عند واجهة محلٍ في غزة، يقف سعيد أحمد (33 عامًا) يمسح بظهر يده قطرات العرق التي تسللت من جبينه، وعيناه مثبتتان على مروحة كهربائية مستعملة. لم يعد الخيار بين الجديد والمستعمل، بل بين الشراء بثمن باهظ أو الاحتراق صيفًا. 

يقول سعيد: "كانت المروحة، من أفضل العلامات التجارية، تُباع في غزة قبل الحرب بـ100 شيكل (نحو 33 دولارًا)، أما الآن فتجاوز سعرها الألف؛ لهذا توجهت لشراء واحدة مستعملة معتقدًا أن سعرها سيكون معقولًا، لكن تفاجأت بأنه حتى المستعمل صارت أسعاره جنونية، ورغم هذا نضطر لشرائه في الغالب، لعدم وجود بدائل".

في غزة اليوم، لم تعد الأسعار مجرد ملصق يشد الزبائن، بل أصبحت يافطة تزيد العين بؤسا إذا رأت الأرقام. ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، تجاوزت أسعار معظم السلع في المحافظات الشمالية مستويات ما قبل الحرب بأكثر من 1000%. وتُظهر شهادات مواطنين لـ"آخر قصة" ارتفاعات حادة في أسعار سلع أخرى، دفعتهم إلى اللجوء للسلع المستعملة والمرقّعة كبدائل اضطرارية.

في غرفتها المتواضعة، تفتح دعاء أحمد (30 عامًا) حقيبة قديمة وتستعرض أمامنا مقتنيات باتت ثمينةً بقدر ما هي مهترئة، ومع ذلك قالت: انظروا هذا يحتاج ثروة الآن"، تقصد (هاتف جوال، ونظارة طبية، وجهاز لابتوب).

 وتتابع أحمد: "خلال الحرب، وبسبب انقطاع الكهرباء، اضطررنا إلى شراء لوح واحد للطاقة الشمسية وبطارية، بتكلفة تجاوزت 10,000 شيكل (نحو 3,000 دولار)، بعدما كانت قبل الأحداث لا تتخطى 1,000 شيكل (335 دولارًا)". أي إن تكلفة ما اشترته الأسرة ارتفعت إلى نحو عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

أما رزان يونس (25 عامًا)، فتستعيد مشهد السرقة التي طالت مولّد المياه من منزلهم، وكيف تحول البحث عن بديل إلى رحلة مريرة. 

تروي يونس لـ"آخر قصة": "كان سعر المولد قبل الحرب 700 شيكل، وعندما سرق، بحثنا طويلاً حتى وجدنا واحداً مستعملاً بـ3,000 شيكل". 

بالنزول إلى السوق والسير بين بسطات الخردة، تجد فارقًا جوهريًا في الأسعار قبل وبعد الحرب، فالمستبصر بالعين المجردة، يرى أن السلع المتهالكة اليوم تحتاج إلى مبالغ باهظة لأجل اقتنائها.

فعلى سبيل المثال: "شواحن وأسلاك شحن الهاتف، التي لم تكن تزيد على 20 شيكلًا، تصل الآن إلى 200، وشاشة حماية الهاتف ارتفع سعرها من 25 شيكلًا إلى 300، وسماعة الهاتف (الكابل) من 3 شواكل إلى 50، فيما قفز سعر سماعة البلوتوث من 50 إلى 1,200 شيكل. وكذلك أسعار منتجات التجميل والعناية بالبشرة، التي تضاعفت بمعدّل 500-900%".

 يشمل الغلاء أيضًا مستلزمات المطبخ، وجالونات المياه، والأجهزة الكهربائية المنزلية، وألعاب الأطفال، والتحاليل الطبية والكشف لدى الأطباء، خاصة أطباء الأسنان وعلاجاتها، والأدوية والمكمّلات الغذائية، وحتى الملابس ارتفعت أثمانها بفارق يصل إلى 300% عما قبل الحرب . 

في أسواق غزة، لم يعد هناك فرق يُذكر بين الجديد والمستعمل، والأصلي والمقلد، كما يروي محمد علي بحسرة، قائلاً: "وصل سعر خشب الطهي إلى 8 شواكل للكيلو، وتبلغ تكلفة احتياج الأسرة المتوسطة منه نحو 80 شيكلًا أسبوعيًا، فلم يعد بديلًا موفرًا عن الغاز الذي يبلغ سعر الكيلو منه 100 شيكل". 

