مع الاقتراب الفعلي لموسم الشتاء، يستحضر النازحون بين الخيام المتراصة في مدينة غزة تفاصيل المعاناة المتكررة قبل أن تبدأ؛ إذ تكفي مخاوف الهطول الأول لاسترجاع مشاهد رائحة الطين المختلط بالمياه الراكدة، وصوت صراخ الأطفال بينما خيامهم تغوص في طبقة طينية صلبة ترفض امتصاص المياه، فيما يترقب الأهالي بقلق تجنب أقدام أطفالهم للحفر التي يحفرونها بأنفسهم في محاولة يائسة لإبعاد المياه المتوقعة عن مداخل خيامهم.

أرضٌ صماء

لكن الأزمة هذا الشتاء لا تقف عند حدود الأمطار أو انسداد قنوات التصريف، بل تعود في جوهرها إلى فيزياء التربة نفسها؛ إذ أدى الركام المتراكم وضغط حركة الآليات والقصف المتواصل إلى دكّ طبقات الأرض وإغلاق مساميتها الطبيعية. هذا الانضغاط حرم التربة من خاصية امتصاص المياه وترشيحها، تحولاً بها إلى ما يشبه السطح العازل الذي يضاعف الجريان السطحي، ويحبس المياه الملوثة في محيط الخيام.

وفي ظل هذا التغير البيئي الهيكلي، يجد آلاف النازحين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أرض لزجة تعيق حركة الأطفال وكبار السن، وتتسبب بانتشار التقرحات الجلدية والالتهابات نتيجة الملامسة المستمرة للطين الملوث بالركام والمياه العادمة. ومع استمرار هذا العجز الميداني، تحذر الجهات المؤسسية والمحلية من أزمة إنسانية وصحية وشيكة، في وقت تقف فيه الإمكانيات المتاحة عاجزة عن تأهيل التربة أو فتح المسارات للتعامل مع الموسم القادم.

هذا هو المشهد المحتمل الذي يخشى تكراره محمد سليم (55 عامًا)، بعدما غرقت خيمته وسط المدينة في مياه الأمطار أكثر من مرة خلال الموسم الماضي. ففي الشتاء المنصرم، كانت المياه تتجمع حول خيمته، وتحوّل الأرض الترابية إلى طبقة لزجة من الوحل والركام المهروس، ثم تجد طريقها إلى الداخل من أسفل الخيمة وجوانبها.

منذ نوفمبر 2025، يعيش محمد في هذه الخيمة بعدما لم يجد مكانًا آخر يمكنه العودة إليه. ومع كل موجة مطر، يصبح عليه وعلى من يعيشون حوله أن يبحثوا بأنفسهم عن طريق للمياه، فيحفرون مجاري صغيرة في التربة المندكة ويعيدون توجيهها بعيدًا عن الخيام.

يصف محمد تلك الليالي بنبرة يملؤها الإرهاق: "في الشتاء الماضي، غمرت مياه الأمطار محيط خيمتنا، وتحولت الأرض من حولها إلى طين، ثم بدأت المياه تتسرب إلى داخل الخيمة".

ولتقليل المياه التي تصل إلى الخيام، يحفر سليم ومن معه مسارات في الأرض، لكن خصائص التربة التي فقدت قدرتها على الامتصاص بفعل الركام تجعل هذه الحلول المؤقتة لا تصمد طويلاً أمام الأمطار الغزيرة، فيما تبقى الخيارات الأخرى خارج قدرتهم بسبب نقص المواد وارتفاع تكلفتها.

يوضح مستدركًا حجم العجز: "نحاول قدر الإمكان إبعاد المياه عن الخيام، لكن التربة صلبة ومثقلة بالركام، ولا تملك القدرة على تشريب المياه أو إنشائك لحفر امتصاص طبيعية، كما أن إنشاء حفر كبيرة يحتاج لإمكانيات ومواد وتكلفة لا نستطيع توفيرها".

ويؤكد سليم أن الخطر الأساسي يكمن في التصاق حياتهم اليومية بهذه التربة الملوثة؛ فالركام ومخلفات الحرب المدمجة بالطين والممزوجة بطفح الصرف الصحي تصنع بيئة ملاصقة لأجسادهم وأجساد أطفالهم طوال الفصل.

مياه ملوثة

لا يختلف ما يواجهه محمد كثيرًا عما يعيشه سكان مناطق أخرى. ففي حي تل الهوا، جنوب غربي المدينة، يعيش أكرم البدرساوي (58 عامًا) مع مشكلة أخرى تبدأ بالمطر، لكنها لا تنتهي بتوقفه.

يقول أكرم موضحًا جوهر معاناته: "المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بتجمع مياه الأمطار، بل بما قد تحمله معها بعد اختلاطها بالمياه العادمة المتدفقة من خطوط الصرف المتضررة".

ويوضح أن طبيعة المياه التي تحاصرهم في فصل الشتاء تمثل مصدر قلق، فهي مياه ملوثة تتدفق من الشوارع وشبكات الصرف الصحي، وتبقى حولهم لفترات طويلة. 

ويتابع أن استمرار ركود المياه يجعل الحركة في محيط المكان أكثر صعوبة، فيما تزداد مخاوف السكان من الروائح وانتشار الأمراض، خصوصًا مع وجود الأطفال في أماكن الإيواء القريبة من المياه المتجمعة.

