غياب المكان
بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد يوم التخرج في غزة يشبه الصور التي احتفظ بها الطلبة طويلًا في مخيلتهم. اختفت الساحات الجامعية التي اعتادت استقبال الخريجين، وتحوّلت مبانٍ كانت تضج بالمحاضرات واللقاءات إلى ركام. ومع ذلك، ما زال كثيرون يحرصون على الوقوف أمام الكاميرا مرتدين أثواب التخرج، بحثًا عن صورة لا توثق نهاية الدراسة فحسب، وإنما تحفظ أيضًا ما بقي من الحلم بعد أن تغيّر المكان الذي وُلد فيه.
لم تكن صور التخرج أمام الركام استثناءً يخص بضعة خريجين، وإنما جاءت في سياق الانهيار غير المسبوق الذي أصاب التعليم العالي في قطاع غزة. فوفق تقييم مشترك أعدته اليونسكو ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية ومركز "أوراد"، تضرر 95% من الحُرُم الجامعية في القطاع، ودُمّر22 حرمًا جامعيًا بالكامل من أصل 38 حرمًا، فيما خرج195 مبنى جامعيًا من أصل 206 عن الخدمة، وتأثر نحو 88 ألف طالب وطالبة بالحرب.
في السنوات التي سبقت الحرب، كانت صور التخرج تُلتقط في ساحات الجامعات وحدائقها وبين مبانيها التي ارتبطت بسنوات الدراسة، لتصبح جزءًا من الذاكرة الشخصية لكل خريج. أما اليوم، فقد وجد كثير من الطلبة أنفسهم يعيدون تعريف هذه اللحظة؛ فالمكان الذي كان يفترض أن يحتضن الاحتفال اختفى، فيما أصبحت الكاميرا تبحث عن أثر الجامعة أكثر مما تبحث عن زواياها.

وقفت بسملة قاسم (24 عامًا) أمام ركام جامعة الأقصى غرب مدينة غزة، على خلاف ما يحدث عادة في جلسات تصوير التخرج، حيث تبحث الخريجات عن خلفيات زاهية وزوايا مبهجة توثق نهاية رحلة جامعية طويلة. لم تكن تبحث عن صورة جميلة بالمعنى التقليدي، ولم تحاول أن تُخفي آثار الحرب، إذ اختارت أن تُؤطر لحظتها كما هي؛ خريجة هندسة برمجيات تحمل شهادتها أمام المكان الذي احتضن سنوات حلمها قبل أن يتحول إلى كتلة من الحجارة والمعدن الملتوي.
وفي تلك اللحظة، أصبحت الكاميرا من مجرد أداة لالتقاط صورة، شاهدًا على حكاية جيل فقد أماكن تعليمه، لكنه تمسك بالوصول إلى خط النهاية.
تقول قاسم: "الكاميرا هنا لا توثق الفرحة وحدها، ولا توثق الدمار وحده، هي توثق أننا، رغم كل ما حدث، وصلنا إلى هذه اللحظة. أردت أن تكون الصورة شاهدة على أن الحرب هدمت المكان، لكنها لم تهدم ما تعلمناه ولا أحلامنا."
وتضيف الخريجة: "عندما رأيت الجامعة بهذا الشكل، شعرت بالحزن، لأن كل زاوية فيها كانت تحمل ذكرى. هذه القاعات التي درسنا فيها، والممرات التي كنا نمشي فيها، أصبحت اليوم ركامًا."
وتتابع: “لم أرد أن أتجاهل ما حدث، أردت أن تكون الصورة شاهدة على هذه المرحلة. نعم، هناك دمار، لكن هناك أيضًا إنجاز وصلنا إليه رغم كل الظروف”.

لم تكن بسملة وحدها التي وجدت نفسها تبحث عن صورة مختلفة لذلك اليوم. رغد أبو هربيد (24 عامًا) أيضًا حملت معها إلى جلسة التصوير صورة أخرى، احتفظت بها سنوات في خيالها. كانت ترى نفسها ترتدي ثوب التخرج الأسود، تحيط بها زميلاتها، وتلتقط عائلتها الصور التي ستبقى في الألبومات طويلًا. لكن اليوم الذي انتظرته وصل خاليًا من معظم تفاصيله.
توضح أبو هربيد: "كنت أعيش لحظة التخرج في خيالي يومًا بعد يوم؛ أتخيل ثوب التخرج الأسود، والصور مع زميلاتي، ونظرات الفخر في عيون عائلتي. لكن عندما جاء اليوم الذي انتظرته طويلًا، لم أجد المشهد الذي رسمته في داخلي؛ الجامعة غابت، والوجوه التي تمنيت أن تكون حولي غابت معها."
ولم يكن غياب الجامعة أكثر ما أثقل تلك اللحظة بالنسبة إليها. فمنذ أن فقدت أفراد أسرتها، أصبحت الخريجة الوحيدة التي تقف أمام الكاميرا من دون العيون التي انتظرت طويلًا أن تراها بهذه الهيئة.
تروي: “كنت أنتظر هذه اللحظة يومًا بيوم، كنت أتخيل كيف سيكون يوم تخرجي ومن سيكون بجانبي. وجودي أمام الكاميرا كان صعبًا، لأنني كنت أعيش فرحة التخرج وفي داخلي شعور كبير بالفقد، لكنني أردت أن أوثق هذه اللحظة، وأن أحتفظ بذكرى تثبت أنني وصلت رغم كل شيء”.
خلف العدسة
وفي تجربة مشابهة، كان نادر سويلم (26 عامًا) يرتدي ثوب التخرج الأبيض الذي حلم به منذ دخوله كلية التمريض في جامعة الأزهر. الصورة التي خرج بها لم تشبه تلك التي رسمها لسنوات، لكنها احتفظت بالمعنى الذي أراده منذ اختار هذا التخصص.
يقول: "كنت أتخيل يوم تخرجي بشكل مختلف، كنت أتمنى أن أحتفل مع زملائي وفي أجواء مليئة بالفرح، لكن الحرب غيّرت شكل هذه اللحظة. عندما وقفت أمام الكاميرا شعرت أن الصورة تحمل أكثر من مجرد تخرج؛ فهي تحمل سنوات تعب مررنا بها، وتحمل الظروف التي عشناها حتى وصلنا إلى هنا."
ثم يستعيد السبب الأول الذي دفعه إلى دراسة التمريض، قبل أن يصبح النزاع جزءًا من يومياته. يوضح: “اخترت دراسة التمريض لأنني أردت أن أكون شخصًا قادرًا على مساعدة الآخرين، ولم أكن أتخيل أن أصل إلى يوم تخرجي وأنا أرى كل هذا الألم حولي. لكن هذه الشهادة اليوم تعني لي الإصرار على الاستمرار، رغم كل ما حدث”.

