاص يحتاجون إلى بطاريات أو سماعات، ونبدأ بالحالات الأكثر هشاشة وفقرًا، ثم نتدرج بحسب الإمكانات المتاحة، لكن الموارد شحيحة ولا تمكننا من تغطية الجميع".

وأظهرت المقابلات مع المؤسسات العاملة في مجال الإعاقة أن الجهات المحلية تتولى حصر الاحتياجات والتنسيق، بينما يعتمد إدخال السماعات وبطارياتها على الجهات الإنسانية الدولية وآليات إدخال المساعدات، وهو ما أبقى الاستجابة رهينة الكميات المسموح بدخولها. 

وتعكس هذه السياسة حجم الفجوة بين الاحتياج والإمكانات؛ إذ لم يعد الحصول على السماعة أو البطارية مرتبطًا بالحاجة الطبية وحدها، بل أيضًا بترتيب الأولويات الذي تفرضه محدودية الموارد.

مساءلة قانونية

في السياق ذاته، يقول مصطفى العابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية بغزة، إن الإعاقة السمعية تشكل نحو 12% من إجمالي الإعاقات المسجلة، في حين لا يغطي الدعم المتوفر سوى نحو 1% فقط من الأشخاص الذين يحتاجون إلى هذه الخدمات، نتيجة النقص الحاد في المستهلكات والمعينات السمعية.

ويدعو العابد المؤسسات الحقوقية الدولية إلى الضغط من أجل إدخال المعينات السمعية والأدوات المساعدة، إلى جانب إجراء حصر محدث لأعداد الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير الدعم العاجل لهم، ماديًا ونفسيًا.

تنسجم هذه المعطيات مع بيانات وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، التي تشير إلى وجود أكثر من 85 ألف شخص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، بينهم نحو 28 ألف حالة جديدة نتجت عن الحرب الإسرائيلية الحالية.

إلا أن البيانات التي حللناها تشير إلى أن هذه الأرقام قد لا تعكس الحجم الكامل للأزمة. فبحسب الناشطة في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأخصائية التأهيل والنطق، ميساء عجور، لا تزال حالات عديدة من الإعاقات السمعية الجديدة خارج السجلات الرسمية بسبب النزوح وتعطل خدمات التشخيص والتقييم.

ويواجه نحو 300 شخص من زارعي القوقعة في قطاع غزة صعوبات في الحصول على الأسلاك والبطاريات والأجهزة اللازمة لتشغيل زراعاتهم وصيانتها، إلى جانب النقص في السماعات الطبية التقليدية.

وترى عجور أن فقدان البطارية أو أحد ملحقات الجهاز لا يعني تعطل أداة طبية فحسب، بل انقطاع وسيلة التواصل الأساسية مع العالم، بما ينعكس على التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية.

تقود هذه المعطيات إلى سؤال يتجاوز قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة: ماذا يعني استمرار تعذر وصول معينات سمعية أساسية يعتمد عليها آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة، رغم توثيق الحاجة إليها؟ وللإجابة عن هذا السؤال، راجعت "آخر قصة" الإطار القانوني المنظم لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء النزاعات المسلحة.

ويرى مختصون أن استمرار القيود على إدخال المعينات السمعية وملحقاتها يحرم آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من وسائل أساسية للتواصل والتعليم والعمل، وهو ما يتعارض مع الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على السماح بمرور الإمدادات الضرورية المخصصة للمدنيين، وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تكفل حقهم في الوصول إلى الأجهزة والتقنيات المساعدة.

لكن تداعيات الأزمة تتجاوز النصوص القانونية. فالمقابلات التي أجرتها "آخر قصة" أظهرت نمطًا متكررًا؛ أطفال انقطعوا عن مدارسهم، وآخرون فقدوا جزءًا من مهارات النطق، وأسر باتت تشغل السماعات لساعات محدودة حفاظًا على بطاريات قد لا تجد بديلًا لها، فيما يعيش بالغون قلقًا دائمًا من تعطل سماعات قد لا يستطيعون استبدالها.

وتؤكد الأخصائية النفسية نورا أبو عيطة أن فقدان بطاريات السماعات الطبية يترك آثارًا نفسية متراكمة لدى الأطفال والبالغين، تبدأ بارتفاع القلق والتوتر، وقد تتطور إلى العزلة والاكتئاب والانسحاب من العلاقات الاجتماعية.

وتوضح أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا، لأن انقطاعهم عن السمع ينعكس على نموهم اللغوي والانفعالي، ويضع أسرهم أمام معضلة يومية تتمثل في العجز عن توفير البطاريات واحتواء ما يرافق ذلك من إحباط وتراجع في التفاعل.

في غزة، لم يعد الصمت مرادفًا لفقدان السمع وحده. أصبح نتيجة مباشرة لغياب بطارية صغيرة تحولت إلى الحد الفاصل بين العزلة والتواصل.