تتمعن ماجدة جودة في الصور التي التقطتها لأشجار أرض عائلتها في رفح جنوبي قطاع غزة، وتستذكر كيف كانت أشجار الزيتون مغروسة في الأرض بقوة، متجذرة فيها كأنها جزء منها. وفي موسم الزيتون، كانت العائلة تعيش عيدًا خاصًا؛ فهذه الأشجار كانت جزءًا من حياتها وذاكرتها.

لا تستوعب السيدة جودة اليوم شكل الأرض والشوارع دون الأشجار التي كانت تنمو في كل مكان، وتمنح المشهد جمالًا وحياة، إلى جانب ما تقدمه للبيئة. دمر الاحتلال الإسرائيلي مدينة رفح بالكامل، واقتطع أراضيها داخل حدود الخط الأصفر -وهو خط يفصل مناطق الانتشار والسيطرة الإسرائيلية عن المناطق الأخرى في القطاع-، واختفت الأشجار التي كانت بمثابة الأبناء لها حيث كبرت أمام عينيها، وأعطتها ثمارها وظلها، ثم تحولت إلى رماد، كما آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في غزة.

تقول بمرارة: "أحب الطبيعة والأشجار، وكنت أحب الزراعة والجلوس وسط أشجاري التي أشرفت على زراعتها شجرة شجرة. حينما دُمرت الأرض نزحت وعشت أيامًا سيئة. أحلم دومًا بالأشجار وبجلسة عصاري في أرضي مع كوب الشاي".

ذاكرة الأشجار

في غزة، تسببت الحرب الإسرائيلي المندلعة منذ أكتوبر 2023 في دمار واسع طال الأشجار والغطاء النباتي. تعرضت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية للاقتلاع والحرق والتجريف؛ ما تسبب في فقدان آلاف الأشجار، من بينها أشجار الزيتون والحمضيات وغيرها من الأشجار المثمرة. وخسرت عائلات كثيرة مصدرًا مهمًا للغذاء والدخل بعدما كانت الزراعة مصدر رزقها. وامتد الدمار إلى المشهد الطبيعي والتوازن البيئي، بعدما اختفت مساحات خضراء كانت تشكل جزءًا أساسيًا من ملامح القطاع.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ومركز الأمم المتحدة المعني بالسواتل (UNOSAT)  إلى أن 89% من البساتين والأشجار في غزة تضررت، فيما بلغت نسبة الضرر في بساتين الزيتون 90% وفق تحليل صدر في أكتوبر 2025.

وعلى مسافة ليست بعيدة، كان محمد دواد متعلقًا بالطبيعة أيضًا. كلما انزعج من أمر ما، ذهب إلى أرض صديقه شرق جباليا شمالي القطاع، ليجلس تحت أشجارها المثمرة ويشارك في قطف الثمار في مواسمها. كان يرى في ذلك فسحة عظيمة يرفه بها عن نفسه وأطفاله.

يقول، وهو يستذكر شكل الأشجار المعمرة: "كانت هذه الأشجار من عمر ابني البالغ 10 أعوام. زرعتها بيدي رفقة الأصدقاء لتكبر كلما كبر طفلي، وتعمر وتثمر. حين ذهبت إلى شرق جباليا عندما تسنى لنا ذلك، رأيت الأراضي التي كنت أحبها مجرفة بالكامل. قُهرت كما قُهرت على بيتي الذي دُمر، ومن بعدها صارت تلك الأراضي ضمن حدود الخط الأصفر".

أما يسرا أبو ناصر، فاعتادت الزراعة منذ طفولتها في حديقة بيتهم الواقعة في بيت لاهيا شمالي القطاع. دمر الاحتلال كل شيء. وفي ظلّ تلك الظروف الصعبة، كانت تجلب بذور الطماطم والفلفل والباذنجان وتزرعها في قوارير صغيرة، لكن مع كل عملية نزوح كانت تغادر وتترك القوارير البلاستيكية. ومع ذلك، بقيت الأشجار والمزروعات شغفها.

