منذ صباح السابع من أكتوبر 2023، لم يتوقف عداد القتل في قطاع غزة إلا في فترات هدنة قصيرة ومتقطعة. وبين كل هذه المحطات، كان هناك ضحية صامتة تتضاعف أرقامها شهراً بعد شهر: جيل كامل من الأطفال الذين يكبرون بلا آباء، بلا أمهات، وأحياناً بلا عائلة على الإطلاق. هذا التقرير يحاول أن يضع مأساة اليتم في غزة داخل إطارها الزمني والإنساني الكامل، منذ اللحظة الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وحتى شهر يونيو 2026 المنصرم، مستنداً إلى بيانات الجهات الرسمية الفلسطينية، وتقارير الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، إلى جانب دراسة ميدانية معمّقة أجراها المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات (PCDCR) على عيّنة من الأطفال الأيتام أنفسهم.


كيف تضاعف رقم اليتم مع كل شهر من الحرب


بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كان عدد الأيتام المسجلين في غزة قبل اندلاع الحرب لا يتجاوز 22 ألف طفل. وبحلول أبريل 2025 كشفت رئاسة الجهاز عن تجاوز عدد الأيتام 39 ألف طفل، فيما أعلنت اليونيسف في وقت لاحق من العام نفسه أن أكثر من 58 ألف طفل في القطاع فقدوا أحد والديهم أو كليهما بسبب الحرب. ومع مطلع عام 2026، أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية أن العدد الإجمالي للأيتام في غزة بلغ 64,616 طفلاً، من بينهم 55,157 فقدوا معيلهم خلال الحرب تحديداً - أي أن رقم اليتم تضاعف نحو ثلاث مرات مقارنة بما قبل الحرب خلال أقل من ثلاثين شهرًا.

الكارثة لا تتعلق بتصاعد أرقام الأيتام فقط؛ فحصيلة القتلى من الأطفال أنفسهم استمرت في الارتفاع حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025. ووفقًا للبيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بلغ عدد الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل منذ بداية الحرب وحتى يوليو 2026 نحو 21,500 طفل، من بينهم أكثر من 520 رضيعاً وُلدوا خلال الحرب واستُشهدوا فيها، و1,022 طفلاً لم تتجاوز أعمارهم عاماً واحداً. وأكدت اليونيسف في 19 يونيو 2026 أن وقف إطلاق النار تحوّل بالنسبة لأطفال غزة إلى "وهم قاسٍ ومميت"، إذ استمر مقتل الأطفال بمعدل طفل واحد تقريباً كل يوم طوال أكثر من ثمانية أشهر من الهدنة المعلنة، فضلاً عن وفاة 157 طفلاً بسبب الجوع وسوء التغذية، و25 آخرين جراء البرد داخل خيام النزوح.


خط زمني: كيف تصاعدت المأساة

 

منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، وتوسعت العمليات الميدانية مع دخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق داخل القطاع في أواخر الشهر. وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، شهد القطاع هدنة مؤقتة استمرت أياماً قليلة، قبل أن يُستأنف القصف مطلع ديسمبر/كانون الأول. وخلال عام 2024، امتدت العمليات إلى رفح وخان يونس، مع استمرار الحصار على شمال غزة ومخيم جباليا، بالتزامن مع تزايد أعداد الأيتام والنازحين شهراً بعد آخر. 

وفي يناير/كانون الثاني 2025، جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة قطرية-مصرية، خفّف القصف مؤقتاً وأتاح دخول مساعدات محدودة، إلا أن الاتفاق انهار في مارس/آذار، لتُستأنف الهجمات على نطاق واسع، وسط استهداف متكرر لمستشفيات ومدارس ومراكز إيواء. 

وبين مايو/أيار ويوليو/تموز 2025، أُعلن رسمياً تفشي المجاعة في أجزاء من القطاع، وسُجلت وفاة عشرات الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد. وفي سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2025، تم التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب، متضمنًا تبادل الأسرى وإدخال المساعدات، ودخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر. ورغم ذلك، استمرت الخروقات اليومية للهدنة بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويونيو/حزيران 2026، بمعدل يقارب مقتل طفل واحد يومياً، إلى جانب استمرار أزمتي الجوع والصحة النفسية دون استجابة كافية. وفي أبريل/نيسان 2026، أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية رسمياً ارتفاع عدد الأيتام في قطاع غزة إلى 64,616 طفلاً.


