يخوض الصياد بهاء الدين النجار أمواجَ البحر العاتية التي ترتطم بجسده، بلا أدوات أو معدات صيد احترافية سوى بعض الشباك القديمة التي يحاول من خلالها تأمين القوت اليومي لأسرته. فقدَ النجار جميع أدواته خلال الحرب، لكنه يُصرّ على التمسك بمهنته التي اعتاش منها لأعوام. تتفاقم معاناته خلال فصل الصيف، خاصة مع شُح الأسماك التي تبتعد نحو المياه الأكثر برودة مع ارتفاع درجات الحرارة، ليعود في كثير من الأيام بصيد لا يتجاوز الكيلوغرام الواحد.
أمام تراجع مردود الصيد صيفًا، اضطر النجار للبحث عن مصدر دخل إضافي، فعمل منقذًا بحريًا لتوفير طعام اليوم لأطفاله، بالتوازي مع استمراره في مهنة الصيد التي لم تعد توفر له دخلاً كافيًا في ظلّ قلّة الأسماك وارتفاع درجات الحرارة.
يقول وهو يرمي شباكه وسط الأمواج المتلاطمة: "في موسم الصيف تختفي الأسماك من البحر ويصبح العثور عليها صعبًا، خصوصًا الآن مع محدودية مساحة الصيد المتاحة لنا. فالداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود؛ الاحتلال يرهقنا بالقيود، وارتفاع درجات الحرارة يقف ضدنا أيضًا، ويُعد هذا الشهر من أفقر أشهر السنة في كميات الأسماك ونوعيتها".

ومع حلول شهر يوليو واشتداد الحرارة، يواجه الصيادون موسمًا قسري القسوة؛ فكلما ارتفعت حرارة المياه، قَلت حركة الأسماك وغاصت نحو المناطق الأكثر برودة، مما يؤدي إلى انخفاض كميات الصيد واختفاء أغلب الأنواع باستثناء سمك السردين "البذرة". ومع فرض الاحتلال قيودًا تمنع التوغل في البحر، إلى جانب عمليات الاعتقال والاستهداف المباشر للصيادين، تحوَّل الصيد إلى مخاطرة حقيقية على الحياة.
وتشير تقارير محلية إلى أن قطاع الصيد، الذي كان يعيل نحو5 آلاف صياد، لا يضم اليوم سوى زهاء 500 صياد يعملون بمعدات بدائية ضمن نطاق محاصر يُقدَّر بأقل من نصف ميل بحري 800 متر من الشاطئ، مقارنة بمساحة كانت تتراوح بين 6 إلى 12 ميلاً بحرياً قبل النزاع.
في تجربة تتكرر تفاصيلها القاسية، يعاني الصياد محمد عزام من تلف الكميات القليلة التي يصطادها بشق الأنفس. يدخل عزام إلى عمق البحر مستعيناً بضوء كشافه الصغير بعد الثانية فجراً ليقتنص مقداراً ضئلاً من سمك السردين "البذرة"، وهو نوع لا يحتمل البقاء في الشباك لساعات طويلة؛ إذ يتلف سريعًا بفعل الحرارة.
يقول عزام وهو يقدر بنظره ثقل حصيلته اليومية: "في الصيف تعلو الأمواج وتهرب الأسماك بفعل الحرارة. في هذه الأوقات نكون عادة في طور التحضير لموسم "تشارين" الذي ينطلق في سبتمبر؛ حيث تبدأ الأسماك بالعودة إلى طبيعتها وكمياتها مع هبوط الحرارة. لكننا في الصيف نتحمل خسائر فادحة، فبالكاد نتحصل على 30 شيكلاً يوميًا، وأحيانًا نعود بوفاض خاوٍ".

من جانبه، يوضح رائد النجار أنه في فصل الصيف تصبح جزيئات الماء أخف وزنًا وتشتد قوة الأمواج، في وقت لا توفر فيه القوارب البدائية أي حماية من مخاطر البحر، لا سيما وأنه لم يدخل أي مركب يعمل بالمحرك إلى البحر منذ بدء النزاع في السابع من أكتوبر 2023.
ويضيف النجار وهو على وشك الدخول إلى الماء: "قبل الحرب كنا نوفر أوعية "الكلاكل" والثلج لحفظ الصيد من التلف الحراري، أما اليوم فلا أوعية ولا ثلج يُعثر عليه بسهولة، إذ قفز سعر الكيلوغرام الواحد من الثلج إلى 10 شواكل، بعدما كان سعر الخمسة كيلوغرامات لا يتجاوز 5 شواكل ". وتعود هذه القفزة في الأسعار إلى الشلل شبه التام الذي أصاب مصانع الثلج إثر الانقطاع الكامل للكهرباء وتجاوز تكاليف تشغيل المولدات التجارية طاقتهم.
ويتابع وهو يزيح قبعته إلى الخلف: "الأسماك موجودة لكنها تهرب بعيداً بسبب الحرارة. لو كانت لدينا المعدات الكافية لاصطدنا كميات أكبر، فهذا موسم الجمبري والقاروص والقراض والسردين والبلاميدا. لكننا اليوم نعتمد على "البذرة" فقط بسبب قيود الاحتلال الصارمة، ورغم أنني تعرضت للإصابة سابقًا، فلم أجد بُدًا من العودة للعمل في البحر لأنه مصدر رزقي الوحيد".

