بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، وبين النزوح المتكرر والعيش في الخيام، وشح المياه، وغلاء الأسعار، تغيّرت تفاصيل كثيرة في حياة نساء غزة. حتى الطقوس اليومية المرتبطة بالعناية بالنفس فقدت بساطتها. أصبح غسل الشعر يحتاج إلى تخطيط، وتجفيفه يحتاج إلى وقت ومكان، وأصبحت العناية به تتطلب قدرًا من الخصوصية يكاد يكون غائبًا.
وفي بيئة هشة تتقاسم فيها آلاف العائلات المياه الشحيحة وحرارة الصيف والمساحات الضيقة، تحوّل الشعر الطويل، الذي كان يومًا جزءًا من روتين العناية بالنفس، إلى عبء يومي تحاول كثير من النساء التخفف منه.
حين يثقل الشَعر
يارا الرملي (28 عامًا) وجدت نفسها بعد ستة أشهر فقط من زواجها، أمام قرار لم يخطر ببالها يومًا أن تتخذه في بداية حياتها الزوجية. قصّت شعرها قصيرًا جدًا، بشكلٍ لم تفضله لكنه الشكل الوحيد الذي استطاعت التعايش معه في ظل النزوح وشح المياه وحرارة الصيف.
قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، كان شعرها امتدادًا لاهتمامها بنفسها وللحياة الجديدة التي بدأت تبنيها بعد الزواج. كانت تملك الوقت والخصوصية والقدرة على الاعتناء به، لكن النزوح غيّر المعادلة كلها. المياه أصبحت محدودة، والاستحمام يحتاج إلى ترتيبات معقدة وظروف لا تتوافر دائمًا، فيما جعلت درجات الحرارة المرتفعة وضغط الحياة اليومية الشعر الطويل عبئًا إضافيًا.
تقول الرملي: "إن قرار قصّ شعري لم يكن سهلًا، لكنه جاء بعد فترة شعرت خلالها بأن العناية به أصبحت مرهقة في ظل الظروف الحالية. لم تعد المشكلة في الرغبة في الاهتمام بالمظهر، بل في توفر أبسط الاحتياجات التي كانت تجعل ذلك ممكنًا."
وتصف ما حدث بأنه تجاوز حدود المظهر الخارجي. فقرار قصّ الشعر، بالنسبة إليها، أصبح انعكاسًا لتحول أوسع أصاب الحياة اليومية للنساء خلال الحرب، إذ باتت قرارات تبدو بسيطة مرتبطة بالحصول على الماء، وتوفير الوقت، وإيجاد حد أدنى من الخصوصية.
وعلى الرغم من أن الشعر القصير خفف عنها بعض أعباء النزوح، فإنها ما زالت تنظر إليه بوصفه علامة على واقع جديد فرض نفسه، يحمل في داخله قدرًا من التكيّف، وقدرًا آخر من الحنين إلى الحياة التي كانت تعرفها قبل الحرب.
تكيُف قسري
هذه التجربة لم تكن استثناءً. بسملة الشيخ (25 عامًا) أيضًا واجهت ظروف مشابهة، إذ لم تتصور يومًا أن يصبح الاعتناء بشعرها مهمة معقدة إلى هذا الحد. سنوات طويلة اعتادت خلالها العناية به، قبل أن تجد نفسها في واقع جعل غسل الشعر وتجفيفه وترتيبه سلسلة من المهام التي تحتاج إلى ظروف لم تعد موجودة.
تروي: "إن قصّ شعري منحني قدرة أكبر على التعامل مع واقع النزوح، لكنه في الوقت ذاته كان تذكيرًا بحجم التغيرات التي طرأت على حياتي؛ فالكثير من الأمور التي كانت تبدو عادية قبل الحرب أصبحت اليوم تحتاج إلى حسابات وجهد إضافي. ففي مكان النزوح أصبحت المياه من أكثر التحديات التي تواجهني يوميًا، إذ لا تتوفر بالسهولة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب."