داخل الرقم: ماذا تقول دراسة ميدانية عن حالة الطفل اليتيم النفسية


إلى جانب الأرقام الإجمالية، توفر دراسة ميدانية أعدّها المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات (PCDCR) بعنوان "الاحتياجات النفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والعاطفية والقانونية لأيتام غزة بعد عامين ونصف من الحرب" أحد أكثر الأوصاف تفصيلاً لما يعيشه الطفل اليتيم يومياً. شملت الدراسة نحو 671 طفلاً يتيماً في سبع مجموعات موزعة على مخيمات ومدارس ومراكز إيواء، وقيّم الباحثون حالتهم النفسية باستخدام استبيانين عالميين معتمدين: الأول لرصد المشكلات السلوكية والانفعالية عند الأطفال، والثاني لرصد أعراض الصدمة النفسية تحديداً (الكوابيس، الذكريات المقتحمة، تجنّب أي شيء يذكّر بالحدث).
جاءت النتيجة المحورية لافتة في بساطتها: بلغ متوسط درجات الأطفال على الاستبيان الأول 17.23 من أصل 40 درجة، وهو تقريباً نفس الدرجة التي يُعتبر عندها أي طفل - في المعايير الدولية - بحاجة لعرضه على مختص نفسي. بمعنى آخر: "الطفل اليتيم المتوسط" في العينة - وليس فقط الحالات الأشد تضرراً - يحتاج فعلياً لتقييم نفسي متخصص. وهذا يعني، كما تخلص الدراسة، أن انتظار الحالات الحرجة لتصل إلى العيادة لا يكفي هنا؛ فالمشكلة تشمل شريحة كاملة من الأطفال، لا حالات فردية متفرقة.
يقول طفل يتيم، إحدى مجموعات الدراسة المستهدفة: "لما أشوف أولاد عمي مع أبوهم، بقول: ليش أبوهم موجود وأبوي مات".

 

الألم الخفي: الجرح الأهدأ هو الأعمق


أسيل، 12 عامًا، تقيم مع أمها وثلاثة إخوة في خيمة بدير البلح منذ ثمانية عشر شهراً. تبدو هادئة ومنضبطة، ولا تثير مشكلات - "هي بتعمل كلشي صح"، كما وصفتها أمها. لكن حين سُئلت عمّا يجعلها حزينة، أجابت بعد صمت طويل بأنها كثيراً ما تجلس وحدها وتبكي دون أن يراها أحد.
هذا النمط هو الأبرز في نتائج الدراسة: 68.41% من الأطفال يعانون من مستويات مقلقة من القلق والحزن والمخاوف الداخلية، مقابل نسبة أقل بكثير ممن تظهر عليهم مشكلات سلوك صاخبة كالعدوانية أو فرط الحركة. بمعنى أبسط: الطفل المجروح في غزة لا يكسر الأثاث غالباً، بل يبكي وحيداً في الليل - وهو ما يجعل معاناته أسهل في الإخفاء وأصعب في الانتباه إليها.
ويوضح الباحث الرئيسي للدراسة، د. سعيد المقادمة، أن النظر إلى الدرجة الإجمالية للطفل وحدها قد يُخفي أشد الحالات ألماً: فيتيم الأم يبدو، من حيث الدرجة الإجمالية، الأقل تضرراً بين فئات العينة، لكن حين يُنظر تحديداً إلى مستوى القلق والحزن لديه، يتبين أن 61.5% منهم يعانون بشدة - أي أن الرقم الإجمالي "المطمئن" يخفي معاناة حقيقية عميقة لدى أغلبهم.
 