ويتابع المواطن علي: "لا فرق سعري كبير بين الأثاث الجديد والمستعمل؛ في كليهما يبلغ متوسط السعر 2,500 شيكل. وكذلك القدّاحات، فالجديدة منها بـ 70 شيكلًا والمستعملة بـ 50. وأيضًا الهواتف الذكية؛ فالجديد والمستعمل متقاربان في السعر، بحد أدنى يبلغ 2,500 شيكل لكل منهما. أما أسعار البراميل البلاستيكية، فقفزت من متوسط 250 شيكلًا للبرميل سعة ألف لتر قبل الحرب، إلى أكثر من 2,500 شيكل، فيما يبلغ سعر المرقّع نحو 1,600 شيكل".

لا تقتصر تبعات الغلاء على الشراء القسري، بل تمتد لتغيّر في نمط الحياة ذاته، كما تقول دعاء: "نكتفي بالأولويات، ونستغني عن كثير من المتطلبات التي كان وجودها بديهيًا قبل أكتوبر 2023؛ وحتى هذه الممارسات لم تكن كافية في أوقات عديدة خلال الحرب، اضطرّت فيها عائلتي إلى بيع حاجيات وأجهزة وأثاث من المنزل لأجل توفير الأساسيات". 

تتفق معها رزان التي قالت: "نحاول قدر المستطاع ألّا نتلف الموجود، كما قلّصنا الزيارات الاجتماعية بسبب تكلفتها. ولا ندري من السبب، الحكومة أم التجار، لكن الوضع بات لا يُحتمل ويمسّ كرامة الناس".

يذهب محمد علي إلى ما ذهبت إليه سابقتاه، مستشهدًا بما حدث لعائلته مؤخرًا، وقال بصوت يختلط فيه الأسى بالسخرية: "بات الاستغناء نمط حياة، فنحن نعيش بأقل القليل وبالمتاح، لدرجة أننا استعرنا (فرش غاز) للطهي من أصدقائنا قبل أيام، كي لا نضطر إلى شراء واحد بسعر مبالغ فيه يصل إلى 400 شيكل". 

وختم ساخرًا من مرارة الواقع: "أي شيء غير الإنسان غالٍ، والحكومة تقول إنها تراقب الأسعار، لكن لو كانت هناك رقابة حقيقية، فلماذا ينقلب حال السوق مع أول توتر في الوضع الأمني، داخل غزة أو خارجها، ويسارع التجار إلى إغلاق محالهم واحتكار بضاعتهم ليبطشوا بها بالمواطن لاحقًا؟".

من زاوية اقتصادية بحتة، يصف أستاذ الاقتصاد سمير أبو مدللة ما يحدث في أسواق غزة بعبارة موجزة، قائلاً: "اقتصاد حرب في مرحلة انهيار جزئي للسوق؛ حيث ندرة السلع، وتعطّل الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، وهيمنة الوسطاء، وارتفاع مستويات المخاطرة". 

ويُحيل أبو مدللة ذلك إلى الحرب والانهيار اللوجستي، ومحدودية الموردين لبعض السلع، وضعف الرقابة بفعل تضرّر الإمكانات البشرية واللوجستية. 

ويُفسّر تشكّل الأسعار بغياب المنافسة والقواعد الواضحة لتحديد هوامش الربح، قائلًا إن التجار يضيفون إلى الأسعار ما يُسمّى "علاوة مخاطرة" من دون ضوابط. ويرى أن "اقتصاد الترقيع" يجعل المواطن يتحمّل كلفة مضاعفة؛ إذ يدفع سعرًا مرتفعًا مقابل سلعة منخفضة الجودة، ثم يضطر إلى استبدالها سريعًا، مؤكدًا أن الأسعار لا تعكس قيم السلع بقدر ما تعكس ندرة البدائل وضعف المنافسة واستغلال الحاجة. ويحذّر أبو مدللة من التطبيع مع هذه الأسعار، إذ تتحول الحاجة إلى قبولها "بأي ثمن"، بما يفاقم تآكل القدرة الشرائية واستنزاف مدخرات الأسر. 

