قد نعتبر العطش إشارة عابرة من أجسامنا بعدم كفايتها من السوائل فنذهب للبحث عن كوب ماء، لكن في سياقات الطوارئ والظروف المعيشية غير المُستقرّة ومناطق النزاعات حيث محدودية الوصول إلى المياه، قد يتحوّل هذا الاحتياج الفسيولوجي البسيط إلى تهديد حياة، لا سيما عند الأطفال، وبالأخص الرُّضّع وحديثي الولادة.

يُعرّف أطباء الأطفال الجفاف على أنه "فقدان الجسم كميات كبيرة من السوائل والأملاح المعدنية"، وهو مسؤول عن كثير من حالات اعتلال الصحة والوفيات بين الأطفال على مستوى العالم، ويحدث الجفاف عند الأطفال عندما تطرح أجسامهم الفضلات بمعدل زائد عن الطبيعي، لأسباب مختلفة؛ منها ممارسة أنشطة بدنية مكثفة دون تعويض كافٍ بالسوائل، أو بفعل حالات صحية أخرى مثل الحمى، الإسهال، القيء. 

وفي الوضع الطبيعي فإن نسبة السوائل في جسم الإنسان 60-70%، وعند الأطفال ترتفع النسبة لتصل 80%، ويقول أطباء إن الرضع هم الأكثر عرضة للجفاف بسهولة عند فقدان كم بسيط من الماء "نظراً لصغر حجمهم، ولأنهم يفقدون السوائل عبر: التبول والإخراج والتعرق وحتى عند البكاء والتنفس"، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، أو التواجد في ظروف معيشية صعبة يغلب عليها شح مياه الشرب.

في قطاع غزة، على سبيل المثال، يعيش العديد من الأطفال مع عائلاتهم في خيام مُهترئة من القماش والشوادر البلاستيكية بفعل الحرب، وسط أطنان من الركام وفي مناطق مكشوفة تمامًا بعد تدمير أكثر من 90% من العمران، بما يشمل المنازل، والمراكز الصحية، والبنى التحتية؛ والمتمثلة في آبار وشبكات المياه ومنظومة الصرف الصحي. 

المُختصّ البيئي نزار الوحيدي، قال في حديث سابق لـ 'آخر قصّة'، إنَّ انهيار البنية التحتية المائية في غزة يهدد الصحة العامة للسكان، وخاصة الأطفال وكبار السن، مع ارتفاع مخاطر الإصابة بالجفاف، والإجهاد الحراري، والأمراض المرتبطة بسوء النظافة، والاضطرارلاستخدام مياه غير آمنة ملوثة. 

وهذا ترك الأطفال أمام واقع مُنهار، إذ تُفيد تقارير أمميّة، خلال أسبوعين فقط سُجّل في غزة 1500 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال، يشمل هذا الجفاف، فيما سُجّلت على مدار الحرب أكثر من مليونيْ حالة بين الأهالي بأمراض مُعدية.

في هذه البيئة وشبيهاتها من مناطق النزاعات الأخرى في العالم، حيث محدودية الوصول لمصادر المياه، ترتفع معدّلات سوء التغذية والجفاف اللّذان يُهدّدان حياة الأطفال، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة التي تصل داخل خيام النزوح إلى 40ْ درجة، ومواسم الجفاف في الدول النامية خاصة، يتعرق الطفل ليفقد سوائل ثمينة دون أن يتم تعويضها، وفي حال أصيب بنوبة إسهال أو قيء، سيبدأ جسده الصغير بالانهيار بسرعة. هنا، يتحول الجفاف إلى خطر حقيقي، فبينما الأم التي تحاول ترطيب طفلها قد لا تدرك أنه وصل مرحلة الخطر.

استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة أمين ثلجي، يقول في لقاء تلفزيوني إن الجفاف مشكلة صحية تهدد حياة الطفل إذا لم يتم التعامل معها فوراً وبشكل سليم، فهو يعيق عمل الأجهزة الحيوية في الجسم، خاصة للأطفال تحت سن الخامسة، ويشرح الطبيب ثلجي أعراض الجفاف كالتالي:

طبيب الأطفال محمد دسوقي، قال في فيديو توعوي عبر قناته على يوتيوب، إن عَرَضًا واحدًا يكفي للتشخيص بالجفاف، وأضاف أنّ الوقاية والتدخل المبكر هما مفتاح النجاة، وعلى الأهالي مراقبة أطفالهم في حالة الإعياء لتجنب الجفاف وألا ينتظروا حدوثه، وعند ملاحظة أيّ من أعراضه التوجه فوراً لأقرب مركز طبي، خاصة إذا كان الطفل لا يستطيع تناول الأدوية والسوائل والرضاعة.