"كنت تحت الأنقاض معهم" - الناجون الوحيدون


في إحدى الجلسات، نقلت معلمة شهادة فتاة في الخامسة عشرة، الناجية الوحيدة من عائلتها، همست لها في نهاية الجلسة بأنها كانت تتمنى لو كانت معهم وقت القصف. يبلغ عدد "الناجين الوحيدين" في عينة الدراسة 17 طفلاً - أصغر الفئات عدداً وأشدها صدمة: 82.35% منهم شهدوا وفاة ذويهم مباشرة أمام أعينهم، وخمسة أطفال منهم كانوا تحت الأنقاض مع جثث أهلهم بانتظار الإنقاذ.
ويفسّر محمد الهباش، المسؤول عن التحليل الإحصائي في الدراسة، أن صدمة هؤلاء الأطفال تأتي على شكل ذكريات وكوابيس تقتحم تفكيرهم رغماً عنهم، حتى وهم يحاولون نسيان ما حدث. وهذا النوع من المعاناة قد لا يظهر بوضوح في الدرجة الإجمالية العامة للطفل، لأن سلوكه الخارجي قد يبدو هادئاً رغم اضطرابه الداخلي الشديد.
 

البيئة تجرح أكثر من نوع الفقد


يزيد، 11 عامًا، يعيش مع أمه وأربعة إخوة في خيمة بمخيم نزوح في دير البلح وسط القطاع، ويتعثر في المدرسة بسبب غياب متكرر تفرضه قسوة الطقس داخل الخيمة، وقد توقف عن الالتحاق المنتظم قبل ثلاثة أشهر. 
ويمثّل يزيد نمطاً رصدته الدراسة بوضوح: أقوى المتنبئات بشدة الضائقة النفسية ليست نوع الفقد (يتيم أب، أَم يتيم أُم، أَم كليهما)، بل الوضع التعليمي ومكان الإقامة. فالأطفال المتوقفون عن المدرسة لأسباب نفسية يسجلون 96.2% فوق عتبة الاضطراب، كما أن العيش في خيمة - وهو واقع 76.45% من أيتام العينة - يرفع احتمال تجاوز عتبة الاضطراب بنحو 1.6 ضعف مقارنة بالعيش في مبنى. وهو ما يجعل إعادة الإعمار، كما يقول د. المقادمة، تدخلاً وقائياً للصحة النفسية لا مجرد مطلب إنساني.
المعلمة رجاء زهد التي تعمل في نقطة تعليمية وسط مدينة غزة، تقول: "إن المدرسة أصبحت أكثر من مكان للتعلم، فهي مساحة آمنة تمنح الأطفال فرصة للعب والتفاعل واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، رغم أن آثار الصدمة ما تزال واضحة عليهم، ومع غياب مختصين نفسيين يظل دور المعلمين محدوداً أمام حجم المعاناة."


"الرعاية إسعافية لا تنموية" - الكافل المنهك


أم أحمد، 40 عامًا، نازحة من شمال غزة، تعتني بثلاثة أطفال أيتام منذ فقدت زوجها في القصف قبل عام وثلاثة أشهر. يومها يبدأ بالتفكير في الخبز وإيجار الخيمة، ولا تجد وقتاً ولا طاقة للحديث مع أطفالها عن مشاعرهم أو عن أبيهم.
حالتها ليست استثناء: كشفت الدراسة أن 81.22% من الكافلين، وغالبيتهم أمهات، يقرّون بحاجتهم هم أنفسهم لدعم نفسي. لكن حين سُئلوا عمّا يحتاجه أطفالهم تحديداً، لم يذكر الدعم النفسي للكافل نفسه سوى 21.76% منهم فقط - فجوة وعي تقارب ستين نقطة بين ما يعيشونه فعلاً وما يُقرّون بالحاجة إليه.
 