ويقول: "المشكلة ليست في الرقابة فقط، بل في البيئة الاقتصادية الاستثنائية التي تجعل ضبط السوق أكثر تعقيدًا، لذا لا يمكن تحميل المسؤولية لجهة واحدة، لكن هذا لا يعفي أحدًا من مسؤولياته. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، بل يطالب بسوق أكثر شفافية وعدالة، ورقابة تُقاس بنتائجها على الأسعار، وليس بعدد الجولات التفتيشية، معتبرا أنه في اقتصاد الحرب، تصبح حماية المستهلك جزءًا من الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وليست مجرد مهمة إدارية".

وعلى ذكر المهمة الإدارية، فإن  قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005 يتحدث بوضوح لا لبس فيه، غير أن النصوص أحياناً لا تكف لوضع الأطراف أمام مسؤولياتها الحقيقة. إذ ينص على أنه تتحمّل وزارة الاقتصاد مسؤولية حماية المستهلك، وينسب في المادة (1) وزارة الاقتصاد الوطني كجهة مسؤولة، ويهدف وفق نصّ المادة (2) إلى "حماية وضمان حقوق المستهلك بما يكفل له عدم التعرض لأية مخاطر صحية أو غبن أو خسائر اقتصادية، وتوفير السلع والخدمات ومنع الاستغلال والتلاعب في الأسعار، وتأمين شفافية المعاملات الاقتصادية". 

فيما تنص  المادة (22) على منع "إخفاء أية مادة أو سلعة مخزونة لدى المُزوِّد عن أي شخص يود شراءها دون سبب مشروع، وبيع سلعة أو تقديم خدمة بسعر أو بربح يزيد عن السعر المعلن عنه". 

وفي فصل العقوبات، يفرض القانون في المادة (27)- وفق البنود: 4 و5 و6- عقوبات على كل من يحتكر أو يرفع سعر سلعة مخالفًا التسعيرة المُعلَنة، وكلّ من يصرف سلعًا أُدخِلت البلد بطرق غير شرعية، وذلك بالسجن مدّة تصل إلى 3 سنوات، و/ أو غرامات مالية تصل إلى 3 آلاف دينار أردني. 

النصوص الآنفة لا ترمز إلى مسؤولية الوزارة على ضبط السلع المخالفة فحسب، بل تشمل حماية المستهلك من الاستغلال والتلاعب بالأسعار، وضمان شفافية المعاملات. لكن كيفية تطبيق هذه المسؤولية في سوق لا تُعلن فيه أسعار معظم السلع غير الغذائية للجمهور، تظل محل مساءلة.

وانطلاقًا من مفهوم المساءلة، وجهنا سؤالاً إلى وزارة الاقتصاد الوطني، عن آليات رصد السوق والتعامل مع شكاوى المواطنين، وجاء الجواب على لسان المدير العام لدائرة حماية المستهلك، عماد الحوراني. قائلاً: "سعر السلعة تأثر بارتفاع مبلغ التنسيق المفروض على إدخال السلع من المعابر، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، وتكلفة التخزين المرتفعة بسبب ارتفاع تكلفة إنشائها أو استئجارها". 

أما عن آلية تحديد الأسعار وهامش الربح في ظل شحّ السلع وارتفاع تكلفتها عبر سلسلة التوريد، يوضح الحوراني أنها "تعتمد على تحليل السعر ومعرفة التكلفة الحقيقية، ثم يُوضع هامش ربح متغير مرتبط بسعر السلعة ودرجة المخاطرة وأهميتها وحجم الإقبال عليها، يتراوح بين 10 و15%".

لكن السؤال الأهم: أين يتم الإعلان عن أسعار السلع للجمهور؟ وما مدى التزام التجار بها؟ يجيب الحوراني بأن "تسعيرة السلع غير الغذائية لا يتم إعلانها، على عكس المواد التموينية، بل تُحدّدها الوزارة بالتوافق مع التاجر عند دخول البضائع من المعبر وقبل بيعها، وبخاصة السلع الشحيحة، وليس أمام التاجر إلا الالتزام، وإلا يُعدّ مخالفًا ويُطبّق بحقه القانون". 