وتشرح كيف أصبحت حرارة الطقس والازدحام داخل أماكن الإيواء عاملين يضاعفان مشقة الاحتفاظ بشعر طويل. فالعناية به كانت تتطلب وقتًا وجهدًا، بينما أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية ومواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وتؤكد أن قرارها لم يترتبط بالرغبة في تغيير شكلها، وإنما جاء استجابةً مباشرة لظروف أجبرتها على إعادة ترتيب تفاصيل حياتها.

أما هدى عاطف (35 عامًا)، فقد وجدت نفسها أمام نوع مختلف من التغيير. لم يكن التحدي بالنسبة إليها مقتصرًا على صعوبة العناية بالشعر، وإنما في تبدل سلّم الأولويات كله تحت ضغط الحرب.
تقول: "قبل الحرب، كان شعري جزءًا من روتيني اليومي واهتمامي بمظهري، لكنني بعد النزوح وجدت نفسي أمام احتياجات أكثر إلحاحًا. فبين تدبير متطلبات الحياة اليومية، والبحث عن المياه، والتعامل مع ظروف المكان، أصبحت العناية بالشعر من الأمور التي يمكن تأجيلها."
وتوضح أن الشعر الطويل يحتاج إلى وقت وجهد للحفاظ عليه، لكن الظروف الحالية لم تعد تسمح بالاهتمام به كما في السابق. ومع الاكتظاظ داخل أماكن النزوح، وانتشار الحشرات، وظهور حالات إصابة بالقمل والصئبان (السيبان) بين الأطفال والنساء، ازداد قلقها من صعوبة المحافظة على نظافة شعرها. ومع مرور الوقت، شعرت أن قصّه سيخفف عنها جزءًا من المسؤوليات اليومية، ويجعل التعامل مع ظروف النزوح أكثر سهولة.
وترى أن القرار لم يكن تعبيرًا عن فقدان الرغبة في الاهتمام بنفسها، وإنما نتيجة واقع فرض عليها إعادة ترتيب ما هو ضروري وما يمكن تأجيله، حتى إن التفاصيل الشخصية التي كانت تمنحها شعورًا بالراحة أصبحت خاضعة لظروف تتجاوز قدرتها على التحكم.

مقص النزوح
بعيدًا عن خيام النزوح، كانت دينا الجاروشة (40 عامًا)، وهي مصففة شعر، تراقب هذا التحول من زاوية مختلفة. تغيرت طبيعة الطلبات التي تصل إلى صالونها خلال الحرب. الزيارات التي كانت ترتبط غالبًا بالتجميل أو الاستعداد للمناسبات، أصبحت تحمل أسئلة أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية.
تقول: "إن طلبات قصّ الشعر أصبحت أكثر حضورًا، خاصة بين النساء اللواتي يعشن ظروف النزوح"، موضحة أن الأسباب لم تعد ترتبط بالرغبة في تغيير المظهر، وإنما بصعوبة العناية بالشعر في ظل نقص المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وضيق الوقت والخصوصية.
وتلاحظ أن كثيرًا من النساء أصبحن يفضلن القصات القصيرة أو التي تحتاج إلى عناية أقل، بعدما أصبح الحفاظ على الشعر الطويل يتطلب جهدًا ووقتًا لا يتناسبان مع ظروفهن الحالية.
وبالنسبة إليها، فإن ما تراه يوميًا داخل الصالون يتجاوز مسألة الشعر، ويعكس تحولًا أوسع في حياة النساء خلال الحرب، حيث أصبحت الأولويات تدور حول تسهيل الحياة اليومية، والتكيّف مع واقع فرض نفسه على الجميع، ومحاولة استعادة قدر من الراحة والسيطرة على تفاصيل صغيرة وسط ظروف استثنائية.
صحة مُهدَّدة
خلف هذه القرارات الفردية، وما تعكسه من تغيرات داخل الصالونات، تمتد بيئة معيشية قاسية فرضت واقعًا صحيًا معقدًا داخل مخيمات النزوح ومنازل الركام.
ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يعاني النازحون في قطاع غزة من ظروف صحية صعبة نتيجة تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، والشح الحاد في المياه الصالحة للاستخدام الشخصي، وهو ما أدى إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالأمراض الجلدية.