 

الصورة الأوسع: مليون طفل بحاجة إلى دعم نفسي


تمتد أزمة الصحة النفسية من الأيتام إلى جيل كامل من أطفال غزة. ففي مارس 2026 أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من مليون طفل في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي بعد أكثر من عامين من العنف والنزوح والفقد، وأن 96% منهم يشعرون بأن الموت وشيك. وبين المراهقين والشباب تحديداً، تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 61% يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق، فيما يفكر واحد من كل خمسة بالغين في الانتحار بشكل شبه يومي. كما رصدت تقارير أممية أن الفتيات القاصرات باتت أكثر عرضة للتزويج المبكر كاستراتيجية بقاء أسري وسط النزوح والفقر، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر صحية واجتماعية إضافية.
تتقاطع هذه الصورة مع ما وثّقته منظمات دولية أخرى؛ إذ أشارت تقارير إلى أن بعض الأطفال باتوا يعتقدون أن القصف لم يتوقف فعلياً رغم فترات الهدوء، فيما تكشف ورش الرسم العلاجي أن غالبية الأطفال يرسمون منازل مدمّرة ويستخدمون اللون الأحمر كلون أساسي في تعبيرهم البصري. ويحذّر مختصون من أن آثار هذه الصدمات المتراكمة - على عكس الصدمة الواحدة الحادة - قد لا تظهر فوراً، بل تمتد لعقود قادمة لتشمل قدرة هذا الجيل على الثقة وبناء العلاقات واتخاذ القرار.
استشاري الصحة النفسية د. أسامة عماد أوضح أن ما يعيشه أطفال غزة لا يندرج ضمن الأنماط التقليدية المعروفة في الأدبيات النفسية، فهو يمثل حالة مركّبة من الصدمات المتراكمة. وأشار إلى أن أبرز التداعيات تشمل اضطراب ما بعد الصدمة المصحوب بكوابيس وخوف شديد ورهاب اجتماعي، إلى جانب مظاهر جسدية كالتبول اللاإرادي والتأتأة واضطرابات النمو، وتأخراً في التطور اللغوي والمعرفي بسبب الحرمان المستمر من التعليم واللعب والرعاية الصحية. 
وحذّر عماد من أن استمرار هذا الواقع دون تدخلات نفسية واجتماعية منهجية قد يُنتج جيلاً بأكمله يعاني من اضطرابات سلوكية ومعرفية طويلة الأمد.
بدوره، أكد مدير المستشفى النفسي الوحيد في غزة، د. عبد الله الجمل، أن الوضع النفسي في القطاع حتى هذا اليوم لا يزال "كارثياً"، موضحاً أن تدمير المستشفى في وقت مبكر من الحرب ترك خدمات العلاج النفسي محدودة للغاية حتى اليوم، رغم مرور نحو ثمانية أشهر على وقف إطلاق النار.


الإطار القانوني: حق مكفول ومنتهك


على المستوى الدولي، تلزم المادة 20 من اتفاقية حقوق الطفل الدول بتوفير "حماية خاصة" للأطفال المحرومين من بيئتهم الأسرية وضمان رعاية بديلة تراعي هويتهم. كما تفرض المادة 24 من اتفاقية جنيف الرابعة على طرف النزاع المحتل اتخاذ تدابير لضمان رعاية وتعليم الأطفال الذين فقدوا ذويهم بسبب الحرب. وتُعطي المبادئ التوجيهية الأممية بشأن الرعاية البديلة للأطفال (2010) الأولوية لرعاية الأسرة الممتدة على الرعاية المؤسسية، وتُلزم الدول بدعم الكفلاء مادياً ونفسياً.
غير أن الإطار القانوني المحلي يضيق هذا الحق بدل توسيعه: تُعرّف المادة 170 من قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني "اليتيم" بمن فقد أباه فقط، وهو تعريف يُقصي "يتيم الأم" و"اليتيم حكماً" - أي من فقد والده تحت الأنقاض دون شهادة وفاة رسمية - من الكفالة والحقوق المترتبة عليها. 
وتصف المحامية ريم أبو حميد، المتخصصة في قانون الطفل، هذا الوضع بأنه "طبقتان من الإقصاء": الأولى قانونية محلية، إذ لا يوجد لهذه الفئة سجل رسمي، والثانية إجرائية ناتجة عن شلل المحاكم في غزة الذي يجعل استخراج أي وثيقة رسمية أمراً بالغ الصعوبة.
تُظهر الإجراءات القانونية أن تعطل المحاكم وغياب شهادات الوفاة الرسمية في كثير من الحالات عطّل تثبيت الوصاية والإرث وصرف بعض الحقوق للأطفال الذين فقدوا ذويهم خلال الحرب. 
كما أن قصر تعريف "اليتيم" في قانون الأحوال الشخصية على فاقد الأب يخلق ثغرات تستبعد بعض الأطفال من الاستفادة من بعض برامج الكفالة، فيما يواجه الأطفال الذين لا يزال ذووهم تحت الأنقاض أوضاعًا قانونية معلقة تعرقل حصولهم على حقوقهم.
وتقدّر الدراسة أن نحو 8,000 جثة لا تزال تحت الأنقاض في غزة حتى الآن، ما يعني أن آلاف الأطفال قد يكونون "أيتاماً حكماً" دون حق قانوني مثبت، ولا يظهرون في إحصاء الـ64,616 طفلاً.