منسق لجان الصيادين زكريا بكر، يؤكد أن نشاط الصيد الحالي يبتعد تمامًا عن سياقه الطبيعي؛ فالصيادون معرضون للقتل في أي لحظة، والمعدات بدائية، والتوغل في البحر لا يتعدى الكيلومتر الواحد. وتأتي أشهر الصيف لتضاعف هذه المعاناة بكونها أفقر شهور السنة إنتاجاً، وهي الفترة التي يعمد فيها الصيادون عادة إلى تجهيز مراكبهم لموسم "تشارين".
ويوضح بكر أن قطاع الصيد كان ينتج قبل الحرب ما بين 15 إلى 20 طناً يومياً، بينما تراجع الإنتاج اليوم إلى ما بين 10 إلى 15 طناً شهرياً. انعكس هذا الانهيار مباشرة على الأمن الغذائي؛ فبعدما كان المأمول أن تبلغ حصة الفرد 14 كيلوغراماً سنوياً من الأسماك، باتت الحصص الفردية معدومة تقريباً، مع اختفاء معظم الأسماك من الأسواق واقتصار الصيد على أسماك صغيرة الحجم وبكميات شحيحة للغاية.
تتقاطع هذه الشهادات الميدانية مع تحذيرات التقارير المناخية الدولية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي (IPCC) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والتي تصنّف حوض البحر الأبيض المتوسط كـ "بؤرة مناخية ساخنة" (Climate Hotspot) تسجل معدلات احترار أسرع بنسبة 20% مقارنة بالمتوسط العالمي.
وتُقرّ التقييمات الأممية بأنّ المجتمعات الواقعة تحت خطوط النزاع والأزمات المركبة تكون الأقل قدرة على التكيف مع التبعات البيئية؛ حيث يسهم فقدان البنية التحتية والقيود العسكرية في تجريد التجمعات الساحلية الهشة من أداة "التكيف المناخي"، ليتحول اضطراب النظام البيئي المائي إلى مأساة إنسانية مضاعفة.

من زاوية بيئية ومناخية، يشرح المختص البيئي نزار الوحيدي أن الأسماك تُصنف ضمن الكائنات ذوات الدم البارد، أي أنها لا تنظم حرارة أجسادها داخلياً بل تعتمد على حرارة المياه المحيطة. وفي بحر غزة، عندما تكون درجات الحرارة معتدلة، يرتفع معدل الأيض لدى الأسماك وتصبح أكثر نشاطاً، مما يترجم إلى صيد وفير. لكن مع الارتفاع الحاد في الحرارة خلال ذروة الصيف، تصاب الأسماك بالخمول ويقل نشاطها بشكل ملحوظ.
ويُدلل الوحيدي على ذلك بظاهرة "التطبق الحراري"؛ حيث تهرب الأسماك من المياه السطحية الحارة والفقيرة بالأكسجين نحو الأعماق الأكثر برودة. هذا التحول يجبر صيادي غزة على تعديل مواعيد عملهم إلى الفجر أو المساء المتأخر لصيد الأسماك أوقات صعودها للسطح، أو اللجوء إلى تقنيات الصيد العميق نهاراً، وهو خيار يستحيل تطبيقه في ظل القيود المفروضة على المساحة البحرية.
لا تقف الأزمة عند حدود موجات الحر العابرة، وفقًا للوحيدي؛ لكنها تمتد لتأثيرات الاحتباس الحراري طويلة الأمد على الثروة السمكية في غزة، موضحًا أن "ارتفاع حرارة المياه يدفع العديد من الأسماك للهجرة نحو الشمال أو نحو المياه الأكثر عمقاً بحثاً عن بيئة أبرد، مما يفرغ السواحل من بعض الأنواع.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ المياه الدافئة تحتفظ بكميات أقل من الأكسجين المذاب، مما يؤدي إلى توسع رقعة 'المناطق الميتة' التي لا تدعم الحياة البحرية، فضلاً عن ارتفاع حموضة المياه نتيجة زيادة نسب ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعيق نمو القشريات والعوالق التي تشكل العصب الغذائي الأساسي للأسماك".
في صيف غزة، لا ترتفع حرارة مياه البحر وحدها، بل تتصاعد معها معاناة الصيادين الذين يجدون أنفسهم محاصرين في موسم تتراجع فيه الثروة السمكية ويضيق فيه هامش العيش. ومع كل موجة حر جديدة تتفاقم حدّة المعاناة؛ فالأسماك تلوذ بالأعماق طلباً للبرودة، بينما يظل الصياد مكابداً بين تقلبات المناخ، وتضييق الاحتلال، ومحدودية المساحة، مجازفاً بحياته يومياً في سبيل تحصيل أسباب الرزق.