ويضيف أكرم أن انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار يزيد من حدة المشكلة، إذ لا تجد المياه منفذًا للخروج، فتتجمع في الشوارع والمناطق المحيطة بمساكنهم، فيما يؤدي تضرر خطوط الصرف الصحي إلى طفح المياه العادمة في بعض المواقع واختلاطها بمياه الأمطار.

خلف هذه المعاناة اليومية، تكشف الأرقام الرسمية حجم المشكلة الأوسع. ففي تقييم مشترك لخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة أُجري في غزة بين مارس وأبريل 2026، تبيّن أن 60% من السكان ما زالوا معرضين لمياه الصرف الصحي أو الفضلات البشرية على بُعد 10 أمتار من أماكن إيوائهم، فيما لا تحصل سوى 52% من الأسر التي شملها التقييم على خدمات صرف صحي أساسية. كما تضرر أكثر من 130 ألف متر من خطوط الصرف الصحي، وفق تقارير الأمم المتحدة.

هذه الأرقام تعني عمليًا أن الخطر لا يقتصر على من تحدثوا في هذا التقرير، بل يمتد إلى أغلبية سكان القطاع الذين يعيشون في هذه المساحة الجغرافية المحفوفة بالمخاطر ذاتها، وإن اختلفت تفاصيل معاناة كل منهم.

ولكن ما يحدث على سطح الأرض يجد تفسيره العلمي في فيزياء التربة نفسها؛ فبحسب خبيرة المياه الجوفية، المهندسة ضحى سلطان، فإن المشكلة الجوهرية تكمن في تغير خصائص التربة الهيدروليكية.

توضح سلطان أن مياه الأمطار تسلك عادة مسار الترشيح الطبيعي لتغذية الخزان الجوفي، لكن الثقل الهائل للركام وضغط حركة الآليات والقصف أديا إلى "دكّ" التربة وإغلاق مساميتها الطبيعية. هذا الانضغاط يمنع الأرض من القيام بدورها كممتص للمياه، ويحولها إلى ما يشبه السطح العازل، مما يفرض على المياه الجريان السطحي وتحويل محيط الخيام إلى مستنقعات طينية ملوثة لا تجف بسهولة.

كما أن غبار الخرسانة والمواد الأسمنتية المختلطة بالتربة تُشكل مع المطر طبقة غروية شديدة اللزوجة، تعيق حركة النازحين وتزيد من فرص انزلاقهم، فضلاً عن حبسها للمياه الملوثة على التماس المباشر مع أقدام السكان وأغطية نومهم.

تنعكس هذه الواقعة البيئية المباشرة على صحة القاطنين فوق هذه التربة؛ حيث يوضح الطبيب العام غسان مطر أن الملامسة المستمرة للطين الملوث بالركام والمياه العادمة تؤدي مباشرة إلى تقرحات جلدية والتهابات فطرية للأطفال وكبار السن الذين يقضون يومهم على أرض الخيمة، بالإضافة إلى مخاطر تلوث الجروح المفتوحة.

عجزٌ معلن

لكن التعامل مع مياه الأمطار لا يعتمد على السكان وحدهم، فمع تضرر شبكات التصريف واتساع حجم الركام، تواجه الجهات المحلية تحديًا في إبقاء ما تبقى من القنوات والمسارات مفتوحة أمام مياه الموسم المقبل.

وجّهت مراسلة "آخر قصة" سؤالًا إلى سلطة جودة البيئة عن مدى استعداد شبكات التصريف لموسم الأمطار المقبل، فأجاب المهندس محمد مصلح بأن أجزاء واسعة من شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي تعرضت لأضرار، ما حدّ من قدرتها على استيعاب المياه وتصريفها، خصوصًا في المناطق التي شهدت دمارًا واسعًا. 

وأضاف أن الفرق الفنية تعمل، وفق الإمكانيات المتاحة، على فتح وتنظيف مسارات التصريف ومعالجة النقاط الأكثر عرضة لتجمع المياه، لكن حجم الأضرار يتطلب معدات ووقودًا ومواد صيانة وموارد مالية تفوق المتاح حاليًا.

لكن السؤال الأهم: من يتحمل نتيجة هذا العجز إن حلّ الشتاء قبل أن تتحول هذه الجهود من "عمل وفق الإمكانيات المتاحة" إلى تدخل فعلي يوقف تكرار مشهد الخيام الغارقة؟

ولا تأتي هذه المخاوف من موسم الأمطار المقبل من السكان والجهات المحلية وحدها. ففي 13 أغسطس/آب 2026، حذّرت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة من أن تضرر شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، إلى جانب تهالك الخيام ونقص مستلزمات الإيواء، قد يحوّل الشتاء إلى أزمة إنسانية وصحية، مطالبةً بتأهيل مناطق النزوح وفتح ممرات تصريف المياه وتوفير الوقود والمعدات اللازمة للبلديات.

وبذلك، يبقى مصير محمد سليم وجيرانه في الخيام رهنًا بالمسافة الفاصلة بين تحذير مكتوب يطالب بتأهيل مناطق النزوح، وبين تربة صماء لم تعد تقبل امتصاص المطر، وخيمة ما زالت تفتقر إلى أرضية جافة تمنع الطين من الزحف إلى أجساد ساكنيها.