الأمل يصمد لكنه يحتاج من يحميه


ليست كل نتائج الدراسة قاتمة. هبة، 14 عاماً، يتيمة الأب منذ سنة وسبعة أشهر، أجابت حين سُئلت عن أمنياتها بلا تردد بأنها تريد إكمال دراستها لتصبح محامية، ثم أضافت بعد لحظة رغبتها في العودة إلى بيتها. وتمثّل هبة نمطاً مبشّراً رصدته الدراسة: 75.41% من الأطفال ما زالوا يحملون أحلاماً وأمنيات، و72.4% يحافظون على سلوك إيجابي طبيعي من تعاون ومساعدة ومراعاة، رغم كل ما مرّوا به.
وحين سُئل أحد الأطفال الأيتام عمّا يريحه، أجاب ببساطة أنه يفضّل أن تسمعه أمه. وتؤكد الأرقام هذا المعنى: "الشخص الآمن" يتصدر مصادر الطمأنينة لدى الأطفال بنسبة 78.54%، متقدماً على اللعب والإيمان والروتين اليومي مجتمعين. الإنسان قبل المؤسسة، والعلاقة قبل البرنامج.

 

ما تقوله الأرقام للسياسات


تخلص الدراسة إلى أربع أولويات تدخلية تُبنى على ما يصمد في غزة فعلياً لا على بنية تحتية غائبة:
أولاً - وحدات تفريغ نفسي متنقلة تصل إلى الطفل في الخيمة والمدرسة والمركز المجتمعي، عبر لعب موجّه ورسم ودراما وحكي بصبغة نشاط لا علاج - إذ يفضّل 56.48% من الأسر مجموعات الدعم مقابل 2.83% فقط يختارون العيادة.
ثانياً - كفالة شاملة للأسرة لا للطفل وحده، بتخصيص ما لا يقل عن 30% من موارد أي برنامج للكافلين أنفسهم، لأن الكافل المنهك ينتج طفلاً منهكاً.
ثالثاً - حماية التعليم استباقياً باعتباره أقوى محدد مستقل للضائقة النفسية، رغم أن 24.89% فقط من الأسر يدرجونه ضمن أولوياتهم الثلاث الأولى أمام حاجات البقاء الفورية.
رابعاً - إصلاح تعريف الاستحقاق القانوني من "فقدان المعيل" إلى "حاجة الرعاية"، لينال يتيم الأم و"اليتيم حكماً" حقوقهما - وهو إصلاح تشريعي لا يحتاج إلى بنية تحتية، بل إلى قرار.
على المستوى الأشمل، تشير الأمم المتحدة إلى ضرورة ربط الدعم النفسي والاجتماعي بخدمات الغذاء والصحة والتعليم في استجابة متكاملة، في ظل استمرار النزوح ومحدودية الموارد وتقييد وصول المساعدات كعوامل تعرقل أي تدخل مستدام. فبقاء الهدنة هشاً، واستمرار سقوط الأطفال قتلى وجرحى حتى بعد وقف إطلاق النار رسمياً، يعنيان أن رقم الأيتام في غزة لم يستقر بعد، وأن أي إحصاء - مهما بدا حديثاً - هو صورة للحظة عابرة في مأساة ما زالت تتكشف فصولها.