وفي هذا السياق، لم تعد العناية بالشعر مرتبطة بالمظهر وحده، وإنما أصبحت جزءًا من تحدٍ صحي تفرضه ظروف المعيشة، وهو ما يفسره أطباء الجلدية من خلال تأثير نقص المياه وصعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية في صحة الشعر وفروة الرأس.

يقول طبيب الجلدية الدكتور إبراهيم حبوب إن الظروف التي يعيشها النازحون في قطاع غزة انعكست بوضوح على صحة الجلد والشعر، موضحًا أن نقص المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والاكتظاظ في أماكن الإيواء، وصعوبة الالتزام بروتين النظافة اليومي، كلها عوامل قد تؤدي إلى زيادة بعض المشكلات الجلدية.
ويشير إلى أن فروة الرأس تحتاج إلى عناية منتظمة للحفاظ على صحتها، غير أن الظروف الحالية جعلت غسل الشعر والعناية به أكثر صعوبة لدى كثير من النساء، الأمر الذي قد يساهم في ظهور أو تفاقم مشكلات مثل القشرة، والحكة، والالتهابات الجلدية، خاصة مع نقص مستلزمات النظافة وصعوبة توفير الظروف المناسبة.
وحول لجوء بعض النساء إلى قصّ الشعر، يوضح حبوب أن القص لا يُعد علاجًا مباشرًا لمشكلات فروة الرأس، لكنه قد يكون خيارًا عمليًا يساعد على تسهيل العناية بالشعر وتقليل العبء اليومي في بيئة تفتقر إلى المياه والخصوصية.
ويؤكد أن تحسين الظروف الصحية العامة، وتوفير المياه النظيفة ومواد النظافة الأساسية، يظل العامل الأهم للحفاظ على صحة الجلد والشعر، خاصة في أماكن النزوح التي تفرض تحديات يومية على السكان.
سيكولوجيا التكيف
وتوضح المختصة النفسية والاجتماعية أنوار أبو زايدة أن الإنسان خلال الأزمات الممتدة يبحث غالبًا عن مساحات صغيرة يشعر فيها بقدر من القدرة على اتخاذ القرار، حتى عندما يتعلق الأمر بتفاصيل شخصية مثل المظهر والعناية بالنفس.
وترى أن النزاع والنزوح لا يمسان الاحتياجات الأساسية فقط، وإنما يمتدان إلى الإحساس بالخصوصية، والهوية، والصورة الذاتية، مشيرة إلى أن بعض النساء قد ينظرن إلى قصّ الشعر باعتباره وسيلة لتخفيف الأعباء اليومية والتكيف مع الظروف الجديدة.
وتضيف المختصة النفسية أن فقدان الروتين السابق، والعيش في بيئات مكتظة، وصعوبة الحصول على مساحة شخصية، كلها عوامل تؤثر في الحالة النفسية للنساء، وقد تدفعهن إلى إعادة ترتيب أولوياتهن بما يتناسب مع الواقع الذي يعشنه.

في غزة اليوم، لا يحمل الشعر القصير المعنى نفسه الذي كان يحمله في أوقات السلم. إنه نتيجة سلسلة طويلة من الظروف التي تبدأ عند شح المياه، وتمر بدرجات الحرارة المرتفعة، وتنتهي بأماكن نزوح تفتقر إلى الخصوصية. وما كان يومًا جزءًا من روتين العناية بالنفس أصبح عبئًا تحاول كثير من النساء التخفف منه حتى يتمكنّ من إدارة يومهن بأقل قدر ممكن من المشقة.
وتكشف روايات يارا، وبسملة، وهدى، وما تلاحظه دينا في صالون التجميل، أن الحرب لا تعيد تشكيل المدن والبنى التحتية فقط، وإنما تمتد إلى أكثر التفاصيل خصوصية في حياة الناس. حتى الخيارات اليومية البسيطة، التي كانت تُتخذ بلا تفكير، أصبحت تحمل أثر واقع استثنائي يفرض نفسه على كل ما يحيط بالإنسان، وصولًا إلى خصلة شعر تُقص لأنها لم تعد تجد ما يكفي من الماء والوقت والمكان لتبقى كما كانت.