في حصيلة قاتمة تعكس انحداراً خطيراً في حماية الفئات الأكثر هشاشة خلال زمن الحرب، كشف تقرير الأمم المتحدة السنوي الصادر، اليوم الأربعاء (17 مايو 2026)، عن تسجيل عام 2025 لأعلى عدد من الأطفال ضحايا النزاعات المسلحة منذ أن بدأت المنظمة الدولية رصد هذه الانتهاكات قبل ثلاثة عقود.
ولم يقتصر الأمر على الأرقام القياسية المأساوية فحسب، بل حمل التقرير مفاجأة صادمة تمثلت في تجاوز الانتهاكات المرتكبة من قبل القوات الحكومية النظامية لتلك التي تقترفها الجماعات المسلحة غير الحكومية، في تحول يصفه المراقبون بأنه "تآكل خطير" لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
مشهد من الجحيم
في ممرات المستشفيات المزدحمة، وعلى أطراف الحقول الملوثة بالألغام، وفي زنازين الاحتجاز المظلمة، كان أطفال العام الماضي يدفعون الثمن الأغلى لصراعات لم يصنعوها.
التقرير الذي يوثق ست انتهاكات رئيسية - القتل والتشويه، التجنيد، الاختطاف، العنف الجنسي، الهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع المساعدات - رصد 38,558 انتهاكاً خطيراً طالت 24,174 طفلاً، عانى العديد منهم من انتهاكات متعددة. وكانت الفتيات، اللواتي شكلن ثلث الضحايا، أكثر عرضة للعنف الجنسي والاختطاف لأغراض الزواج القسري أو الاستعباد الجنسي.
صدمة التحول
المفاجأة الأكثر إثارة للقلق طبقا لما ورد في تفاصيل التقرير، أن المسؤولية عن القتل والتشويه والهجمات على المدارس والمستشفيات وعرقلة المساعدات لم تعد حكراً على الجماعات المتمردة، بل أصبحت القوات الحكومية النظامية هي الطرف الأكثر تورطاً في هذه الانتهاكات الجسيمة.
هذا التحول الدراماتيكي، بحسب المحللين، يعكس تغيراً في طبيعة الصراعات وازدياداً في استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان، إلى جانب التوسع في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، مما يزيد من مخاطر إيقاع المدنيين ضحايا للغارات التي تفتقر إلى الدقة المطلوبة.
القتل والتشويه: فصول مفتوحة

ما زال القتل والتشويه الهيمنة على قائمة الفظائع. ففي غضون عام واحد فقط، قُتل 6,266 طفلاً وأصيب 7,958 آخرون بتشوهات دائمة، مسجلة بذلك زيادات مروعة بنسبة 34% في القتل و10% في التشويه. لم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات باردة، بل كانت تجسيداً لاستراتيجيات عسكرية تجاهلت، حسب التقرير، "مبادئ التمييز والتناسب والحماية الخاصة الممنوحة للأطفال"، مخلفة وراءها جثثاً صغيرة ومستقبلاً محطماً.
جوع محاصر ورعب مضاعف
في المركز الثاني من حيث الانتشار، جاءت حوادث منع وصول المساعدات الإنسانية التي تجاوزت 8,322 حادثة، مما يعني أن أطفالاً في اليمن والسودان وغزة والكونغو وجدوا أنفسهم محاصرين بين القصف والجوع، محرومين من أبسط مقومات الحياة. في الوقت نفسه، جرى تجنيد 6,607 أطفال قسراً في صفوف المقاتلين، واختطف 5,129 آخرون، غالباً لدفعهم إلى القتال أو استغلالهم جنسياً، في ازدواجية مروعة للعنف.
صدمات لا تزول
لم تغب جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي عن المشهد، بل ارتفعت وتيرتها وأصبحت تُستخدم بشكل منهجي كسلاح للحرب، بما في ذلك حالات الاغتصاب الجماعي الموثقة. وحتى بعد انتهاء المعارك، تبقى الألغام الأرضية والقنابل العنقودية فخاخاً مميتة، تلتهم أطراف الأطفال البريئة وتقتلع أعينهم، مخلفة إعاقات دائمة وعقبات تحول دون تعليمهم ودمجهم مجدداً في مجتمعاتهم الممزقة.
ضحايا يبحثون عن عدالة
وسط هذا الدمار، احتجز 1,667 طفلاً بتهمة الارتباط الفعلي أو المزعوم بجماعات مسلحة. وقد شددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، فانيسا فريزر، على ضرورة التعامل مع هؤلاء كضحايا أولاً، معتبرة أن إعادة إدماجهم ليست مجرد برنامج إنساني بل "مرحلة يُعاد فيها بناء مستقبل الطفل – ومستقبلنا جميعاً كبشرية".
لكن التقرير أشار أيضاً إلى بعض بصيص الضوء، إذ تلقى 13,112 طفلاً دعماً لإعادة الإدماج، وتم التوصل إلى أربعين التزاماً من أطراف النزاع في دول مثل الصومال وأوكرانيا وكولومبيا لتسليم الأطفال وحمايتهم.
دعوة للتحرك
بمناسبة مرور 30 عاماً على إنشاء هذه الولاية الأممية، وفي وقت يواجه فيه النظام الدولي اختبارات مصيرية، وضعت فريزر المجتمع الدولي أمام مسؤوليته قائلة: "الكلمات وحدها لا تكفي؛ فثمة حاجة إلى إجراءات حاسمة ومستدامة". وأضافت أن "حماية الأطفال ليست طموحاً نسعى إليه، بل التزاماً واجباً". ورغم عبء الذكرى السنوية، بقيت رسالة التقرير واضحة: في عام شهدت فيه البشرية أرقاماً قياسية من المعاناة الصامتة، كان الأطفال هم الفصل الأكثر دموية في كتاب الصراعات التي لم تلوح في أفقها نهاية قريبة.