في منجرة "أبو توفيق" بخان يونس، جنوب قطاع غزة، كان محمد وافي يبدأ يومه قبل الحرب بتقطيع ألواح خشب جديدة وتجهيزها لصناعة الأبواب والقطع المنزلية. أما اليوم، فيبدأ بصوت احتكاك مسمار يُنتزع من صندوق شحن خشبي عابر للحدود. يفكك النجار الصندوق قطعةً قطعة، وينظف خشبه من الأتربة والدهانات، ثم يعيد تجميعه سريرًا بسيطًا لعائلة نازحة. بين البدايتين، اختصر مسار وافي تحوّل صناعة الأثاث في غزة خلال نحو ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية المندلعة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
يقول وافي إن سعر كوب الخشب، الذي كان يحصل عليه قبل الحرب بنحو 1,400 شيكل، وصل اليوم إلى نحو 28–30 ألف شيكل، رغم أنه غير متوفر بشكل منتظم في السوق. أما ألواح الشحن، التي كانت تُشترى بنحو 4 شواكل، فيصل سعر المشطاح الواحد منها اليوم إلى نحو 200 شيكل.
وتكشف تجربته مفارقة في سوق الأخشاب داخل القطاع: ففي الوقت الذي يجد فيه النجارون ألواح الشحن المتداولة مع البضائع ويعيدون استخدامها في التصنيع، يظل الحصول على الأخشاب التي تحتاجها صناعة الأثاث نفسها محدودًا وغير منتظم.
يوضح وافي أن هذه الألواح أصبحت متاحة مع دخول شاحنات البضائع، أو يجري الحصول عليها من ألواح شحن تابعة للجنة المصرية وشراؤها. وهذا يفتح سؤالًا مباشرًا: لماذا يدخل الخشب إلى غزة على شكل ألواح تغليف مرفقة بالبضائع، بينما يظل الخشب الخام الذي يحتاجه النجار لصناعة الأثاث محظورًا أو مقيدًا؟ فالمفارقة هنا ليست شكلية، بل تعيد فتح ملف تصنيف المواد "ذات الاستخدام المزدوج" وآليات إدخال السلع، وهو تصنيف يشمل الأخشاب منذ سنوات طويلة سبقت الحرب الحالية.
لم يعد نقص الخشب مجرد مشكلة في تكلفة الإنتاج، لكنه غيّر طبيعة ما تستطيع المنجرة إنتاجه. فبعدما كان وافي متخصصًا في الأبواب والحلوق والأرابيسك، يقول إن العمل اليوم يتركز على منتجات من الأخشاب المعاد تدويرها، منها المقاعد المدرسية ومستلزمات المؤسسات. ويوضح أن السرير المفرد من ألواح الشحن يكلف نحو 600 شيكل، بينما تصل تكلفة السرير المزدوج إلى 1,800–2,000 شيكل، بحسب الكمية والمواد المستخدمة.
كما تراجع عدد العمال في المنجرة من 13 عاملًا قبل الحرب إلى 8–10 عمال حاليًا، دون أن يعكس هذا الرقم وحده حجم التراجع؛ إذ أصبح جزء من العمل مخصصًا لتفكيك المشاطيح وإزالة المسامير وتنظيف الخشب قبل التصنيع. ويتابع وافي أن حجم الإنتاج لم يعد ثابتًا، بل مرتبطًا بما يمكن العثور عليه في السوق، مشيرًا إلى شح الغراء وارتفاع تكاليف الكهرباء والعمالة، ما يزيد كلفة الإنتاج ويحدّ من قدرة المنجرة على العمل.
ولا يقتصر هذا التراجع على منجرة وافي؛ إذ يقول النجار هزاع الوحيدي من مدينة غزة إن ورشته كانت تنتج قبل الحرب نحو 20 قطعة يوميًا، في ظل توفر الخشب بأسعار منخفضة نسبيًا. أما اليوم، فقد تراجع الإنتاج بنحو 80%، مع اعتماد الورشة على ما يتوفر من الأخشاب في السوق وارتفاع تكاليف الإنتاج بصورة متواصلة وغير مستقرة.

التصدير الضائع
هذه الورش الصغيرة ليست سوى المشهد الأخير من قصة أكبر بكثير؛ فما تعيشه اليوم كان قبل سنوات قطاعًا صناعيًا كاملًا يبيع خارج حدود قطاع غزة. وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن إحدى شركات الأثاث في مخيم جباليا شمال قطاع غزة كانت تشغّل، قبل فرض الحصار الإسرائيلي الشامل عامي (2006-2007)، ما بين 150 و200 عامل، وتصدّر نحو 20 إلى 25 شاحنة من منتجاتها شهريًا إلى إسرائيل والضفة الغربية، قبل أن يتقلص إنتاجها بشدة مع فرض القيود على المواد الخام. وتشير بيانات أممية إلى أن نحو 75% من إنتاج قطاع الخشب والأثاث في غزة كان موجّهًا سابقًا إلى هذين السوقين.
