تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت إسراء مطر تشق طريقها بصعوبة نحو العيادة الطبية في حي الدرج وسط مدينة غزة. أنفاسها كانت تتسارع وهي تدفع عربة صغيرة تحمل رضيعها الذي لم يتوقف عن البكاء، فيما تحاول ابنتها الصغيرة مجاراتها في السير خلفها.
لكن لحظة عادية في شارع مزدحم بالنفايات والمارة تحولت إلى ما يشبه الانفلات المفاجئ من الزمن. صرخت الطفلة فجأة، صرخة شقت الضجيج، لتلتفت الأم بسرعة وتمسك بيدها في اللحظة الأخيرة، قبل أن تسقط في منهل صرف صحي مكشوف.
تقول مطر، مستذكرة التفاصيل: "كنت أعلم أن المناهل في غزة بلا أغطية وأنتبه دائمًا على الطريق، لكنني هذه المرة كنت على عجلة… أريد أن ألحق بموعد الطبيب لطفلي. وقعت طفلتي لكني انتشلتها فورًا قبل أن تسقط بالكامل، ومن بعدها باتت تلتصق بي كلما سرنا في الشارع".
وقفت الأم على جانب الطريق تلتقط أنفاسها، بينما تعانق طفلتها التي كانت تبكي. في تلك اللحظة، لم يكن الخوف مجرد رد فعل، بل احتمال كامل كان يمكن أن يحدث: طفلة تسقط في حفرة مفتوحة وسط الشارع. فكرة "لو" وحدها كانت كافية لارتجافها.

لم تكن حادثة الطفلة مطر حالة استثنائية، بل واحدة من مشاهد تتكرر في شوارع غزة حيث تتحول فتحات الصرف الصحي المكشوفة إلى فخاخ يومية للمارة. فخلال الحرب الإسرائيلية (2023–2025)، تعرضت البنية التحتية في قطاع غزة لدمار واسع قُدِّرت خسائره بنحو 35.2 مليار دولار وفق الأمم المتحدة والبنك الدولي.
وشمل ذلك شبكات الصرف الصحي، بما فيها المناهل التي تحولت إلى فتحات خطرة بعد فقدان أغطيتها، لتصبح جزءًا يوميًا من تهديد حياة المارة. انعكس ذلك على حركة السكان التي باتت محفوفة بالمخاطر، فيما سجّلت البلديات شكاوى متكررة في ظل محدودية الإمكانيات اللازمة لمعالجة الأزمة.
ولم يقتصر الدمار على المباني والطرق، بل طال شبكات الخدمات الأساسية، بما فيها الصرف الصحي، في سياق غياب القدرة على صيانة أو توثيق الأضرار بشكل مركزي ودقيق، ما يجعل حجم المشكلة الفعلي أكبر من الأرقام المعلنة.
في حادثة مشابهة، كانت الطفلة يسرى نصير تسير مع والدتها في خانيونس جنوب القطاع عندما اختفت قدمها فجأة في فتحة مغطاة جزئيًا بالرمال. لم تصل إلى القاع، إذ تمكنت والدتها من جذبها بسرعة، لكن الحادثة تركت أثرًا مختلفًا هذه المرة: خوفًا أكثر من الألم، وترددًا في كل خطوة لاحقة في الشارع.
تقول والدتها إن الحادث لم يكن الأول من نوعه، وإن الشوارع نفسها باتت تُقرأ بحذر إضافي، حيث لم تعد الحفر مجرد تفاصيل مهملة في الطريق، بل نقاط توتر محتملة في كل حركة خاصة على الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

وتتكرر الصورة نفسها ولكن بأعمار مختلفة. في شارعٍ آخر جنوب القطاع، كان المسنّ أبو أدهم رجب يتكئ على عكاز خشبي يشق طريقه ببطء بين الحفر غير الظاهرة. لم ينتبه إلى منهل مكشوف إلا بعد أن اختل توازنه للحظة، فتراجع جسده إلى الخلف قبل أن يسنده أحد المارة.
يقول رجب: "لم أُصب بأذى، لكنني بقيت واقفًا للحظات. لم يكن الأمر مجرد تعثر عادي، توقفت كأن قدمي رفضت أن تواصل الطريق. نظرت إلى الفتحة كأنها فخّ مفتوح ينتظر من يخطئ خطوة. حينها شعرت أن الطريق نفسه لم يعد مألوفًا، وأن عليّ أن أختار كل خطوة كما لو أنها الأولى".
أما في دير البلح وسط القطاع، روت صفاء عطا الله حادثة أخرى لأخيها الذي تعثر في منهل مكشوف في أحد الشوارع الفرعية. تقول: "كان يسير بجانبي وفجأة انزلقت قدمه في الفتحة. لم تكن عميقة، لكنه أصيب في قدمه وبالكاد استطاع المشي".
وتضيف: "كان الجو معتمًا والأمطار تتساقط، وكنا نسير ونضيء هواتفنا لنعرف الطريق". ثم تتساءل عن دور البلديات: "إلى متى ستبقى هذه المناهل تهديدًا مستمرًا؟ ولماذا لا توجد حلول عاجلة أو بدائل مؤقتة لحمايتها؟".
ورغم اختلاف المحافظات والتفاصيل، تتقاطع القصص الثلاث في النتيجة ذاتها: أطفال يتعلمون المشي بحذر مبالغ فيه، وأمهات يراقبن الأرض أكثر من الطريق، وكبار سن يختبرون هشاشة خطواتهم في كل عكاز يلامس ما تبقى من الإسفلت.
في الخلفية، يبقى المشهد نفسه تقريبًا، بنية تحتية منهكة ومناهل مفتوحة تتحول تدريجيًا إلى عنصر ثابت في المشهد اليومي في قطاع غزة، لا كحوادث منفصلة، بل كخطر ممتد على طول الطريق.