وبذلك، لا يملك المستهلك وسيلة واضحة لمعرفة السعر الذي حددته الوزارة للسلعة أو التحقق من التزام التاجر به. ويكشف المسؤول أن "الوزارة تقبل، في حالات معينة، بتحليل سعر مرتفع من التجار لبعض السلع، لحماية مصلحة المستهلك باستمرار توريد السلعة وتجنّب فقدانها من السوق؛ منها حاليًا: القرطاسية والأدوات المنزلية. فلو لم تُحقق السلعة هامش ربح مقبولًا للتاجر يراعي ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتخزين والمخاطرة، يُعتبر ألّا جدوى ربحية من استيرادها". ولا يوضح التصريح المعايير التفصيلية التي تستند إليها الوزارة عند قبول السعر المرتفع، أو مدى إتاحتها للمستهلك.

في المقابل، يُقرّ الحوراني بوجود تجار مخالفين ومحتكرين، ويؤكد أن الوزارة تتدخل فورًا . وقال: "عند وقوع التاجر في المخالفة، نتدخل فورًا للضبط والتقويم، من دون تمييز؛ فمخالفة الأسعار وبيع سلع مغشوشة كفيلة بتحرير محاضر ضبط تُحوّل إلى النيابة، مع إتلاف السلع عند الحاجة".

 وتابع قوله: "في أوقات سابقة خلال الحرب، أثّر الوضع الأمني على عمل لجاننا التي كان يصعب مرافقتها من طواقم الشرطة، مما أوجد حالة من الاستغلال، لكن اليوم  تتوزّع اللجان في كل المحافظات، وتعمل ضمن خطة تُغطّي مختلف المناطق والأسواق ومراكز التخزين، رغم ما يمرّ به القطاع من متغيّرات صعبة".

وحصلت "آخر قصة" على تقرير يُوثّق 300 جولة تفتيشية نفذتها الإدارة العامة لحماية المستهلك خلال النصف الأول من أغسطس، شملت 3,560 منشأة. وتحرير محاضر ضبط وإتلاف سلع مخالفة، فيما استقبلت الوزارة 43 شكوى. بينما لم يتضمن التقرير عدد مخالفات رفع الأسعار أو الاحتكار، ولا مآلات محاضر الضبط والإحالات إلى النيابة، أو نتائج الشكاوى. 

وعن التعاطي مع الشكاوى، يقول الحوراني: "موظفو دائرة الشكاوى يستقبلونها، ويُحوّلونها إلى مسؤول الطوارئ بفرع الوزارة في المحافظة محل الشكوى، الذي بدوره يتابعها ويُرسل اللجان الميدانية للفحص، والأخيرة تُزوّد دائرة الشكاوى لاحقًا بالتغذية الراجعة، من حيث وجود المخالفة، ثم التعامل معها وحلّها. ونستقبل الشكاوى على الرقم المجاني: 1800112233، و(واتساب): 00970594080673".

بين تصريحات الوزارة وفاتورة المواطن اليومية، تظهر فجوة يفسّرها المختص الاقتصادي أبو مدللة بالقول: "الجهات الرسمية تعتمد بيانات تصلها من عدد محدود من الأسواق، أو أسعارًا مُعلنة من التجار، بينما الواقع الفعلي يشهد تفاوتًا كبيرًا في الأسعار بين منطقة وأخرى، وبين سلعة وأخرى، خاصة الأسواق غير المنظمة". ويضيف المختص الاقتصادي: "جزء من التجارة يتم خارج القنوات التقليدية، عبر التهريب والوسطاء والأسواق المؤقتة، وهي مساحات يصعب إخضاعها للرقابة اليومية. لذلك قد تكون الوزارة ترى أنها تمارس دورها ضمن الإمكانات المتاحة، بينما يبقى المواطن يشعر بأن هذه الرقابة لا تنعكس على الأسعار التي يدفعها، فضلًا عن ضعف الشفافية في نشر نتائج الرقابة وعدد المخالفات والعقوبات، مما يُضعف ثقة الجمهور".

وفي وقت يصبح فيه الشراء قسريًا والسعر غير قابل للتفاوض، تبقى الأسئلة مفتوحة على تناقضاتها: تقول الوزارة إنها تقبل في بعض الحالات أسعارًا مرتفعة لضمان استمرار تدفق السلع، بينما ينص القانون على حماية المستهلك من الاستغلال والتلاعب بالأسعار. وبينما تُعلن الوزارة عن جولات التفتيش، تبقى البيانات المتاحة للمواطن محدودة بشأن نتائجها ومآلات الشكاوى والمخالفات.