هذا التحول لا يمكن اختزاله في "إعادة تدوير" أو "ابتكار بديل"، حيث يمثل انهيارًا لسلسلة إنتاج كاملة جراء الحصار ثم الحرب.
أزمة الخشب التي يواجهها النجارون في غزة اليوم سبقت الحرب الإسرائيلية بسنوات طويلة. ففي عام 2015، أُدرجت الألواح الخشبية التي يزيد سمكها على 2.5 سم ضمن المواد المصنفة "ذات استخدام مزدوج"، فواجه قطاع الأثاث في غزة قيودًا متواصلة على إدخال الأخشاب ومواد الإنتاج، واضطرت المصانع، بحسب أوتشا، لتقليص تنوع منتجاتها بسبب نوع الخشب المسموح بدخوله فقط.
تُظهر وثائق السياسة الصناعية الفلسطينية أن قطاع الأثاث لم يكن هامشيًا في الاقتصاد الفلسطيني ككل؛ إذ كان يضم أكثر من 3,800 منشأة على مستوى فلسطين، ويشغّل نحو 20,600 عامل، مع إنتاج محلي كبير قبل الحرب. أما في غزة تحديدًا، فتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن أكثر من 70% من المصانع والمنشآت الصناعية دُمّرت، مع توقف كبير في الإنتاج بسبب شح المواد الخام وعوامل أخرى مرتبطة بالحرب.
كما وثّق تقرير للبنك الدولي أن صناعة الخشب والأثاث كانت من أكثر القطاعات الصناعية تضررًا من قيود المواد ذات الاستخدام المزدوج، التي طالت تحديدًا الأخشاب والدهانات والغراء والآلات وقطع الغيار، وأدت إلى تراجع الصناعة إلى أقل من 10% من قدرتها الإنتاجية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2006. أي إن ما يجري اليوم في ورش خان يونس وغزة ليس أزمة طارئة، بل امتداد لسياسة تقييد ممتدة منذ نحو عقدين.

التصعيد
ويرى قانونيون ومنظمات حقوقية أن هذا التصنيف، حين يشمل مواد مدنية بحتة كالأخشاب المستخدمة في صناعة الأثاث والمقاعد المدرسية، يتعارض مع التزامات إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال المادة 43 من لائحة لاهاي، التي توجب عليها ضمان الحياة العامة وسلامة السكان الخاضعين لاحتلالها، والمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقاب الجماعي دون استثناءات. وقد طالب مقررون أمميون معنيون بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مناسبات متكررة، برفع هذه القيود باعتبارها شكلًا من أشكال العقاب الجماعي الذي يطال المدنيين بدل أن يستهدف تهديدًا أمنيًا محددًا.
وبحلول عام 2016، نقلت الجزيرة أن منع الأخشاب السميكة ومواد الطلاء أدى إلى توقف شبه كامل لقطاع الصناعات الخشبية، وتحدّث اتحاد الصناعات الخشبية والموبيليا حينها عن نحو 700 مصنع وورشة و10 آلاف عامل متضررين، وتعطل نحو 90% من مصانع الأثاث. كما ارتفع سعر متر الخشب في تلك الفترة إلى نحو 7 آلاف شيكل، مقارنة بنحو 2,400 شيكل قبل القيود.
على مدى السنوات التالية، ظلت عملية إدخال الأخشاب خاضعة لقيود وموافقات، فيما اقتصرت بعض التسهيلات على كميات محدودة ومنشآت محددة، ولم تستعد الصناعة قدرتها السابقة على الإنتاج والتصدير؛ إذ ظلت حركة إدخال المواد الخام وتصدير الأثاث مرتبطة بالتطورات الأمنية وقرارات إغلاق المعابر. وبحلول عام 2023، كانت الصناعة لا تزال تعمل في ظل آثار سنوات من هذه القيود، بعد أن تراجعت قدرتها الإنتاجية بشدة مقارنة بما كانت عليه قبل فرض الحصار.