تضيف بصوتٍ متحشرج: "حتى الصور التي كنت أحتفظ بها لحديقة منزلنا وأشجاره فقدتها، ولم يتبق لي ذكرى سوى ما أذكره في مخيلتي. كل شيء صار مدمرًا حتى قلوبنا. أفرح كلما رأيت شجرة أو رأيت أرضًا مزروعة بالفواكه والخضروات، أستعيد ذكريات بيتنا وأسعد بما يُزرع".

خسارة خضراء

ومع حجم الدمار الذي طال الأشجار والأراضي الزراعية، نطرح تساؤل عما يمكن فعله لاستعادة ما فقده القطاع الزراعي، وإعادة الحياة إلى الأراضي التي تحولت بفعل الحرب إلى مساحات جرداء، في محاولة لتعويض الأشجار التي اقتُلعت واستعادة الغطاء النباتي والأشجار المثمرة.

توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى المتحدث باسم وزارة الزراعة، محمد أبو عودة، الذي قال إن تركيز الوزارة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وحتى الآن يتمحور حول زراعة الخضروات والمحاصيل ذات دورة الإنتاج القصيرة، التي تحتاج إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، لتوفير إنتاج أسرع والاستجابة للاحتياجات الغذائية المتزايدة.

أما إعادة زراعة الأشجار وتكثيف الغطاء النباتي، فتتطلب الانتظار نحو خمس سنوات حتى تبدأ الأشجار بالإنتاج، وقد تحتاج دورة الإنتاج إلى ما يقارب عشر سنوات لتعود إلى مستوياتها الطبيعية؛ ما يجعل تعافي هذا القطاع تحديًا طويل الأمد.

وأوضح أن إعادة التشجير تواجه تحديات أخرى، في ظلّ تقلص المساحات الصالحة للزراعة، ومنع دخول المستلزمات الزراعية وبذور الأشجار، وخروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة نتيجة تراجع خصوبتها وتلوث المياه وارتفاع نسبة الملوحة، إلى جانب حفر الآبار بصورة عشوائية خلال فترات النزوح، ما أثر في جودة الأراضي وجعل زراعة بعض المناطق غير مجدية.

وتؤكد بيانات FAO وUNOSAT  حجم أزمة الوصول إلى الأراضي الزراعية؛ ففي أغسطس 2025، أظهر تقييم بالأقمار الصناعية أن 98.5% من الأراضي الزراعية كانت متضررة أو غير متاحة، ولم يتبقَّ سوى 1.5%، أي 232 هكتارًا، متاحة للزراعة.

كما أشار أبو عودة إلى أنّ تداعيات فقدان الأشجار والغطاء النباتي تمتد إلى البيئة والمناخ، إلى جانب القطاع الزراعي والغذائي. فغياب المساحات الخضراء والأشجار يؤثر في التوازن البيئي، ويضعف قدرة الغطاء النباتي على المساهمة في الحدّ من آثار التغير المناخي وامتصاص انبعاثات الغازات.

وبلغة الأرقام، أكد أبو عودة أن مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار في قطاع غزة كانت تتجاوز 110 آلاف دونم، فيما بلغت نسبة الدمار فيها أكثر من 87%. ودُمر نحو 100 ألف دونم، بما يقدر بنحو 4 ملايين شجرة، من بينها أشجار الزيتون والعنب والجوافة وغيرها من الأصناف، ولم يتبق سوى نحو 10 آلاف دونم متفرقة من الأراضي المزروعة بالأشجار.

قبل الحرب، كان القطاع الزراعي ينتج نحو 120 ألف طن من المحاصيل، بينما لا يتجاوز الإنتاج حاليًا 7 إلى 8 آلاف طن، وهو ما يغطي أقل من 7% من الاحتياجات. وتكمن صعوبة تعافي قطاع البستنة الشجرية في أن الأشجار تحتاج إلى سنوات طويلة للنمو؛ فالأشجار التي دُمرت كانت تتراوح أعمارها بين 10 و20 عامًا، فيما تعود بعض أشجار الزيتون إلى عشرات السنين.

