عاد 56 طفلاً إلى مقاعد التعلّم بطريقة برايل، مع إعادة افتتاح مركز تأهيل الأطفال ذوي الإعاقة البصرية في قطاع غزة بدعم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في خطوة أعادت الأمل لعشرات الأطفال بعد انقطاع طويل بسبب الحرب الإسرائيلية التي امتدّت لعامين متواصلين (2023- 2025)، وخلّفت دمارًا هائلاً.

من بين هؤلاء الأطفال، محمد (14 عامًا)، الذي عاد إلى صفوفه المؤقتة بعد رحلة طويلة من الفقد والنزوح والانقطاع عن التعليم.

حين كان الطفل محمد في الخامسة من عمره، كان يركض في حيه بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة رفقة أصدقائه، حين تعثر بمجسم بدا له مثل لعبة حصان معدني، وبمجرد أن بدأ بالتعرف عليه، انفجر في وجهه. وقد أدى ذلك إلى فقدانه بصره، إضافة إلى فقدانه القدرة على استخدام يده اليسرى، في حادثة تعود إلى عام 2016 نتيجة انفجار جسم من مخلفات عدوان سابق.

اليوم، لا يزال محمد يستحضر تفاصيل تلك اللحظة قائلاً: "حين لمع في عيني الحصان، ركضت لاحتضانه، وفجأة أظلم كل شيء. لكنني ما زلت أذكر النور".

في عام 2020، التحق محمد بمركز تأهيل تابع للأونروا في قطاع غزة، حيث بدأ رحلة إعادة التأهيل عبر التعليم المتخصص والدعم النفسي والاجتماعي. وهناك، تعلم القراءة بطريقة برايل، واستعاد ثقته بنفسه وعزز استقلاليته. يقول: "في البداية، كنت أمشي كأنني على الغيوم. ثم تعلمت أن أثق بخطواتي".

لكن هذه المسيرة توقفت مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، إذ أُجبرت عائلة محمد على النزوح مرات عدة قبل أن تستقر في خيمة بمدينة دير البلح وسط القطاع.

بالنسبة لطفل كفيف، النزوح يعني فقدان الخريطة الذهنية التي بناها سنوات. يقول: "في بيتي القديم، كنت أعرف كل زاوية. أما في الخيمة، فعليّ أن أعيد رسم العالم في ذهني".

أُغلق المركز الذي كان يخدم نحو 500 طالب من ذوي الإعاقة البصرية، وتحول إلى مأوى للنازحين خلال فترة الحرب، ما أدى إلى انقطاع محمد عن التعليم لأكثر من عامين. ويقول: "اشتقت إلى المدرسة. كانت مكانًا آمنًا".

ومع دخول وقف إطلاق نار هش حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، أطلقت الأونروا برنامج "العودة إلى التعلّم"، وأعادت فتح المركز بتاريخ 7 فبراير 2026، رغم استمرار استخدامه كمأوى للنازحين.

داخل المركز، أُنشئت صفوف مؤقتة باستخدام ألواح خشبية وجدران من المشمّع، ما أتاح للأطفال العودة التدريجية إلى التعليم وتلقي الدعم النفسي والاجتماعي.

سهام، مديرة المركز، تواجه تحديات كبيرة، من بينها اكتظاظ الصفوف، ونقص كتب برايل، وتضرر أو غياب الأجهزة المساعدة مثل آلات برايل والعدسات المكبرة، إضافة إلى الحاجة لضبط الإضاءة داخل الصفوف، خاصة للأطفال الذين يعانون من العشى الليلي أو المهق. لكنها تقول: "نوفر لهم مساحة يتعلمون فيها".

حسن، مرشد يعاني هو نفسه من إعاقة بصرية، يجلس مع الأطفال لمساعدتهم على تجاوز صدمة الحرب من خلال جلسات دعم نفسي. يقول: "من خلال كل حديث، نعيد بناء عالمهم".

داخل هذه الصفوف البسيطة، يعيد الأطفال اكتشاف الأمان ويستعيدون تواصلهم مع العالم من حولهم، ويخطون أولى خطوات التعافي. ويحلم محمد: "أريد أن أصبح طبيبًا. لأري الناس أنه حتى عندما تسلبك الحياة بصرك، لا تستطيع أن تسلبك أحلامك".

وقد أدت الحرب أضرار فادحة بالنسبة للمراكز التي تُعنى بذوي الإعاقة البصرية، كان من بينها مركز النور للمكفوفين، ومبنى جمعية الخريجين لذوي الإعاقة البصرية؛ مما أفقد الآلاف من ذوي الإعاقة البصرية خدماتٍ كانت أساسية لهم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذه الخدمات.

على إثر ذلك، يُعاني ذوو الإعاقة البصرية في غزة من ظروفٍ صعبة في بيئة نزوح غير مؤهلة لاحتياجاتهم الخاصة، مع صعوبة الوصول إلى خدمات الرعاية الطبيّة والنفسية. فيما يُضاف إلى ذلك كلّه تزايد مُعدّلات البطالة في صفوفهم إلى 100%؛ ما يُضخم معاناتهم ويُعمّق مأساتهم، خاصة في ظل انهيار شبه كامل للفرص الاقتصادية.

وبحسب دراسة بحثية مُعنونة بـ "الواقع المعيشي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في ظلّ حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة 2024"، تبيّن أنّ الإناث من ذوي الإعاقة البصرية يعانين بدرجة أكبر من الذكور من حيث الصعوبات الصحية والبيئية والمعيشية.

شملت عينة الدراسة التي أعدّها باسل عابد وباحثين آخرين، 103 أشخاص من ذوي الإعاقة البصرية، وجاءت نسبة توزيعهم 62.1% ذكور، و37.9% إناث.

ووفقًا لعابد، فإنّ الواقع الحياتي لذوي الإعاقة البصرية صعب للغاية، إذ يواجهون صعوبات أبرزها صعوبة الحركة وفقدان الأساسيات التي يرتكزون عليها، بسبب تركهم لأماكن سكنهم، وفقدان البيئات المهيأة لطبيعة إعاقتهم، إضافة لمعاناتهم من أوضاع اقتصادية صعبة نتيجة انعدام مصادر الدخل والغلاء الفاحش، وعدم قدرتهم على توفير فرص عمل تتناسب معهم، ووجود مخاطرة في تنقلهم للحصول على المساعدات الإغاثية.

وخلص عابد في دراسته إلى أن ذوي الإعاقة البصرية النازحين في تجمعات منتظمة وعشوائية هم من يواجهون الصعوبة الأكبر من كافة النواحي، ما يجعل إعادة تشغيل مراكز التأهيل خطوة حيوية لكنها غير كافية دون تدخلات أوسع وأكثر استدامة.