طالت آثار الحرب ما هو أكبر من المباني الجامعية، إلى مسار التعليم نفسه. وتشير اليونسكو إلى أن نحو 88 ألف طالب وطالبة في مؤسسات التعليم العالي تعطلت دراستهم، فيما دعمت إنشاء خمسة مراكز تعلم مؤقتة، إلى جانب إطلاق "الحرم الجامعي الافتراضي" لإتاحة مواصلة التعليم لنحو 20 ألف طالب في ظل استمرار تدمير البنية الجامعية.
بعيدًا عن مواقع التصوير، ما زالت بعض ملامح موسم التخرج تحاول البقاء في الأسواق التي أنهكتها الحرب. ففي شارع الوحدة بحي النصر، يواصل سامي النخالة بيع أوشحة التخرج وقبعاته والهدايا المرتبطة بهذه المناسبة، رغم أن شكل الاحتفال تبدّل، وعدد المحتفلين تقلص.
يردف البائع النخالة: “إن الإقبال على مستلزمات التخرج لم يعد كما كان قبل الحرب، لكن الخريجين ما زالوا يبحثون عن هذه التفاصيل الصغيرة التي تمنحهم شعورًا بأن لحظتهم ما زالت تستحق الاحتفاظ بها. فوشاح التخرج أو قبعة الاحتفال لم تعد مجرد قطعة للزينة، بل أصبحت جزءًا من محاولة استعادة فرحة غابت عنها كثير من ملامحها”.
ذاكرة التخرج
امتدت آثار النزاع إلى ما هو أبعد من المباني التعليمية، لتطال التجربة النفسية لجيل كامل من الطلبة. ووفق اليونيسف، حُرم نحو 700 ألف طفل من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاث سنوات دراسية، بينما تضررت 98% من المباني المدرسية في قطاع غزة، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة، في وقت لا يزال مئات الآلاف من الأطفال والشباب محرومين من بيئة تعليمية مستقرة.

ولا ترى المختصة النفسية والاجتماعية أنوار أبو زايدة في هذه الصور مجرد رغبة في الاحتفاظ بذكرى جميلة، وإنما تقرأ فيها محاولة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية التي انقطعت بفعل الحرب.
وتقول: "في الأزمات والحروب، يبحث الإنسان عن لحظات تثبت وجوده وقدرته على الإنجاز. التخرج يمثل محطة مهمة في حياة الفرد، وتوثيقه بالصورة يساعد على حفظ الذاكرة واستعادة معنى الفرح حتى في ظل الألم."
وتضيف أبو زايدة أن هذه الصور تجمع بين الفخر بالوصول إلى الهدف، والحزن على الأماكن والأشخاص الذين غابوا عن تلك اللحظة، وفي الوقت نفسه تعكس قدرة الناس على التكيّف وصناعة معنى جديد وسط ظروف استثنائية.

ومن خلف العدسة، كانت جميلة أبو العوف، مديرة استوديو "فلامنجو"، تراقب هذا التحول، فكل جلسة تصوير بدت لها أشبه بحكاية مختلفة، يحمل أصحابها ثوب التخرج، ويخفون وراء ابتساماتهم خسارات لا تظهر في الصورة.
تروي: "إن صور التخرج هذا العام لم تكن كغيرها، فكل خريج وخريجة كانوا يحملون خلف ابتسامتهم حكاية مختلفة؛ بعضهم فقد جامعته، وآخرون فقدوا أشخاصًا كانوا يتمنون وجودهم في هذه اللحظة."
وبمرور الجلسات، لم تعد تنظر إلى عملها بوصفه توثيقًا لمناسبة اجتماعية، وإنما حفظًا لذاكرة جيل كامل، فيما توضح أن أكثر ما يلفت انتباهها هو التناقض الذي تلتقطه العدسة في كل مرة؛ ثوب التخرج يعلن الوصول، بينما الخلفية تروي حجم الخسارة.
لهذا السبب، لم تعد الكاميرا في غزة تبحث عن الابتسامة الأكثر اتساعًا، ولا عن الخلفية الأكثر جمالًا. أصبحت تحفظ لحظة نادرة في حياة جيل أنهى سنوات دراسته بينما كانت الجامعات تتهاوى، والعائلات تتفرق، والمدينة تعيد تعريف نفسها كل يوم.
والصورة التي خرج بها هؤلاء الخريجون ليست مجرد ذكرى تخرج. إنها وثيقة شخصية لجيل تعلّم في زمن الحرب، وخسر كثيرًا في الطريق، ثم وقف أمام العدسة ليقول، من دون كلمات كثيرة، إنه وصل.