شروط التعافي

في المقابل، يقول المهندس الزراعي بكر يونس إن فقدان الأشجار لا يعني خسارة المشهد الطبيعي فقط، بل فقدان منظومة تحمي التربة والمياه والإنتاج الزراعي. ويؤكد أن استعادة الغطاء النباتي يجب أن تبدأ بسلامة الأراضي وحماية التربة وإدارة المياه واستعادة المادة العضوية، ثم اختيار أشجار محلية أو متأقلمة تحقق قيمة غذائية واقتصادية وبيئية.

ويوضح يونس أن انكشاف التربة يسرّع التعرية والتبخر والتملح، ويؤدي إلى فقدان الطبقة السطحية الغنية بالمادة العضوية والعناصر الغذائية والكائنات الدقيقة. كما أن غياب الأشجار خلال موجات الحرارة والجفاف يرفع حرارة التربة ويزيد فقدان رطوبتها، ويضعف نشاط الكائنات الدقيقة وإنبات البذور وكفاءة امتصاص العناصر.

ولا يرى يونس أن التشجير يمكن أن يبدأ بغرس الأشجار مباشرة، بل يحتاج أولًا إلى تقييم حالة الأراضي، بما يشمل فحص الملوحة والحموضة والمادة العضوية وقوام التربة، والتحقق من التلوث والمخلفات الخطرة، وفحص مياه الري والصرف وعمق التربة الصالحة للجذور. وفي الأراضي التي اختلطت بالأنقاض، يجب التأكد من سلامتها قبل أي نشاط زراعي.

ويقول إن اختيار الأشجار يجب أن يرتبط بظروف كل موقع، ولا يوجد نوع واحد مناسب لجميع مناطق غزة. ويمكن اختيار الزيتون والتين والعنب بحسب الملوحة وتوافر المياه والهدف من الزراعة، مع توفير إدارة وري مناسبين خلال مراحل التأسيس.

ويقترح البدء باستعادة تدريجية ومحدودة في المواقع الآمنة التي تتوافر فيها المياه، وإعادة تأهيل مصدات الرياح حول الأراضي المنتجة، بدل تنفيذ حملة تشجير واسعة قبل تهيئة الظروف اللازمة لنجاحها.

اختلال البيئة

ومن الناحية البيئية، يقول المختص البيئي نزار الوحيدي إن فقدان الأشجار يعني انخفاض القدرة الحيوية على احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون (CO₂) عبر عملية التمثيل الضوئي، ويضاعف من تركيز الملوثات الغازية والدقائق الصلبة العالقة في الهواء (PM10 وPM2.5)، ما يؤدي إلى تدهور حاد في جودة الهواء وزيادة معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية. وفي منطقة جغرافية مثل غزة، يفقد الهواء قدرته الذاتية على التنقية.

وأوضح أن النظم البيئية مترابطة بشدة؛ فالأشجار والنباتات تمثل "الموئل" الأساسي للطيور والحشرات النافعة والكائنات الدقيقة في التربة. وتعمل جذور الأشجار كـ "شبكة تثبيت" حية تحافظ على قوام التربة وتماسكها، كما تساهم الفروع والأوراق في تخفيف حدة تساقط الأمطار وتأمين ارتشاح مياه الأمطار ببطء نحو الخزان الجوفي.

أما عن اختلال المناخ المحلي بفعل غياب الغطاء النباتي، فيوضح الوحيدي أن ذلك يُعرف علميًا بتأثير "الجزر الحرارية الحضرية". وكانت الأشجار تؤدي دورًا مزدوجًا؛ فهي تمتص أشعة الشمس وتمنح الظل، وتقوم بعملية "النتح"، أي إطلاق بخار الماء الذي يلطف الجو محليًا. وعند اختفاء المساحات الخضراء، تُمتص الحرارة وتُشع مجددًا، ما يرفع درجات الحرارة المحسوسة بعدة درجات ويضاعف من قسوة موجات الحر الصيفية.

كانت الأشجار في غزة جزءًا من المشهد وذاكرة ممتدة في الأرض، يبلغ عمر بعضها عشرات السنين. ومع تدمير آلاف الأشجار ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خسرت غزة جزءًا من نظامها البيئي وتاريخها الزراعي، وبقيت الأرض في انتظار فرصة لتستعيد خضرتها.