من جانبٍ آخر، يُبيّن استشاري طب الأطفال مشعل القاسمي خطورةً إضافية للجفاف؛ وهي أنه يصيب الصغار مع غالبية الأمراض التي يتعرضون لها، الأمراض التي يتعرضون لها، أهمها أمراض الجهاز الهضمي المسببة للقيء والإسهال، والالتهابات بأنواعها، والحمى التي تتسبب بتبخر السوائل عن الجلد، ويقول الطبيب إن أعراض الجفاف تتفاقم سريعاً مع عدم قدرة الطفل/ الرضيع على تناول السوائل والأدوية. 

هذا التحذير يتطابق مع ما أورده الطبيب العام غسان مطر، في تقرير سابق  لـ "آخر قصة"، إذ نبّه من أن شح المياه في فصل الصيف يضاعف هذه المخاطر، لا سيما لدى الأطفال، ويرفع احتمالات انتشار الأمراض الجلدية والأوبئة المعوية والهضمية، خاصة في المناطق المكتظة التي تفتقر إلى المقومات الصحية الأساسية.

وعلى الصعيد الدولي، يمتد هذا الخطر ليشمل ملايين الصغار؛ حيث يذكر تقرير لمؤسسة قطر الخيرية أن 160 مليون طفل حول العالم يعيشون حالياً في مناطق تعاني من مستويات عالية من الجفاف، وبحلول عام 2040، سيعيش طفل من بين كل 4 أطفال في مناطق تواجه إجهادًا مائيًا شديدًا.

الإسعاف الأوّلي للجفاف في المنزل:

أولًا: في حال كان لدى الطفل/ الرضيع قابلية لتناول سوائل وأدوية، أو الرضاعة، يذكر المركز العالمي للإسعافات الأولية، عبر موقعه الإلكتروني، الخطوات الأوّلية للإسعاف من الجفاف:

ثانياً: وفق أطباء الأطفال، ومركز الإسعاف، ففي حالة رفض الطفل/ الرضيع السوائل أو وجود قيء مستمر لكل ما يتم تناوله يجب التوجه به فوراً إلى المستشفى، أو أقرب مركز طبي، لتزويده بالمحاليل عبر الوريد ووقف القيء، إلى حين علاجه وإعادة تزويده بالسوائل عبر الفم.

وبينما تشير دراسات إلى أنّ الإسهال المسبب للجفاف هو ثاني سبب لوفاة الأطفال تحت سن الخامسة، تواصل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الأطفال، وخاصة اليونيسف، في تقارير لها، التنبيه من خطورة الجفاف حين يترافق مع سوء التغذية في البيئات التي تعاني شح المياه أو تلوثها، إذ يكون الجفاف لدى الأطفال قاتلاً، ويشمل هذا التهديد ملايين الأطفال حول العالم، وتحذر مؤسسات أممية من استمرار التراجع في مؤشنر الهدف رقم 6 من أهداف التنمية المستدامة، الساعي لضمان توافر المياه والصرف الصحي وإدارتهما بشكل مستدام للجميع، وقالت إنّ 2.2 مليار شخص (ثلث سكان العالم) بدون إمكانية الوصول إلى مياه الشرب المدارة بشكل آمن.

وتذكر الجمعية الوطنية الأمريكية للطبّ أنّ الأطفال في الدول النامية ومناطق النزاعات هم عرضة للوفاة بسبب الأمراض المرتبطة بالمياه، ومنها الجفاف، بما يعادل 10 إلى 20 ضعفاً، مقارنة بالأطفال في الدول المتقدمة المستقرة، كما أنّ تواجد الأطفال في بيئة فقيرة غير آمنة تزيد خطر تعرضهم "للجفاف الشديد" بثلاثة أضعاف.

رغم خطورة الجفاف عند الأطفال وحديثي الولادة إلا أن غالبية الحالات قابلة للتعافي، عند التدخل الصحيح، وفق دراسة صادرة عن الجمعية الأمريكية للطب، لذا نعود للمركز العالمي للإسعافات الأولية، لاستعراض جملة من الإجراءات لوقاية أطفالنا من الجفاف:

نختم بالقول إن حماية صغارنا من الجفاف، خاصة في المناطق التي تعيش ظروفاً استثنائية، تبدأ بوعينا بأن "الماء هو الدواء"، ومراقبة المؤشرات الحيوية الظاهرة على الأطفال ونشاطهم، كما أشرنا، والاهتمام بتبريد أجسامهم، والبحث عن المساعدة الطبية فور ملاحظة أيّ من علامات الخطر، كل هذا هو عملياً "خطوات بسيطة" قد تكون الفرق بين الحياة والانهيار.