تشير تقديرات أممية إلى أن احتياجات التعافي من أضرار البنية التحتية جراء الحرب على غزة بلغت نحو 71.4 مليار دولار، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى (من أكتوبر 2023 وحتى نحو مارس/أبريل 2025)، وهي الكلفة التقديرية لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية خلال تلك الفترة من عمر الحرب فقط.
هذه الأرقام تعكس فجوة بين حجم الدمار وقدرة الاستجابة الفعلية، حيث تتداخل احتياجات إعادة الإعمار مع قيود سياسية ولوجستية تجعل وتيرة الإصلاح أبطأ بكثير من حجم الضرر المتراكم.
في حديثه لـ "آخر قصة"، يقول المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا، إنّ البلدية تواجه صعوبات كبيرة في الصيانة الدورية بسبب نقص المواد اللازمة لتصنيع أغطية جديدة أو تنفيذ إصلاحات، في ظل القيود المفروضة على إدخال مواد البناء.
ويوضح أن بلدية غزة تلقت شكاوى عديدة حول سقوط وإصابات متفاوتة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، مشيرًا إلى عدم توفر إحصائية دقيقة لعدد الحالات. ويضيف أن المشكلة تتركز في المناطق التي تعرضت لقصف واسع أو شهدت نزوحًا وعودة متكررة للسكان.
ويؤكد مهنا أن البلدية تعمل ضمن إمكانياتها المحدودة على تغطية المناهل بشكلٍ مؤقت باستخدام مواد محلية، وتنفيذ تدخلات طارئة عند ورود الشكاوى، إلى جانب صيانة بعض الشبكات في المناطق المكتظة، لكنه أقرّ بأنّ هذه الإجراءات "جزئية وغير كافية".
أما المتحدث باسم بلدية خانيونس جنوب القطاع، صائب لقان، فيوضح أن القصف أدى إلى إزالة أغطية معدنية لأكثر من 1000 منهل صرف صحي ومياه أمطار، ما تسبب في كشفها وطفح بعض خطوط الصرف.
ويردف لقان أن البلدية لجأت إلى حلول مؤقتة، بينها شراء أغطية معدنية رغم ارتفاع أسعارها، واستخدام أغطية خرسانية ضمن المشاريع الجارية، إضافة إلى تصنيع أغطية من الصاج لتقليل المخاطر.

في المقابل، يقول مدير عام مصادر المياه في سلطة المياه وجودة البيئة منذر سالم إن هذه الأزمة عميقة ولا حلول جذرية لها وما تعتمد عليه البلديات حاليًا حلول "ترقيعية ومؤقتة" وهي إجراءات لا تعالج جذور المشكلة، خاصة في ظل عدم توفر مواد البناء اللازمة هذا الواقع يجعل من الصعب تحقيق أي إصلاح حقيقي أو مستدام لشبكات الصرف الصحي.
وأوضح أن الحل الجذري لهذه الأزمة يتمثل في إعادة تأهيل شاملة وكاملة لشبكات الصرف الصحي، تشمل استبدال الخطوط التالفة وإعادة بناء البنية التحتية، بعد تدمير حوالي 85% منها، والمتبقي يبدو ظاهريًا أنه سليم لكنه يعاني أضرار غير مرئية.
وبينما تُلقى المسؤولية بين نقص المواد والدمار والقيود، تبقى الإجابة الأساسية معلقة حول الجهة القادرة فعليًا على تحويل هذا الواقع من إدارة أزمات مؤقتة إلى حل دائم.
في غزة، لم تعد المناهل المكشوفة مجرد خلل في الطرقات يمكن تجاوزه بسهولة. بل تحولت إلى خطر يومي مفتوح، يتسرب بصمت بين الأزقة والشوارع، في وقت تتآكل فيه القدرة على الصيانة، وتبقى الحلول مؤجلة أو جزئية، لا تصل إلى جذور المشكلة.