وعقب عقود من التكيف القسري مع تحول أزمة المواد الخام، انكمشت الورش المتبقية إلى وحدات صغيرة تتغذى على نفايات السوق والخشب المستعمل. والسؤال هنا: كم بقي من هذه الصناعة بعد سنوات القيود، ثم الحرب؟

بالأرقام
كم عدد مصانع وورش الأثاث التي كانت قائمة قبل النزاع؟ وكم منها دُمّر؟ وكم منها يعمل حاليًا؟ وما حجم العمالة التي فقدها القطاع؟
يجيب رئيس اتحاد الصناعات الخشبية والموبيليا، مجاهد السوسي: كان القطاع يضم قبل الحرب نحو 800 إلى 900 مصنع وورشة ومنجرة، تشغّل قاعدة عمالية تُقدّر بـ 8,000 إلى 9,000 عامل. ويقدّر أن الحرب دمّرت أو ألحقت أضرارًا بما بين 700 و800 منشأة (مع تحفظه على دقة الإحصاءات لعدم إجراء مسح شامل بعد). وبعد عودة النشاط عقب فترات النزوح، تراوح عدد المنشآت العاملة بين 40 و45 منشأة، قبل أن يرتفع حاليًا إلى أكثر من 90 منجرة ومصنع موبيليا.
لكن عودة هذه المنشآت لا تعني استعادة القطاع لطاقته السابقة؛ فهي، بحسب السوسي، لا تستخدم سوى 10–15% من قدرتها الإنتاجية، بسبب شح المواد الخام وارتفاع أسعارها وتراجع القدرة الشرائية للسكان. ويعمل في القطاع اليوم نحو 900 إلى 1,000 عامل فقط، فارق يعكس فقدان القطاع لغالبية كادره التاريخي.
ولا يقتصر النقص على نوع محدد من الأخشاب؛ إذ اختفت من السوق معظم الأنواع التي كانت متوفرة، ومنها الزان والميبل والسويد والطوبار والخشب الأبيض، إضافة إلى ألواح MDF والساندويتش، ما يدفع الورش العاملة إلى إعادة تدوير الأثاث القديم وألواح الشحن.

المسؤولية
يقول الاتحاد إنه رفع مطالب متكررة للجهات الرسمية لإعادة فتح باب إدخال الأخشاب والمواد المرتبطة بها، ويعمل حاليًا على إعداد خطط للتعافي وإعادة تأهيل المنشآت والعمال. لكنه لم يوضح ما إذا كانت أي من هذه المطالب قد لقيت استجابة رسمية حتى الآن، أو ما إذا كان هناك جدول زمني معلن لإعادة تشغيل القطاع.
إعادة تدوير ما تبقى من الخشب لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن المواد الخام اللازمة لإعادة تشغيل الصناعة. وهنا ينتقل السؤال من قدرة النجارين على التكيف إلى دور الجهات المسؤولة: ماذا فعلت وزارة الاقتصاد والصناعة، منذ بداية الحرب وقبلها، لضمان وصول الأخشاب والمواد الخام إلى غزة؟
وفي ظل الحديث الرسمي عن التعافي الصناعي، أطلق الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية والمجلس الفلسطيني للإسكان في يونيو/حزيران 2026 مبادرة "غزة تستطيع"، بمشاركة وزير الصناعة عرفات عصفور ووزير الاقتصاد الوطني محمد العامور وممثلين عن القطاعين العام والخاص وجهات دولية. وأشار وزير الصناعة، بحسب موقع "بنيوز"، إلى أن الوزارة تواصل تنفيذ مشروع حصر وتقييم الأضرار التي لحقت بالمنشآت الصناعية في غزة تمهيدًا لوضع خطط التعافي، دون أن يتطرق تحديدًا إلى قطاع الصناعات الخشبية والأثاث أو إلى ملف الأخشاب. وهذا يطرح سؤالًا محددًا: أين يقف هذا القطاع ضمن المبادرة؟ وهل تشمل خطط التعافي المعلنة إعادة تأهيل منشآته وتوفير مواده الخام، أم أنه غائب عنها؟
وطلبت مراسلة "آخر قصة" من وزارة الاقتصاد والصناعة توضيح ما اتخذته من إجراءات لإدخال المواد الخام مع استفسارٍ عن تفاصيل خطتها لإعادة تشغيل القطاع، إلا أنها لم ترد حتى نشر هذه المادة.
سؤال معلّق
في منجرة "أبو توفيق"، ما زال محمد وافي يفكك صناديق الشحن صندوقًا بعد صندوق، محاولًا أن يبقي ورشته مفتوحة بما هو متاح. لكن ما تعيشه ورشته هو نفسه ما آل إليه قطاع كامل، تعثر تحت وطأة تراجع الإنتاج والاعتماد القسري على النفايات الخشبية لسدّ حاجة سوق محاصر.
وبقدر ما تُظهر تجربة وافي قدرة النجارين على التكيف، فإنها تكشف أيضًا حدود هذا التكيف؛ فإعادة التدوير لم تعد حلًا، بل مجرد تأجيل للسؤال الأصعب: هل ستحمل خطط التعافي الصناعي المعلنة موعدًا فعليًا لعودة الخشب إلى غزة، أم ستبقى ورش النجارة تصنع من الحطام وحده؟